الأربعاء, يوليو 17, 2024

محمد عفيف الحسيني.. ترحل بعيداً لتكتب الشعر

القسم الثقافي

محمود الحاج

نُفاجأ، ونحن نحسب عُمْر محمد عفيف الحسيني بعد تلقِّينا خبر رحيله، بأنه كان في الخامسة والستّين. صورته الثابتة في بالنا، نحن الذين لم نعرفه إلّا من بعيد، هي صورةُ ذاك الشاب الذي يرسل قصائد من الشمال الأوروبي إلى بلاد بعيدة ينشر في دوريّاتها ويكتب لقرّائها. هناك اكتشفناه: على صفحات مجلّات عربية اقتنيناها أو استعرناها بعد أكثر من عقدٍ من صدورها في التسعينيات. وهناك بقيت صورتُنا عنه. صورة شابٍّ غادر مدينته، عامودا، وبلده، سورية، مثل كثير من الأكراد، بحثاً عن حرّية عيش لا توفّرها سورية، أو نظامها السياسي، لأمثاله.

من غوتنبرغ، جنوب غربي السويد، كان الشاعر السوري الكرديّ يكتب: عن ابنته، عن كردستان، عن أساطير وشخصيات كردية، عن البرونز والمعادن والأحجار الكريمة، عن الأشجار والحدائق والجدران، عن الموت والعزلة والكآبة، عن الحبّ والرغبة، وبالتأكيد عن محيطه السويديّ الذي سيتمدّد، مع السنوات، على مساحة أكبر من شعره.

لا بدّ أن الحسيني ــ الذي وُلد عام 1957 ورحل قبل أيام في غوتنبرغ ــ قد بدأ الكتابة في سورية. لكنّه لن ينشر إلّا بعد مغادرته البلد، عام 1989. “المنفى أعطاني الشعر. في السويد كتبتُ الشعر. في عامودا، كتبتُ الشعر العجول”، سيقول، مرّة، في حوار معه. ولن يكون في وسعنا، كقرّاء، الاطّلاع على أمثلةٍ من تلك الكتابة “العجولة” في شبابه، والتي قوبلت إمّا برفض المنابر السورية الحكومية نشرها، أو بتمزيق الشاعر لها، لعدم قناعته بها.

سيصدر أوّل ديوان “فعليّ” للحسيني عام 1993 (“بحيرةٌ من يديك”، دار أزمنة). ونقول “فعليّ” لأن الشاعر نشر، في السويد، عام 1990، كتاباً مشتركاً، بالعربية والكردية، مع أحمد الحسيني، تحت عنوان “قليلاً من رثاء، بقية من مجزرة”. كتابٌ لم يوزَّع، كما يبدو، على نحو واسع، ولم يبق له أثرٌ تقريباً، إلّا أنْ يجعلنا نفكّر، انطلاقاً من عنوانه، بأنه كان من المستحيل أن يجد ناشراً في بلد يحكمه الاستبداد مثل سورية. هكذا، كان على محمد عفيف الحسيني أن يبتعد عن بلده ليصبح شاعراً، أو على الأقلّ ليصبح حُرّاً في تفكيره وفي انتقاء كلماته وتسمية الأشياء كما يريد تسميتها.

صوتٌ كرديّ في القصيدة السورية عايش “معضلة سليم بركات”

في السويد، ستتوطّد صداقةٌ بين الحسيني وسليم بركات. ورغم فارق العمر الضئيل نسبياً بينهما (ستّ سنوات ـــ سليم بركات من مواليد 1951)، إلّا أن هذه الصداقة ستأخذ، أدبياً على الأقل، شكْل إعجاب: إعجاب شاعر دخل عالم القصيدة للتوّ بشاعر آخَر يبدو له كمعلّم. ذلك أن بركات، الذي وصل إلى السويد عام 1990، كان منذ ذلك الوقت المبكّر صوتاً معروفاً (كان قد نشر، حتّى ذلك الحين، نحو عشرة كتب، بين شعر ورواية)، صوتاً مختلفاً ومؤثِّراً في غيره، ولا سيّما في الشباب من الشعراء السوريين الأكراد.

وقد يكون محمد عفيف الحسيني، من بين الشعراء السوريين الأكراد، أكثر مَن عايشوا “معضلة سليم بركات” هذه: معضلة أن تكون معجباً إلى حدّ بعيد بصاحب “المعجم”، وأن تُحاول، في المقابل، ألّا يؤثّر صوته الفريد على كتابتك إلى حدٍّ تتحوّل معه إلى صدىً لصوته ذاك… وعلى أيّ حال، لم يُخفِ الحسيني، يوماً، إعجابه بشعر بركات، ومن ذلك، مثلاً، احتفاؤه به أكثر من مرّة في مجلّة “حجلنامة” التي أسّسها لدعم الأدب الكردي، ورأس تحريرها عدّة سنوات، قبل أن تنطفئ مع غياب الدعم.

إلى جانب أعماله الشعرية (خمس مجموعات) التي جُمعت وصدرت هذا العام في كتاب (“تحدث معي قليلاً أيها الغريب” ــ الأعمال الشعرية”، دار “هُنّ”)، ترك محمد عفيف الحسيني كتابين في السرد، هما “جهة الأربعاء ــ شطحات روائية” (1997)، الذي يُعيد تخيّل حكايته الشخصية، من عامودا إلى المنفى السويدي، و”بهارات هندو-أوروبية” (2018)، الذي يجمع بين السيرة وأدب الرحلات.

المصدر: العربي الجديد

شارك هذا الموضوع على