الخميس, مايو 30, 2024

 مرآة عاكسة عند الشاعر بدل رفو

القسم الثقافي

حاتم خاني
جامعة بوليتكنيك – دهوك

 

قد يكون احد الاعمدة التي يرنكز  اليها شعر الاغتراب هو اشتياق الشاعر الى ايام طفولته وشبابه التي عاشها في الوطن , وارتباط تلك الايام بمعالم وطنه ومدينته وحيه بكل منغصاتها وحلاواتها , واحساس الشاعر برغبة جامحة لديه تظهر بين سطور معظم القصائد التي ينظمها في تذكر تلك الايام وتعلقه الشديد باحداثها , حتى ان الاحداث التي كانت تعتبر في حينها احداثا مؤلمة , تبدو في مخيلته وكأنها اجزاء متسلسلة في حياته يجب المرور بها حيث تحولت هي الاخرى الى ذكريات ذات ملمس شفاف ناعم بعد ان كانت في تلك الايام العتيقة تشكل مأزقا تؤرق له عيشه .

ومهما مر الشاعر في تلك البلاد البعيدة وهو في غربته بخذلان واوقات عصيبة , ومهما تنوعت جولاته ورحلاته في اصقاع الدنيا ومدنها , وايا بلغت محاولاته ليطفئ حنينه وشوقه لايام طفولته ووطنه الام وذلك باغتراف ثقافات الشعوب التي يزورها وانغماسه بتلك المناهل التي يعتقد بانه قد يبتعد عن ذلك الحنين الجارف لطفولته  لكي لا يعود الى تذكر بدايات حياته  , الا ان ازقة مدينته حيث تطبعت عيناه الصغيرة حينها على رؤيتها لا تبرح تطرق ضفائر مخيلته وتحبس افكاره بنفس الاتجاه الذي يتحكم في غربته ومهجره وهو مسار الوطن والحنين الى الطفولة العذبة التي اصبحت هي متنفسه وهي رحلاته واحلامه واوهامه واللغة التي لايغدو الا ويتكئ على ارصفتها وينطق بحروفها واصبحت ذكریات هذه الطفوله‌ مرآة‌ عاكسة ملتصقة في عقله وجوانحه تمنعه من الانخراط مع تلك السيول الجارفة  من الكتّاب الذين يلوكون في امور الوطن المتشابكة ويتيهون في لغو الكلام عن البلاد كما انها تقيه من افكارهم التواقة للحرية الواهمة , وبذلك يحافظ على خطواته بعيدة عن الانجرار في ذلك السراب كي لا يستسلم لعبودية الحزن ويفقد كل امل بغد افضل

 

كلما سَحقتَ انكسارات وهزائم ..

سافرت صوب أبعد العوالم..

أطفأت حرائق شوقك للطفولة

للوطن الأم ،

وأنت جبتَ الدنيا ..

سكبتَ فيه ثقافات الشعوب

وكسرت أضلاع الحنين 

كي لا تسافر للبدايات،

وقتها ..

ستتدحرج الطفولة وأزقة مدينتك

في عينيك ومخيلتك..

تتنفسها عمراً..

رحلات في دمك..

موانئاً للغاتك ،

لتغدو الطفولة مرآةً وسوراً تقيكَ

من سيل كتبةِ التقارير ،

كي لا تختمر خطواتك

لظلالٍ عطشانةٍ للحرية،

ويتعمد الحزن بالعبودية،

 

ويبدو ان الشاعر قد تخبط للحظة ما بين كلماته وما بين بعض سطوره حيث ابتعد عن الترابط  اللغوي وعن تسلسل معاني قصيدته وذلك لرغبته بالابتعاد عن اولئك الكتاب المشار اليهم , فبعد ان كان ينأى بنفسه عن الاستسلام للحزن وعن التلون بالوان كتّاب السلطة , يقفز الى سطر ذو معنى مختلف ليبدي رغبته برؤية المدن وقد تلونت برائحة ورود النرجس المعروفة في وطنه , وتتهادى مع ايقاعات العشاق والعرائس وافراحهم وابتهاجاتهم ,

وهنا نعتقد ان اندفاعه الشديد للتعبير عن رفضه لخوض الاخرين في تلك المسائل التي يعتقد هو انها لن تجدي نفعا قد قاده للوقوع بهذا الاضطراب وهذا الاختلاف في ترابط قصيدته , وقد نختلف في حيثيات هذا الامر مع الشاعر الا اننا نفسر رغبته كما هي .

 

وألا تتلون المدن بعطر النرجس

بإيقاعات رقصة العناق،

كأفراح وإبتهاجات العرائس والعشاق..

ويستمر هذا الاضطراب وهذا التداخل بين جمل القصيدة فيوصلها الى عقد لا يمكن حلها او تقريبها مع بعضها , او ربط المعاني السابقة مع تلك التالية , ونضطر نحن ايضا ان نفسر السطور الثلاثة التالية على ان الشاعر قد زار باريس وانه قد علق كلمات عشقه لطفولته ( يتصور ذلك ) على حائط الحب الموجود في حي مونمارتر بباريس وفي يوم ممطر وبلغته الكوردية ليشارك لغات العالم الاخرى المكتوبة على ذلك الجدار وليترجم لهم مدى تعلقه ومدى ارتباطه العميق بتلك الطفولة .

وعلى تفاصيل جدار الحب في باريس

علقتُ كلمات عشقي لطفولتي في يوم ممطر..

يقول الشاعر انه يحب طفولته حبا جارفا تحول الى ادمان بحيث يرن جرس هذا الحب باستمرار في كيانه , ونعتقد انه قد بدأ يدمن على هذا الوجع الناتج من هذا الحب ويتلذذ به  ويرتوي منه كلما اراد ان ينهل بعض السعادة  من ماضيه السحيق الذي اصبح اسيرا له وملتصقا به حتى الثمالة .

 

( أحبك رغم أجراس الوجع وماض سحيق )!!

***       ***

المزج بين خريف العمر الذي بلغه الشاعر وبين ذكريات طفولته , تكاد لا تخلو منه اشعاره حتى اننا قد نتوهم عند قراءة قصائده كلها , اننا نقرأ نفس القصيدة وقد تتكرر نفس الكلمات فيها ايضا ولكن بايقاع مختلف وبسردية اخرى  , وفي معظم محطات العمر التي يتوقف فيها , يؤكد لنا الشاعر ان صمته اثناء توقفه في تلك اللحظات تنير له دروبه وتوجاهته ومسارات هواه وشغفه وهيامه وعلاقته بالخطوات التي تقوده في تلك الدروب , بالاضافة ان تلك اللحظات هي التي تلهمه وتدفعه لكتابة قصائد غربته ليدرج فيها نشاطات ايامه ويصف تجاعيد الشيخوخة التي تخط اثارها على وجهه وكأن وجنتيه ساحة لعب لحياته واحلامه , وآثار الشيخوخة هذه بدأت تؤلمه وتوجعه يوما بعد يوم يتقبل طرقاتها وهو مقتنع بها ولا يواسيه في ذلك الا ذكريات طفولته التي تمتزج مع قطرات دمه الجارية في عروقه .

 

صمتُ محطات خريف العمر..

قناديل دروبي وقبلاتي وأرضي.

أنت تباشير قصائد الغربة ..

هديل الايام ..

ملامح الشيخوخة على مدرجات ملاعبٍ

تلاعب حياتنا وآحلامنا .

مطارقٌ تلاحقنا حتى وإن طاحت بنا الايام

ولكن !! طفولتي تتدفق كشلالٍ في دمي !!

***      ***

يعتقد الشاعر ان رحلاته  وجولاته حول العالم افضل دواء له ليبتعد عن شيخوخته التي بدأت تلف ايامه برداء من الحزن ولينسى حنينه الطاغي لطفولته , ولازال هذا الدواء يصاحبه ويكون شفيعا له , لكن على الرغم من زياراته للمناطق الباردة جدا , بحيث شعر بانجماد اطرافه , وجولاته في المناطق الحارة متمثلة بحرارة بركان ايتنا في صقلية , واختلاطه بفقراء ومعدمي الهند حيث شاهد اطفالها الحفاة التواقين الى رغيف خبز , وزياراته المتكررة لبعض المدن التي يحبها في بلاد مختلفة عن بلاده , كل تلك المحاولات لم تشفع له ولم تغنه عن وجع الحنين وتوق الاشتياق الى ايام الشباب حيث كان يندمج مع دور الكتب ويبحث عن دواوين الشعر لذا يعود من كل تلك الاسفار ليحط من جديد في بلاده ووطنه لينغمس من مع آلام هذا البلد حيث لا شئ يكتمل فيه , فلا الاحلام قد اكتملت فيه يوما , ولا احساس بنهاية الاستعمار او انقراض لمرتزقة الكلمة وكتاب السلطة او تجار الادب الذين لا زالوا يرتزقون باسم هذا الوطن الجريح

 

في مرافئ الدنيا ..

أحيانا تحت جلودنا قطب منجمد ..

وأحيانا بركان (ايتنا ) في صقلية ،

وأحيانا رغيفُ خبزٍ وأقدام حافية.

أحيانا..تغوينا وتُداعبنا هدنة قصيرة

لرحلةٍ صوب الماضي وأحلام الشباب،

حين كنا نلهث من كل حدب

وصوب خلف دواوين الشعر ودور الكتب القديمة.

لا شئ يكتمل في بلادي الاولى..

لاحلم العمر ..

لا نبضات لنهاية الاستعمار..

لمزتزقة الكلمة وتجار الشعر بإسم الوطن،

وركوع الفن والادب في خانة الخنوع.. !

 

عدنا وعاد الشاعر الى ظمأه نحو طفولته حيث لازال يعتقد ( احيانا ) انه لم يتمتع به ولم يرتوي من عذوبته, وان لياليه التي عاشها كانت حزينة كظلام تلك الليالي , وحتى تمتعه بالحرية التي يعيشها الان لم ولن تخفف عنه الامه او تزيل اوجاعه عند اتساع خيالاته نحو مدن وطنه التي تركها خلفه , وقهوته التي يسكبها قد فقدت لذتها وكأنها قد صبت في فنجان مكسور ولم تعد تعينه على القراءة كعهدها .

يا ظلي العطشان..لطفولةٍ لم أعشها ..

يا طرق الليل الحزينة..

يا حرية لم تستطع أن تُفككَ طلاسم أوجاعي

 على عتبات المدن القديمة.

يا فناجين قهوتي المكسورة

من دون ان تُقرأ .

أيا طفولتي ..

أيا قناديل صمت محطات خريف العمر.. !!

فذكريات طفولته طغت على كل لحظات الصمت التي تنتابه  في محطات حياته الخريفية واخذت تستبدل افكاره وتطغى على كلمات شعره وسطور قصائده والجمل التي يريد ان يربطها مع بعضها البعض حتى  اضحت هي قناديله المقبلة .
واصبحت :

احزان الوطن

واوجاع الطفولة

والام خريف العمر

تدق عليه اجراسها بدوام نبضات قلبه حتى لو كان ذلك في بلاد الحرية .

 

شارك هذا الموضوع على