مسلم شيخ حسن
مجلة الحوار – العدد /84/ – السنة 32 – 2025م.
تعد مدينة كوباني إحدى أبرز المدن الكردية في (روجآفا كردستان) شمال سوريا، حيث تقعُ على الشريط الحدودي مع تركيا المناطق الكردية الرئيسية: عفرين، كوباني، قامشلو. وقد شكل موقعها الجغرافي أهمية استراتيجية بالنسبة لمدينة سروج التركية، كما أن ارتباطها الإداري بمحافظة حلب وبعدها عن مركز محافظتي حلب والرقة يوفر لها موقعاً وسطياً بين الداخل السوري والحدود التركية. وقد ساهم هذا الموقع الجغرافي، منذ نشأته، في تحولها إلى نقطة اتصال بين العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحلية والإقليمية.
قبل بدء الأزمة السورية، كان عدد سكان كوباني، بما في ذلك قراها وريفها، حوالي 300 ألف نسمة من الكرد، باستثناء بلدتي الشيوخ وصرين المحيطتين بهما، واللتين يسكنهما العرب. تنتشر قراها، التي تقدر بنحو 400 قرية، على مساحة شاسعة، تشكل امتداداً طبيعياً للمدينة وقطاعها الزراعي والصناعي المهم. من حيث التركيبة العشائرية، تتميز كوباني وريفها بتنوع سكاني عشائري، يعكس الاستمرارية الاجتماعية للتاريخ الكردي في المنطقة. أبرز العشائر هي: شيخان، كيتكان، علدينان، عاصيان، بيزان، شدادان، زروران، عليزران، بيشالتيان، أوخيان، ودنان. لم يكن هذا التنوع العشائري مجرد ظاهرة اجتماعية فحسب، بل ساهم في تعزيز شبكة قوية من التضامن الاجتماعي ضمن هوية كردية جامعة.
اعتمد سكان كوباني تاريخياً على الزراعة، ولاسيما القمح والشعير والقطن، قبل أن ينخرط بعضهم في صناعات صغيرة أبرزها تصنيع معدات حفر الآبار. وفي الآونة الأخيرة، بدأوا بزراعة أشجار الزيتون والفستق الحلبي. تاريخياً، ارتبطت نشأة المدينة بتهجير الأرمن من الدولة العثمانية مطلع القرن العشرين. إذ استقر بعضهم على ضفاف نبع قريتي كانيا عربان وكانيا مرشد، وساهموا في بنائها الاقتصادي والاجتماعي من خلال فتح محال تجارية صغيرة، مما جعلهم شركاء في بناء الهوية الحضرية والاجتماعية لكوباني. ومع ترسيم الحدود بين سوريا وتركيا بموجب اتفاقيات دولية، تبلورت هوية حضرية خاصة بالمدينة جعلتها متميزة في محيطها.
مقالات قد تهمك
حافظت كوباني على موروثها الكردي الأصيل، القائم على التماسك العائلي، والتشبث بالأرض وإحياء المناسبات القومية، وفي مقدمتها عيد النوروز الذي يحتفل به سكانها بطقوس جماعية تجمع بين الرقص والغناء وإشعال النار رمزاً للتحرر. كما ظلت الأعراس والمناسبات الشعبية مكاناً لإحياء التراث الشعبي الكردي من خلال الدبكة والإيقاعات التقليدية بالطبل والزرنا، مما عزز حضورها كرمز للثقافة الشعبية الكردية. ولم تقتصر أهميتها على جوانبها الاجتماعية والثقافية المحلية بل امتدت إلى أبعد من ذلك لتصبح مكاناً للمناضلين والمفكرين الكرد، حيث احتضنت شخصيات بارزة مثل عثمان صبري، وقدري جان، وعبد الله أوجلان وآخرون، الذين لعبوا أدواراً مهمة في إحياء القضية الكردية وتعزيز الوعي القومي. كما كانت حاضنة للموسيقى الكردية، التي برز منها فنانون بارزون مثل باقي خضو، ومشو بكبوري، ورشيد صوفي ومجو كندش، مما جعل كوباني مركز إشعاع فني وثقافي يتجاوز حدودها المحلية.
غير أن التحول الأكبر في تاريخ المدينة المعاصر حدث مع معركة كوباني ضد داعش بين عامي 2014 و2015، والتي شكلت نقطة تحول في مسارها السياسي والاجتماعي. ففي خضم توسع التنظيم عبر شمال سوريا والعراق، حاصر داعش المدينة لعدة أشهر في محاولة لإسقاطها. ومع ذلك، فإن مقاومة ابناء الشعب الكردي بدعم من التحالف الدولي، حولت كوباني إلى رمز عالمي للمقاومة. أظهرت الحرب مقاومة المدينة لواحدة من أكثر القوى الإرهابية وحشية في القرن الحادي والعشرين وكشفت عن عمق التضامن الاجتماعي بين مجتمعاتها في لحظات الخطر الوجودي. لم تكن معركة كوباني مجرد صراع عسكري محلي بل أصبحت حدثاً استراتيجياً غير ميزان القوى في المنطقة. شكلت مقاومتها بداية تراجع نفوذ داعش في سوريا والعراق. اكتسبت المدينة لاحقاً رمزية دولية كبيرة، وأصبحت رمزاً للمقاومة ضد القمع والإرهاب ونقطة محورية للتضامن العالمي مع القضية الكردية. وبهذه الطريقة، أعيد تعريف كوباني ليس فقط كمدينة زراعية حدودية، ولكن كرمز عالمي للنضال من أجل الحرية والكرامة الإنسانية.
تكشف دراسة كوباني عن مدينة تجاوزت حدودها الجغرافية الضيقة، وأصبحت فضاءً تاريخياً واجتماعياً وسياسياً مركباً. فمن جذورها في مرحلة التهجير الأرمني، إلى دورها كمركز زراعي وموطن للعشائر الكردية ذات التماسك الاجتماعي القوي، إلى مكانتها كمركز ثقافي وفني يعبر عن الهوية الكردية، برزت كوباني كنموذج مصغر للتاريخ الكردي في سوريا. ومع حرب عام ٢٠١٤ ضد داعش، برزت المدينة وأصبحت رمزاً عالمياً للصمود والمقاومة، ونقطة مرجعية لتفسير جدلية الهوية والمكان في سياق العلاقات الإقليمية والدولية.
ومن خلال هذا المسار التاريخي والاجتماعي والثقافي، يمكن استخلاص ثلاثة استنتاجات رئيسية.
أولاً، لم تشكل العشائرية والتضامن الأهلي في كوباني عائقاً أمام التماسك القومي، بل شكلا ركيزة لتعزيز الهوية الكردية الموحدة.
ثانياً، لعب الغناء والفن الكردي، اللذان برزا في كوباني، دوراً هاماً في تعزيز الذاكرة الجمعية وزيادة رمزية المدينة في المخيلة الكردية.
الاستنتاج الثالث هو أن الحرب ضد داعش شكلت نقطة تحول، إذ حولت كوباني إلى رمزٍ تجاوز حدودها المحلية ليصل إلى العالم أجمع، واكتسبت مكانة فريدة بين المدن الكردية في سوريا والمنطقة.
وبالتالي، فإن كوباني ليست مجرد مدينة حدودية أو مركزاً زراعياً تقليدياً؛ بل هي مختبر حي لفهم العلاقة بين المجتمع والثقافة والسياسة، ونموذج على قدرة المدن الصغيرة على لعب أدوارٍ استراتيجية في صياغة الهويات ومقاومة التحديات العابرة الحدود.
تاريخياً تعود نشأة مدينة كوباني الى قريتين صغيرتين هما كانيا عربان وكانيا مرشد. وقد ادى إنشاء محطة للخط الحديدي بين القريتين من قِبل شركة (كومباني)الألمانية الى تحول المنطقة إلى مدينة صغيرة تابعة إدارياً لقضاء سروج. اسم «كوباني» مشتقٌّ من اسم الشركة المذكورة (كومباني = كوياني).
اما التسمية المعربة، عين العرب، فهي ترجمة حرفية لاسم «كانيا العرب». يعود هذا الاسم إلى وجود العرب الرحل الذين كانوا يأتون إلى المنطقة في فصل الربيع والصيف لرعي وسقي أغنامهم، ثم يغادرونها بقية العام. وقد تميزت كوباني تاريخياً أيضاً بوجود ثلاث ينابيع رئيسية، جف آخرها عام ١٩٨٨.
تشير بعض الروايات إلى أن تصميم شوارع المدينة النمط الشطرنجي يعود إلى تدخل الجيش الفرنسي خلال فترة الانتداب. بعض المباني الإدارية، مثل السرايا (مبنى إدارة المنطقة)، كانت في الأصل مواقع عسكرية فرنسية. كما استقر فيها عدد من الأرمن الذين نجوا من المجازر العثمانية، لكنهم هاجروا لاحقاً إلى حلب والولايات المتحدة. تقع كوباني على ارتفاع حوالي ٥١٠ أمتار فوق مستوى سطح البحر.
تشير الاكتشافات الأثرية إلى أن تاريخ كوباني يعود إلى عصر ما قبل الميلاد. حيث عثر في جوارها على مواقع مهمة مرتبطة بالحضارتين الحثية والآشورية، أبرزها.
١. شيران (أرسلان طاش/هداتو): تقع على بُعد 7 كم جنوب شرق كوباني، على طريق التجارة القديم بين حران وتل أحمر (بارسيب). عرفت باسم حداتو، وكانت مدينة هادئة ضمها الآشوريون لاحقاً، وجعلوها مركزاً لحكم إقليمي. ومن أهم اكتشافاتها جدار مستطيل (750 متراً × 550 متراً)، تحرسه تماثيل حجرية ضخمة لأسود، و»آثار بيت السن»، الذي احتوى على قطع أثرية من العاج تعود إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد. كما عثر أيضاً على تماثيل كبيرة لأسود وآلهة آشورية، بما في ذلك تمثال لإله يحمل صندوق قرابين (محفوظ في متحف حلب). حيث بدأت أعمال التنقيب عام 1929، ولم يستكشف جزء كبير من الموقع بعد.
٢. موقع كري سور (تل أحمر/ بارسيب): كان مركز عاصمة بيت عديني وتميز بالعديد من التماثيل والمنحوتات المرتبطة بآلهة الخصوبة والطقس. كما اكتشف فيه قصر ملكي يعود تاريخه إلى عهد الملك الآشوري تغلث فلاصر الثالث (٧٤٥-٧٢٧ قبل الميلاد).
٣. موقع جعدة: يقع على الضفة اليمنى لنهر الفرات. وفي عام ٢٠٠٧، اكتشفت بعثة أثرية سورية فرنسية مشتركة لوحة جدارية تعود إلى الألفية الحادية عشرة قبل الميلاد، تعتبر من أقدم اللوحات المعروفة في العالم. رُسمت اللوحة بألوان طبيعية (الأبيض والأسود والأحمر) على جدران طينية داخل منزل دائري مبني من الحجر والطين، يستخدم في الطقوس الدينية والاجتماعية. يرجح أن هذا المنزل شكل أساساً لنماذج معابد لاحقة.
اشتهرت كوباني، نظراً لمساحتها، بأنشطتها الاجتماعية والثقافية المهمة. واشتهرت ايضاً بسينما «مسي»، التي مثلت تجلياً مبكراً للحياة الثقافية في المنطقة، ولكنها اوغلقت لاحقاً.
على الصعيد الاجتماعي، اشتهرت المدينة بأطباقها التقليدية، مثل الكفتة والكبة اللحم والدولمة، المعدة في إطار التقاليد العائلية. كما كانت الحناء عنصراً اساسياً في طقوس الزفاف، وهو تقليد توارثته الأجيال.
تكشف دراسة أصول كوباني وتاريخها عن عمقها الثقافي، الذي يعود إلى عصور ما قبل الميلاد، وعن تعقيد العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في تشكيل هويتها. فمن جهة، ترتبط كوباني بالتحولات الحديثة (بناء السكك الحديدية والوجود الفرنسي)، ومن جهة أخرى، تشهد على التجمعات الثقافية الآشورية والحثية والآرامية القديمة. هذا التعقيد يجعل كوباني نموذجاً مصغراً للتاريخ المعقد لبلاد ما بين النهرين وبلاد الشام معاً.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=83390






