الثلاثاء, مارس 5, 2024
 
القسم الثقافي

لوزان تعدم سيفر

المحامي اسماعيل المحمد*

انتهت الحرب العالمية الأولى بهزيمة دول المركز (ألمانيا، النمسا، المجر، لاحقاً السلطنة العثمانية) أمام دول الحلفاء (بريطانيا، فرنسا، صربيا، الإمبراطورية الروسية، لاحقاً الولايات المتحدة الأمريكية) التي سارعت إلى عقد مؤتمر السلام (مؤتمر الصلح) في مدينة باريس عام ١٩١٩ بمشاركة وفود دولية رسمية وأخرى غير رسمية، عندها حاولت تركيا منع الكرد من المشاركة في المؤتمر، إلّا أن الكرد استطاعوا المشاركة بوفد غير رسمي برئاسة الجنرال شريف باشا الذي كان له دور واضح في طرح القضية الكردية في المؤتمر، إذ دعى من خلال رسالة مشتركة مع رئيس الوفد الأرمني إلى استقلال أرمينيا وكردستان أسوة باستقلال الكثير من الدول العربية من جهة ومن جهة أخرى بالاعتماد على وعود الحلفاء وخاصة بريطانيا التي أجرت اتصالات مع الزعماء الكرد بواسطة الضابط نوئيل الذي أفصح عن رغبة بريطانيا باستقلال كردستان وضرورة الاعتماد على الوعود البريطانية إلى جانب عقد الآمال على تطبيق مبادئ الرئيس الأمريكي ولسون وفي مقدمتها «حق الشعوب في تقرير مصيرها».

انتهت أعمال المؤتمر في عام ١٩٢٠ بإجبار دول المركز على توقيع سلسلة اتفاقيات كانت الغاية منها تفكيك دول المركز وسلخ أجزاء واسعة منها وإلحاقها بدول الحلفاء وخاصة بريطانيا وفرنسا وفرض شروط قاسية عليها لعشرات السنين، ورسم خارطة سياسية جديدة لأوروبا والشرق الأوسط.

كان نصيب الكرد من تلك الاتفاقيات ضمن اتفاقية سيفر التي أُبرمت بين السلطنة العثمانية ودول الحلفاء والتي بموجبها تم ترسيم حدود دولة تركيا الحالية كوريثة للسلطنة العثمانية، تناولت الاتفاقية في البنود ٦٢، ٦٣ ،٦٤ حق الكرد في إجراء استفتاء لتقرير مصيرهم في المناطق الكردية الواقعة تحت سيطرة السلطنة العثمانية آنذاك.

بتوقيع الاتفاقية انتعشت آمال الكرد بإقامة دولتهم على غرار شعوب المنطقة والعيش بسلام وأمان على أرضهم التاريخية كردستان، ولذلك بدأ زعماء الكرد بإجراء اتصالات مع عصبة الأمم والدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى إلى جانب إرسالهم برقية إلى مجلس الأمة التركي لتطبيق بنود اتفاقية سيفر، إلّا أن الاتفاقية لم تر النور ولم تطبق عملياً لأسباب ذاتية تتعلق بالكرد أنفسهم وأسباب موضوعية أهمها انسحاب أمريكا من الاتفاقية ورفض مصطفى كمال (الذي كان وقتها قائداً للجيش) كامل بنود اتفاقية سيفر ومعارضته أوامر السلطان العثماني، إذ سارع إلى تشكيل مجلس وطني جرّد بموجبه موقعي الاتفاقية من جنسيتهم، وفيما بعد شكّل حكومة موازية لحكومة السلطنة العثمانية وقاد عدة حروب ضد قوات الحلفاء واليونانيين استطاع من خلالها استعادة بعض الأراضي التركية.

عارض مصطفى كمال تطبيق بنود اتفاقية سيفر (التي كانت تقرّ بحق الشعوب في تقرير مصيرها ورسم خارطة جديدة للشرق الأوسط) وكثف اتصالاته وضغوطه على دول الحلفاء لإلغاء اتفاقية سيفر، إثر ذلك بدأت دول الحلفاء تعيد النظر في حساباتها ومصالحها في محاولة منها للالتفاف على اتفاقية سيفر ضاربة بعرض الحائط الوعود التي قطعتها على نفسها للكرد وغيرهم من شعوب المنطقة واضعة مصلحتها فوق أي اعتبار إنساني أو قانوني.

لعل أهم أسباب تراجع دول الحلفاء عن وعودها هو تشكيل الدولة التركية الحديثة على أساس علماني تتبنى الأفكار الأوربية مع تهميش دور التيار الإسلامي، وفي نفس الوقت تكون بعيدة التأثر بالأفكار الشيوعية الصاعدة في روسيا، على أن يأُخذ في الحسبان النزعة التوسعية للأتراك وكبح جماحهم كلما حاول لعب دور أكبر من الدور المنوط بهم.

في مدينة لوزان السويسرية وبالتحديد في ٢٤/٧/١٩٢٣ أُبرمت دول الحلفاء مع تركيا (ترأس وفد تركيا عصمت اينونو) اتفاقية لوزان دون أن يكون للكرد أي حضور في المؤتمر سواء بشكل رسمي أو غير رسمي وبذلك لم تطرح القضية الكردية للنقاش في المؤتمر لتنهي اتفاقية لوزان اتفاقية سيفر وتقضي على آمال الشعب الكردي في تحقيق حلمه بالعيش في وطنه كردستان، تاركة الشعب الكردي يصارع إلى أجل غير مسمى مع قوى الظلم والاضطهاد بين أربعة كيانات سياسية أنشأت حديثاً.

مارست تلك الدول وماتزال سياسات عنصرية وشوفينية بحق الشعب الكردي ولجأت في أحيان كثيرة إلى العنف والسلاح والقتل والتدمير بهدف اقتلاعه من جذوره وتهجيره من مناطق سكناه التاريخية وطمس هويته وإحداث تغيير ديموغرافي، إزاء ذلك ظل الشعب الكردي مدافعاً عن وجوده محافظاً على هويته ولغته إلى أن أشرقت شمس الحرية في كردستان العراق في بدايات التسعينات من القرن الماضي والتي أصبحت فيما بعد إقليما فيدرالياً بموجب الدستور العراقي، ولاحقاً في المناطق الكردية في سوريا في العقد الثاني من القرن الحالي حيث تم إعلان الإدارة الذاتية التي تواجه صعوبات جمة داخلية وخارجية.

بعد مضي مئة عام على اتفاقية لوزان لابد من إعادة النظر فيها بما يتوافق مع إرادة شعوبها التواقة إلى التحرر، وهو ما يتعارض مع مصالح الدول الغاصبة لكردستان التي لا تتوانى عن عقد اللقاءات والاتفاقيات الثنائية والثلاثية والرباعية لكسر إرادة الشعب الكردي.

أمام هذا الواقع المعقد الذي تتشابك فيه مصالح الدول الغاصبة لكردستان مع بعضها البعض من جهة ومع بعض الدول الإقليمية والدول العظمى من جهة أخرى ضد إرادة الشعب الكردي، لابد من إعادة النظر في العلاقات الكردية- الكردية والاستعجال إلى عقد المؤتمر القومي الكردستاني بحضور كافة الأطراف دون إقصاء أي طرف، ووضع استراتيجية واضحة تحدد أولويات نضال شعبنا في سبيل الحصول على حقوقه القومية المشروعة.

* جريدة الوحـدة – العدد /344/- 18 كانون الأول 2023م – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي).