الأربعاء, يوليو 17, 2024

فاز أردوغان.. انهزمت تركيا

آراء

لو لم يفز رجب طيب أردوغان بالرئاسة لكان في طريقه إلى السجن الآن، لأنه أنفق كل ما لدى المصرف المركزي من احتياطات لكي يضمن لنفسه ذلك الفوز. هو وحاكم المصرف الذي تواطأ معه. وكان أول جواب ديمقراطي حقيقي على هذا الفوز هو أن الليرة التركية سجلت أدنى مستوى لها على الإطلاق، لأن الأسواق تعرف ماذا يحصل، بينما وضع 52 في المئة من الناخبين غباءهم في صندوق الاقتراع.

أردوغان هو “خيار الأغلبية من الناخبين”. لا يوجد أدنى شك في ذلك. وتلك هي “الديمقراطية”. أي أن يذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع ليختاروا رئيسا من اثنين. وانتهت القصة. ربما تعتقد أن ذلك كذلك.

ولكنها لم تنته حقا. ثمة كوابيس ما يزال يتعين على تركيا أن ترزح تحت وطأتها، قبل أن تكتشف أن “الديمقراطية” هي ليست صندوق اقتراع. إنها منظومة القيم والمعايير التي تسبق الصندوق، وتضفي عليه المعنى الحضاري المطلوب، لكي لا يكون صندوق قمامة. والنتيجة لا تهم بمقدار ما يهم الطريق إليها. وأعيد لكي تصحو: النتيجة لا تهم بمقدار ما يهم الطريق إليها.
فرش أردوغان طريقه إلى الفوز بالأكاذيب، والوعود الزائفة والقدرة على توجيه الإهانات والاتهامات الباطلة لمنافسه. استخدم كل وسائل السلطة لكي يدعم فرصه للفوز. رفع الأجور، ووعد بإعادة بناء ما تهدم في الزلزال في غضون عام، وقرر أن يمنح الغاز مجانا للمنازل لمدة عام، وألغى ديونا، على اعتبار أنه كان يعطي من مال أبيه. وكان كل ما بقي ينقص عزائمه هو أن يُخرج الأموال من جيبه لينثرها على رؤوس الناخبين، ليُثبت أنه ورث المصرف المركزي.

لم يسأله الناخبون من أين لك هذا. ليس لأنهم حمقى، ولكن لأنهم يرغبون بأن يكونوا حمقى. وحيث أنه “رئيس”، فإنه يستطيع أن يمد يده إلى خزائن المال لكي يوزع منها ما يشاء لمن يشاء. ومن بعد ذلك وقبله، فإنه قدم “إنجازات صناعية” متتالية، واشتغلت كل وسائل الإعلام الرسمية لصالحه. واصطف القضاء إلى جانبه لكي يحميه من معارضيه.

هذه تجربة تستطيع أن تفهم منها لماذا لا تتناسب الديمقراطية مع الشعوب البدائية.

أولا، لأنها شعوب لا تسأل، ولا تشكك، ولا تقارن، ولا تدقق في الوعود.

وثانيا، لأنها تميل إلى قبول الأوهام والمزاعم على أنها حقائق.

وثالثا، لأن السلطة قاهرة بقدرتها على السطو على عقول الناخبين. ولأنها قاهرة بقدرتها على سحقهم.

أعداد الناخبين الضخمة التي تجاوزت 85 في المئة، تقدم إيحاءين متضاربين. الأول، بأن الناخبين يؤمنون بقدرتهم على اتخاذ القرار. والثاني، لأن هناك انقساما حادا داخل المجتمع يحفز طرفيه على اللجوء إلى هذه الوسيلة لحسمه.

يكفي لتبديد السبب الأول، القول إن قسطا من الناخبين حسم اختياره على أساس “إيماني” مسبق. الذين هم مع أردوغان ظلوا مع أردوغان. والذين هم مع منافسه، ظلوا مع منافسه، إن لم يكن حبا فيه، فأملا بالتخلص من أردوغان.

هذا القسط خارج دائرة الديمقراطية. لأنه منحاز سلفا. ولا يُفاضل بين الخيارات.

قسط آخر، يقع تحت تأثيرات السلطة، بحسب الطبع الميّال إلى “حب الرئيس”، لمجرد أنه امتلك الفرصة على امتداد عدة سنوات متواصلة لكي يقدم نفسه كحليف للملائكة.

هذا القسط، خارج دائرة الديمقراطية أيضا، لأنه ساذج ومأخوذ بالمظاهر.

وهناك قسط ثالث، ربما كان هو الأكبر، يتألف من المنتفعين من كل سلطة، أيّا ما كانت. وهؤلاء يظلون يدورون في فلكها حتى تغرق. وهي ما تشمل الحزب الحاكم ومنظماته والمتعاونين معه والمستفيدين من سلطته والمتواطئين مع فساده والذين أثروْا من خلال ما توفر لهم من فرص.

وهذا القسط، ليس خارج دائرة الديمقراطية فحسب، بل إنه عدوّ تلقائي لها.

ما هي إذن تلك الديمقراطية التي لا تقع ضحية لدوائر بربرية كهذه؟

إنها ذلك الشيء الذي يعني أن الحاكم يحكم الدولة، ولكنه لا يملكها. هذا معيار أساس من معايير بناء القواعد. وهو الذي يجعل من تداول السلطة أمرا ممكنا. وعندما لا يتوفر، فلا يجب أن تستغرب لماذا يبقى حاكم مثل أردوغان يحكم بلاده لمدة ربع قرن، رغم الزلزال الذي أطاح بمساكن مئات الآلاف. ورغم 50 ألفا من الضحايا الذين دفنوا تحت الأنقاض، ورغم الزلزال الاقتصادي الذي أطاح بنحو 90 في المئة من قيمة العملة، ورغم ما يقارب نصف مليون موظف حكومي فقدوا وظائفهم باتهامات تتعلق بالانتماء إلى حزب منافس، ورغم أكثر من 100 ألف مواطن مروا على سجون النظام، أو ما يزالون فيها. تحتاج إلى شعب من دون ضمير لكي يتجاهل كل ذلك.

المعيار الآخر، هو أن الدولة مؤسسة مدنية مستقلة عمّن يحكمها. ابتداء من “المدير العام” فما دون ذلك، هم موظفون مدنيون، يؤدون واجبات تكنوقراطية، يفترض ألا يكون لها أيّ علاقة بالحزب الحاكم. ربما يمتثلون لسياساته ويعملون على تنفيذ برامجه أو عقلنتها، إلا أنهم مستقلون، ويعملون في إطارات “الخدمة المدنية” بما لا يجعلهم مرتبطين بأيّ حزب حاكم.

المعيار الثالث، الأهم، هو أن القضاء كيان مستقل. إنه “دولة” لا يحكمها حاكم إلا القانون. وبالتالي، فإنه ما من قاض يسمح لنفسه أن يتلقى أوامر من أيّ جهة سياسية، لأنه هو الأعلى. وهو يحترم سلطته، لأنه يحترم نفسه، فلا يُصدر أحكامه بناء على الهوى أو “التوصيات” أو الغمزات التي يتلقاها “من فوق”. القضاة الذين يتلقون أوامرهم “من فوق” يقرون سلفا بأنهم من طينة واطئة لا تستحق أن تكون هي السلطة الأعلى.

لقد فاز أردوغان وهو يقود دولة لا تمتثل لمثل هذه المعايير. وانتخبه ناخبون لا يقرون بأهميتها أو لا يعرفون معناها أصلا.

ولكن هؤلاء ليسوا هم كل تركيا. ثمة في هذه البلاد نخبة مثقفة كبيرة. ولأنها مثقفة، فإنها لا تستطيع، ولم تجد سبيلا، لكي تتعامل مع السلطة كملكية خاصة تابعة للحزب الحاكم.

تركيا بلد ناشئ بالنسبة إلى قيم الديمقراطية ومعاييرها. لم يتعرف عليها بعد. ولهذا السبب، فإنه يمارسها كـ”صندوق اقتراع”، لا يقترع فيه إلا الخواء.

في المجتمعات التي توفرت فيها تلك المعايير، يذهب إلى صناديق الاقتراع عدد من الناخبين بالكاد يتراوح حول نصف المجموع العام. وهناك سبب لذلك. هو أن قواعد النظام تظل تحفظ للدولة استقرارها الاجتماعي والاقتصادي والأمني. لا شيء يثير الخوف بالنسبة إلى المجتمع، جاء إلى السلطة مَنْ جاء، وذهب عنها مَنْ ذهب. الأسس لا تتزعزع، وتظل الحياة تتواصل على المنوال نفسه. والحاكم لا يملك أن يُنفق على انتخابه من المال العام.

الانقسام العنيف الذي ساق الأتراك إلى صناديق الاقتراع، هو انقسام بين تصورين مختلفين للدولة. الأول، هو دولة البرابرة التي تمارس “الديمقراطية” بوصفها عملا من أعمال الخداع والزيف. والثاني، هو دولة لم تقم لها قائمة بعد، وما تزال مجرد حلم ليلة صيف من أحلام المثقفين.

لقد فاز أردوغان في دولته. وكان من الطبيعي أن يفوز. وانهزمت تركيا لخمس سنين أخرى.

علي الصراف
كاتب عراقي
العرب اللندنية

شارك هذا الموضوع على