الإثنين, فبراير 26, 2024
آراء

فتح الله حسيني: المصالحة الداخلية الغائبة في سوريا

ما زالت سوريا كخارطة ممزقة وقابلة للتمزيق أكثر، تواجه تداعيات الحرب الداخلية الطويلة غير المتوقفة، والمعارك الحاضرة دائماً سواء المفروضة من الخارج، الإقليمي خاصة أو المطروحة من الداخل السوري ذاته، بدءاً من احتجاجات السويداء، إلى المظاهرات في درعا، والمسيرات “الدرون” التي تقصف قامشلو والحسكة والمناطق الحدودية الأخرى بشكل استفزازي متكرر، والهجمات التي تطال قاعدة التنف في الجنوب، وعدم استقرار الأوضاع في دير الزور، ووصولاً إلى الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه دمشق العاصمة لأكثر من عقد، مثلها مثل أغلبية المحافظات السورية؛ وكل ذلك دون وضوح الرؤية الدولية حول التهدئة والبدء برسم خارطة طريق للتسوية السياسية المأمولة بالنسبة للشعوب السورية عامة.

الحروب والمعارك المفروضة على الشعوب السورية، بدمويتها تركت آثارها السلبية الواضحة على واقع المجتمع السوري بتناقضاته السياسية والعسكرية والتنظيمية والمجتمعية، إضافة إلى الضغط الداخلي المتفاقم نظراً لسيطرة الأجندات الخارجية على الواقع السوري الذي مزقته الفصائل المسلحة في الوسط وغرب الفرات، مما باتت سوريا على محك الانهيار الكامل، إذا لم تفرض القوى الدولية واقعاً جديداً بالضغط على أطراف الصراع، بعد كل ذلك الدمار والخراب والتشريد الذي لاحق السوري كاللعنة، من الشمال إلى الجنوب، ومن الغرب إلى الشرق؛ مع الإشارة إلى سياسة “صفر مبادرة” التي تنتهجها حكومة دمشق.

تواصل حكومة بشار الأسد المضي قدماً في أجنداتها الانتقامية من الشعوب السورية، رغم هشاشة النظام ذاته، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً لتكون حكومة دون رؤية وأفق مقضية لخلق مناخ للتفاوض، أي بصريح العبارة فقط حكومة تركز على رفع شعارات النصر والوحدة، وهي ذاتها التي تدفع البلاد نحو المعارك والصراع، حالمة بالعودة إلى المربع الأول في التصفية والتسوية معاً، وهذا ما لم تعد ترضاها الشعوب السورية بعد كل تلك الولايات والكوارث والتعقيدات التي لاحقت هي أيضاً السوري كاللعنة.

وسط كل ذلك، استطاعت الإدارة الذاتية الديمقراطية أن تقدم حلولاً شبه مرضية لجميع الأطراف السياسية والعسكرية في الداخل دون الارتهان إلى توافقات الخارج، إلا أنها قوبلت بالرفض من جانب النظام السوري بحجة أن أصحاب المبادرة متحالفون مع قوات التحالف الدولي بقيادة أمريكا، وترفضها تيارات المعارضة العربية الإسلامية لأنها تجد في مبادرات الإدارة الذاتية مبادرات كردية صرفة وتخدم الانفصال من الخارطة السورية بحسب أوهامهم ونواياهم لا بحسب ما هو قائم على الأرض، بينما العكس صحيح تماماً، لأن الإدارة الذاتية والكرد هم وحدهم استطاعوا أن يحافظوا مع شركائهم على الهوية السورية المتنوعة غير المرتهنة، وطرحوا بكل مسؤولية وطنية وأخلاقية مشاريع سياسية ناجعة تخدم التهدئة والحل السياسي في سوريا دون أن ينتظروا غيرهم ليقدموا مبادرات تخدم الحل السياسي.

عودة الحياة السياسية الطبيعية إلى سوريا، أمر صعب وشائك ومعقد، نظراً لكبر حجم التدخلات الكثيرة في ملف الأزمة المعقدة أصلاً، ونظراً ليأس المجتمع الدولي من الأوضاع المتفاقمة بعد أن فقد هذا المجتمع ذاته إرادته أمام صفقات الدول الإقليمية، وذلك مع تفاقم الصراع الروسي – الأمريكي في سوريا وتفاقم الصراع التركي – الإيراني أيضاً، بالتزامن مع انعدام أية مبادرة من جانب الأمم المتحدة على الأقل للبدء بتهيئة الأوضاع التي تؤدي إلى إيجاد صيغ تفاهم، على الأقل أيضاً لتعود سوريا إلى موقع الاهتمام من جانب المجتمع الدولي، بعد تهميش المسألة السورية وتركها في دمويتها، نظراً للصراعات المستفحلة في عموم المنطقة، بل وفي العالم أجمع.

سوريا؛ إذاً؛ بحاجة ماسة إلى حل سياسي ومصالحة وطنية جامعة ومصالحات داخلية لا أكثر.