الثلاثاء, مارس 5, 2024
 
القسم الثقافي

مشاهير الكرد في التاريخ الإسلامي ( الحلقة العاشرة ) النحوي الكبير: ابن الحاجب (570 هـ ـ 646 هـ ) ابحثوا عن الظروف

د. أحمد الخليل

ليست ثمة شعوب متخلّفة دائماً.

وليست ثمة شعوب متحضّرة دائماً.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأفراد كائناً من كانوا.

التخلّف والتقدّم مرهونان بأمرين هما:

– المَلَكات الفطرية

– والظروف التاريخية.

أما الملكات الفطرية فتتمثّل في:

– الخصائص البيولوجية.

– القدرات العقلية (الفكرية).

– الاستعدادات السيكولوجية.

وأما الظروف التاريخية فتتمثّل في:

– الشروط البيئية.

– الثقافة المجتمعية.

– الأحوال الاقتصادية.

– النظام السياسي.

وهكذا فكي نشخّص التخلّف أو التقدّم ينبغي أن نبحث عن الظروف.

وأحسب أن المجتمع الكردي كان، في معظم مراحل تاريخه القديم والحديث، ضحية الظروف التاريخية، ولا مجال الآن للوقوف برويّة عند تلك الظروف، فهي متشعّبة ومعقّدة، بعضها ذاتي خاص بالمجتمع الكردي نفسه، وبعضها إقليمي، وبعضها عالمي، وترجع جذورها إلى ألفين وخمسمئة سنة مضت، وقد كبّلت تلك الظروف المَلَكات الفطرية التي يتّسم بها الإنسان الكردي، وقمعت تطلّعاته الإبداعية، ورمت به بين أنياب الجهل والفقر والقهر، وألجأته إلى الرضا بالحد الأدنى من الممكنات؛ أقصد: البقاء على قيد الحياة.

فكم من راع أمضى العمر في شعاف الجبال كان من الممكن أن يكون عبقرياً!

وكم من فلاح بعثر السنين وراء المحراث كان من الممكن أن يكون عالماً!

وكم من بهلول يطارده الصبية في الأزقة كان من الممكن أن يكون مفكّراً!

وكم من مغمور في القرى الكردية كان من الممكن أن يكون فناناً قديراً!

وكان يكفي أن يعيش الكردي في مناخ حضاري مناسب حتى تنشط ملَكاته، وتتفتّح قدراته، وتثمر مواهبه، ويُسهم – مثل غيره من أبناء الشعوب الأخرى- في إغناء الثقافة الإنسانية، وتشييد صرح الحضارة، تارةً وزيراً كيحيى بن خالد البرمكي، وثانية قائدأً كصلاح الدين الأيوبي، وثالثةَ مؤرّخاً كابن خَلِّكان، ورابعة فقيهاً كالشَّهْرزُوري، وخامسةً ناقداً كالآمِدي، وسادسةً شاعراً كالرصافي، وسابعةَ موسيقياً كزرياب، وما أكثر الشواهد والأمثلة!

وموضوع حلقتنا هذه هو النحوي الكبير ابن الحاجب.

إنه أحد الكرد الذين عاشوا في ظروف حضارية مناسبة فأبدعوا.

فماذا عنه؟

ظاهرة ثقافية كردية

وقبل الحديث عن ابن الحاجب لا بد من وقفة عند النحو.

فالنحو أصل هامّ من أصول اللغة العربية، وهذا أمر أشهر من أن نقف عنده أو ندلّل عليه، ولا تخفى أهميته في الدراسات الدينية، ولا سيما تفسير القرآن الكريم وشرح الأحاديث النبوية، ولا بد من إتقان النحو لفهم الأدب شعراً ونثراً، وقد حاز هذا العلم منذ القديم حظاً وافراً من الدرس والتمحيص، والشرح والتحليل، والتفريع والتأصيل.

ونظراً لاهتمام مثقّفي الكرد بالعلوم عامة وبعلوم الدين خاصة، كان للعديد من مثقفيهم عناية بالغة بعلم النحو، نذكر منهم على سبيل المثال: إبراهيم بن عبد الكريم الحلبي ( ت 840 هـ )، وابن الخباز الإربلي الموصلي ( ت 637 هـ )، وأحمد بن عثمان السنجاري ( ولد سنة 625 هـ )، ومجد الدين أبو العباس الإربلي ( ت 657 هـ )، والحسن بن أسد بن الحسن الفارقي أبو نصر ( ت 487 هـ )، وأبو عبد الله الهَذْباني الكُوراني ( ت 656 هـ )، وأبو القاسم الثمانيني، وأشهرهم في هذا الباب ابن الحاجب.

على أن ثمة ظاهرة خاصة بالمثقّفين الكرد القدماء، ولعلها ملموسة أيضاً بين المثقّفين الكرد في العصر الحديث، والظاهرة هي نزوع المثقف الكردي في الغالب إلى المنحى العقلي والعلمي في تفسير الظواهر وتحليل الأمور، وميله إلى المجالات المعرفية التي تتطلّب الرصد والتصنيف والتأمل والمقارنة، وهذه أمور تحتاج إلى جهود مضنية من ناحية، وإلى صبر طويل على البحث والتنقيب من ناحية ثانية، وإلى قدرات فكرية متميّزة من ناحية ثالثة. ولا أزعم أن الكرد ينفردون بهذه الظاهرة المعرفية دون سائر الشعوب، فهذا ما لا يقول به عاقل، ولا يسوقه منصف، وإنما المقصود أن هذه الظاهرة ملموسة بقوة في الوسط الثقافي الكردي.

وفيما يلي بعض الأمثلة على ذلك في حدود قراءاتي:

– الميل إلى البحوث التاريخية: الفارقي، عز الدين بن الأثير، أبو الفداء.

– الميل إلى الأعمال المعجمية والتراجم: مجد الدين ابن الأثير في كتابه (جامع الأصول)، وابن خلّكان في كتابه (وَفَيات الأعيان)، وخير الدين الزركلي في معجمه الشهير (الأعلام).

– ميل الأدباء الكرد إلى الدراسات النقدية: الآمدي في كتابه (الموازنة)، وضياء الدين ابن الأثير في كتابه (المَثَل السائر).

– ميل علماء الكرد في مجال الدين إلى إلبحث عن الجوانب العلمية والعقلانية في تفسير النصوص الدينية، ومنهم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في معظم مؤلفاته، مثل (فقه السيرة)، و(كبرى اليقينيات الكونية) وغيرها، هذا إضافة إلى اهتمامهم بمسألة المواريث في الشرع الإسلامي، وهي من المسائل التي تتطلّب قدرات رياضية متميّزة، وأذكر منهم: الدكتور مصطفى مسلم، والأستاذ إبراهيم خليل عيسى.

– ميل الشعراء الكرد إلى المحاور العلمية والفلسفية والحكمية في بعض قصائدهم، ومنهم: جميل صدقي الزهاوي، ومعروف الرصافي، وأحمد شوقي الذي كان أول من ألف في المسرح الشعري، ولا يخفى أن هذا النوع من الشعر يحتاج إلى تقنيات فنية ذات طابع موضوعي.

وأعتقد أن اهتمام علماء الكرد بالنحو العربي جزء من هذا التوجه العريق.

نشأة ابن الحاجب وعصره

ذكر ابن تَغْري بَرْدي في كتابه (النجوم الزاهرة، 6/360) اسم ابن الحاجب فقال:

” عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الشيخ الإمام العالم العلاّمة جمال الدين أبو عمرو المعروف بابن الحاجب الكردي المالكي النحوي الأصولي، صاحب التصانيف في النحو وغيره، مولده في سنة سبعين وخمسمئة بإسنا من بلاد الصعيد “.

وذكر ابن خَلِّكان النسب نفسه لابن الحاجب في كتابه (وَفَيات الأعيان، 3/248)، وأضاف إليه كلمة (الدّوَني) نسبة إلى (دَوِين). وقال ياقوت الحموي في كتابه (معجم البلدان، 2/558):

” دَوِين بلدة من نواحي أَرّان في آخر حدود أذربيجان بقرب من تفليس، منها ملوك الشام بنو أيوب، … ودوين أيضاً من قرى أُستُوا من أعمال نيسابور “.

وبما أن كل من كتب عن سيرة ابن الحاجب ذكر أنه كردي، فلا يبقى شك أن أسرته هاجرت إلى مصر من (دَوين) الواقعة في أرّان، وهي الآن منطقة موزّعة بين كل من جمهورية أذربيجان، وجمهورية جورجيا، وجمهورية أرمينيا، ويعود وجود الكرد في تلك المناطق إلى أيام الدولة الميدية، وأقاموا هناك، في العصور الإسلامية، بعض الحكومات، أبرزها: الحكومة الرَّواديـة في أذربيجان (230 – 618 هـ)، والحكومة السالارية في أذربيجان (300 – 420 هـ)، والحكومة الشدّادية في أرّان (340 – 465 هـ). وقد قضى الغزو السلجوقي لكردستان على جميع تلك الحكومات، وأعتقد من جانبي أن الغزو السلجوقي كان أكبر كارثة حلت بالكرد بعد كارثة قضاء الأخمينيين على الدولة الميدية حوالي سنة (550 ق.م)، وما زال الكرد يعانون من نتائج تينك الكارثتين إلى يومنا هذا، وعلى جميع الأصعدة.

ومن المحتمل أن تكون أسرة ابن الحاجب قد انتقلت مع الأيوبيين إلى العراق، ثم إلى الشام، ثم إلى مصر، إذ المعروف أن أسرة صلاح الدين كانت تقود فرساناً من الكرد خلال انتقالها من جهة إلى أخرى، وقد تكون أسرة ابن الحاجب من العشيرة الرَّوادية التي تنتمي إليها الأسرة الأيوبية، ولعلها التحقت بهم في مصر بعد أن استلموا السلطة هناك، وقد سكنت الأسرة في بلدة (إسنا) في الصعيد الأعلى، وفي هذه البلدة ولد ابن الحاجب، ونُسب إليها.

وكان والد ابن الحاجب جندياً حاجباً للأمير عز الدين مُوسِك الصَّلاحي، خال صلاح الدين الأيوبي، وكانت وظيفة الحاجب في ذاك العصر من الوظائف الهامة، فعاش ابن الحاجب من ثمّ في كنف عائلة غنية. وقد ولد سنة ( 570 هـ )، وهي السنة التي أرسى فيها صلاح الدين دعائم سلطته في مصر، بعد قضائه على الفتن التي أشعلتها جماعة من السودان والبدو العرب في صعيد مصر بزعامة رجل يدعى الكَنْز، وتوجّه بعدئذ إلى الشام فضمّها إلى مصر.

وكان عصر ابن الحاجب عصر ازدهار علمي وثقافي واقتصادي بصورة عامة، وكان ذلك الازدهار الحضاري الشامل إحدى نتائج سياسات صلاح الدين الحكيمة، فقد أجمع المؤرخون الذين كتبوا عن سيرته أنه لم يكن مجرد مقاتل متمرّس في فنون الحرب، وإنما كان من كبار المثقّفين بمقاييس عصره، وكان ضليعاً في علوم الدين وفي التاريخ، وكانت مجالسه تزدان بالعلماء والفقهاء والمحدّثين، بل كان يحرص على أن يشهد أبناؤه تلك المجالس أيضاً، وينتفعوا بها.

وأجمع المؤرّخون الذين كتبوا عن صلاح الدين أنه أبدى اهتماماً كبيراً ببناء المدارس، ورعاية العلم، وتكريم العلماء، وتهيئة الظروف المناسبة لطلبة العلم، وحسبه في ذلك أن مستشاره الخاص كان أحد أشهر علماء وأدباء عصره ألا وهو القاضي الفاضل، ولا ريب أن هذا الأفق الإنساني والمعرفي والحضاري الذي تميّز به صلاح الدين هو الذي أثار إعجاب الرحّالة ابن جُبَيْر الأندلسي، وجعله يشيد به بعبارات تنضح إجلالاً وإكباراً. وكان من الطبيعي أن يستفيد النشء من تلك الإنجازات، وتصبح سوق العلم رائجة، حتى إن عسكرياً هو والد ابن الحاجب يوجّه ابنه إلى ميادين العلم، ويفضّل أن يكون ابنه عالماً، وليس عسكرياً.

رحلته العلمية

انتقل الأب بابنه الصغير من بلدة إسنا في الصعيد إلى القاهرة، وفي القاهرة حفظ ابن الحاجب القرآن الكريم، ودرس العلوم المتصلة به، من نحو وفقه وقراءات وأصول، على كبار أساتذة عصره وأئمة العلم حينذاك، ومن أبرز أساتذته: أبو القاسم الشاطبي الضرير (ت 590 هـ)، و المقرئ الفقيه النحوي أبو الفضل الغزنوي (ت 599 هـ)، وقد أخذ عنهما القراءات. وأخذ الحديث عن هبة الله البوصيري (ت 598 هـ)، والقاسم بن عساكر الدمشقي (ت 600 هـ)، وأخذ الفقه والأصول عن أبي الحسن الأبياري (ت 618 هـ)، وبرع فيما درسه، ولا سيما أصول العربية، وبرز في النحو حتى صار من كبار رجاله.

وتكرّر دخول ابن الحاجب إلى دمشق للاستـفادة حيناً وللتدريس بها أحياناً، وآخر مرة دخلها كانت سنة (617 هـ)، إذ أقام فيها مدرّساً بالجامع الأموي، في زاوية المالكية، فأقبل عليه الطلبة، وصار شيخاً لجمهور من الدارسين في علمي القراءات والعربية، وانتفع به كثير من الناس، ثم إن ابن الحاجب دافع عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام، في إنكاره على الصالح إسماعيل، صاحب دمشق، سوء سيرته، وتقاعسه عن قتال الفرنجة، وصلحه معهم، فأمرهما بالخروج من دمشق، فخرجا سنة (638 هـ)، وعادا معاً إلى مصر، وهناك بالمدرسة الفاضلية جلس ابن الحاجب في موضع شيخه الشاطبي، فقصده الطلبة، وانكبّوا على الأخذ عنه، ثم غادر القاهرة إلى الإسكندرية للإقامة فيها، فتوفي هناك سنة (646 هـ)، ودفن في خارج الإسكندرية.

شخصيته وثقافته

كانت أخلاق ابن الحاجب نسيجاً فذاً بين أخلاق العلماء، فأكسبته تلك الأخلاق ثناء الناس، حتى الذين كانوا يخالفونه الرأي، قال ابن كثير في كتابه (البداية والنهاية، 13/176):

” قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: وكان من أذكى الأئمة قريحة، وكان ثقةَ، حُجّةً، متواضعاً، عفيفاً، كثير الحياء، منصفاً، محباً للعلم وأهله، ناشراً له، محتملاً للأذى، صبوراً على البلوى “.

وكان ابن الحاجب صدوقاً مخلصاً؛ وقصة وقوفه ضد صاحب دمشق الصالح إسماعيل تأييداً لصديقه الشيخ العز بن عبد السلام، ودخوله السجن معه، أبرز شاهد على نبل شخصيته وسموّ مواقفه.

ولم تقتصر ثقافة ابن الحاجب على النحو، وإنما تبحّر في علم الفقه أيضاً، فكان من أبرز فقهاء مصر والشام في العصر الأيوبي، تفقّه على مذهب الإمام مالك، وتعمّق فيه، حتى نبغ فيه، وصار رأساً عند المالكية، بل كان شيخ المالكية في عصره، وصنّف في مذهبه تصانيف جليلة لا تزال تعدّ من أمهات المراجع الفقهية المعتمدة، وخاصة كتابه (جامع الأمهات)، وألّف كتابين في الأصول هما: (منتهى السُّول والأمل في علمي الأصول والجدل)، ومختصره في الفقه. وكان في الوقت نفسه معتنياً بالقراءات عناية خاصة، تلـّقاها عن شيوخ القرّاء في عصره، كالشاطبي، وأبي الجود اللَّخْمي، والغزنوي وغيرهم.

وكانت هذه الدراسات في الفقه والقراءات مقدّمة للدراسات العربية في النحو والصرف، وقد وصل في ذلك إلى مرتبة عالية، بما وضعه من مصنّفات مختلفة في علم العربية، وكان ينزع في النحو إلى المذهب البصري، وهذا واضح في أماليه. وفوق كل هذا كان ابن الحاجب نفسه يصرّح ببصريّته، فلا يشك باحث منصف في أنه كان يذهب مذهبهم، ويقف إلى جانبهم. هذا إضافة إلى أنه كان يعتمد مصطلحات البصريين في دراساته النحوية، كاستعمال (النعت) بدلاً من (الصفة)، و(فِعل ما لم يسمع فاعله) بدلاً من (المفعول المبني للمجهول).

لكن هذا لا يعني أن ابن الحاجب كان اتباعياً تقليدياً، فهو لا يتردّد في مخالفة البصريين إذا لم يقتنع برأيهم، غير متأثّر بشهرة عالم أو منزلته، سائراً بذلك على المنهج العلمي الصحيح، وإن سيبويه إمام نحاة البصرة، وصاحب المنزلة العالية في النحو، لم يسلم من مخالفه ابن الحاجب لآرائه.

وكان ابن الحاجب ينشد أحيانًا بعض الشعر، وله في النظم باع طويل، فقد نظم مقدمته النحوية (الكافية) في منظومة (الوافية)، ونظم في العروض (المقصد الجليل إلى علم الخليل)، ونظم في المؤنثات السماعية (القصيدة الموشّحة بالأسماء المؤنثة). ومن شعره قوله في الصداقة:

إن تَغيبوا عن العيــون فأنتمْ في قلوبٍ حضورُكمْ مستمرُّ

مثل ما تثبتُ الحقائقُ في الذهـ ـن، وفي خارجٍ لها مستقرُّ

وقال أيضاً:

قد كان ظنّي بأن الشيبَ يرشدني إذا أتى، فـإذا غيّي بـــه كَثُرا

ولست أقنط من عفو الكريم، وإنْ أسرفتُ جهلاً، فكم عافى وكم غفرا؟!

مكانته العلمية

واستكمل ابن الحاجب مقوّمات الشخصية العلمية، بما اتّصف به من العزم والتواضع، وما أدركه من صنوف المعرفة، واستقام به لسانه من الفصاحة والبلاغة، وجاء في (الديباج المُذْهَب) لابن فرحون:

” وقد بالغ الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد وهو أحد أئمة الشافعية، في مدح كتابه (جامع الأمهات)، ثم قال: جمال الدين كان وحيد عصره علماً وفضلاً واطّلاعاً “.

وقال ابن خلّكان في (وَفَيات الأعيان، 3/248) مشيداً بقدرات ابن الحاجب العلمية:

” وخالف النحاة في مواضع، وأورد عليهم إشكالات وإلزامات تبعد الإجابة عنها، وكان من أحسن خلق الله ذهناً، وجاءني مراراً بسبب أداء شهادات، وسألته عن مواضع في العربية مُشكِلة، فأجاب أبلغ إجابة بسكون كثير وتثبيت تام “.

وقال أبو الفداء في كتابه (المختصر في أخبار البشر، 3/178):

” وكان الشيخ أبو عمرو المذكور متفنناً في علوم شتّى، وكان الأغلب عليه علم العربية وأصول الفقه، صنّف في العربية مقدّمته (الكافية)، واختصر كتاب الأحكام للآمِدي في أصول الفقه، فطبق ذكر هذين الكتابين، أعني الكافية ومختصره في أصول الفقه، جميع البلاد، خصوصاً بلاد العجم، وأكبّ الناس على الاشتغال بهما إلى زماننا هذا “.

وقال حاجي خليفة في (كشف الظنون، 2/1370) متحدثاً عن كتاب (الكافية):

” قال السيوطي: لم يؤلَّف عليها، بل ولا على غالب كتب النحو، مثله جمعاً وتحقيقاً، فتداوله الناس، واعتمدوا عليه، وله فيه أبحاث كثيرة، ومذاهب ينفرد بها “.

وقال شوقي ضيف في كتابه (المدارس النحوية، ص 345 – 346):

” وكان ابن الحاجب دقيق النظر، فخاض في تعديلات كثيرة، مستنبطاً منها، ما لا يكاد يقف به عند حد، من ذلك تعليله بناء الاسم بشبهه للحرف من وجه واحد، ومنعه من الصرف بشبهه للفعل من وجهين”.

تلامذته وآثاره

لابن الحاجب تلامذة مشهورون، من أبرزهم: الحافظ الكبير الإمام شيخ الإسلام زكي الدين المنذري (ت 656 هـ)، والإمام العلامة جمال الدين بن مالك (ت 672 هـ)، وناصر الدين أبو العباس بن المنيّر (ت 683 هـ)، أحد المتبحّرين في التفسير والفقه والبلاغة والأنساب، وتتلمذ له الملك الناصر داود ابن الملك المعظّم عيسى، ابن الملك العادل الأيوبي، وكان ملك دمشق، ثم اقتصر على الكرك ونابلس، وكانت له فصاحة وشعر جيد.

أما فيما يتعلق بآثار ابن الحاجب فقد ألف في النحو والصرف والفقه والأصول والعروض والقراءات والتاريخ والأدب، ومصنّفاته كثيرة، وهي في غاية الحسن، رزقت قبولاً تاماً لحسنها وجزالتها، وانتفع بها الناس ومن أبرز كتبه في النحو:

– الكافية: وهي مقدمة وجيزة في النحو، سار فيها ابن الحاجب على نهج الزمخشري في مفصـّله، واقتصر فيه على مسائل النحو، وفصلها عن مسائل الصرف وقد طّبقت شهرتها الآفاق، وتناولها العلماء بالشرح والاختصار.

– الشافية: أجمل فيها مسائل الصرف والخط، وقد اشتهرت وكثرت شروحها.

– الإيضاح في شرح المفصّل: وهو شرح لكتاب (المفصّل) للزمخشري.

– شرح المقدّمة الجزولية.

– شرح كتاب سيبويه.

– أمالي ابن الحاجب.

وله في الفقه والأصول:

– منتهى السُّول والأمل في علمي الأصول والجدل: وهو من كتب الفقه المالكي، وقد اختصر به كتاب الأحكام في أصول الفقه للآمدي.

– جامع الأمهات أو مختصر الفروع.

وله في العروض:

– المقصد الجليل إلى علم الخليل: منظومة من البحر البسيط هذا إلى جانب مباحث أخرى في القراءات والتاريخ والأدب.

المصــادر
1 ـ ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، مصر، 1963.

2 ـ ابن الحاجب (أبو عمرو عثمان بن الحاجب)، أمالي ابن الحاجب، دراسة وتحقيق الدكتور فخر صالح سليمان قدارة، دار عمّار، الأردن، عمّان، دار الجيل، بيروت، 1989.

3 ـ الاستراباذي (الشيخ رضيّ الدين محمد بن الحسن ت 686 هـ):

– شرح شافية ابن الحاجب، تحقيق محمد نور الحسن، محمد الزفزاف، محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر العربي، بيروت، 1975.

– شرح الكافية لابن الحاجب، تحقيق الدكتور حسن بن محمد بن إبراهيم الحفظي، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، الطبعة الأولى، 1993.

4 ـ حاجي خليفة (مصطفى بن عبد الله الشهير بالملا كاتب الجلبي ت 1067 هـ): كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، دار الكتب العلمية، بيروت، 1992.

5 ـ ابن خلّكان (أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر ت 681 هـ): وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، دار الثقافة، بيروت، 1968.

6 ـ شوقي ضيف: المدارس النحوية، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1977.

7 ـ أبو الفداء (الملك المؤيّد عماد الدين إسماعيل ): المختصر في أخبار البشر، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، 1970.

8 ـ ابن كثير ( ت 774 هـ ): البداية والنهاية، دار ابن كثير، بيروت، 1965.

9 ـ ياقوت الحموي (شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي ت 626هـ): معجم البلدان، تحقيق فريد عبد العزيز الجندي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1990.

 

وإلى اللقاء في الحلقة الحادية عشرة.

د. أحمد الخليل في 16 – 2 – 2006