الجمعة, يونيو 21, 2024

مصر وكُرد سوريا.. علاقة استراتيجية أم تكتيكية بمواجهة التدخلات التركية؟

آراء

أحمد قطمة – كاتب سوري / حفريات

منذ أن بدأت الحرب في سوريا العام 2011، اتخذت القوى الكردية ذات التأثير، موقف الخط الثالث، القائم على عدم مساندة السلطة الحاكمة في دمشق، أو المعارضة السورية المسلحة، ما دام لم يكن هناك خريطة عمل واضحة للحل لدى أي من الطرفين، وهو ما يبدو أنه قد كان ناجعاً إلى حد كبير في حماية المناطق ذات الخصوصية الكردية في شمال سوريا، من تحولها إلى ساحات للحرب الأهلية التي طحنت بالبلاد على مدار أعوام، ودمرت مدن وحواضر كاملة، دون أن يحقق أي من الطرفين المتصارعين أي حل يرتقي إلى تطلعات عموم السوريين في وطن يحقق لهم المساواة والعدالة.

وإذا كان معلوماً لدى المطلعين على الشأن السوري، أن حيادية الكرد تجاه السلطة في دمشق، تُرد إلى سنوات طويلة من الإنكار والتهميش والاضطهاد القومي الممارس بحقهم في ظل سلطة حزب البعث، التي لا تعترف بوجود أي قومية أخرى في سوريا إلا العربية، وتنكر بالتالي وجود الكرد والأرمن والآشوريين وغيرهم من المكونات الإثنية، فإن حيادية الكرد تجاه المعارضة ترد إلى توجسها من ارتهان الأخيرة إلى تركيا، واتخاذها من إسطنبول وغازي عنتاب، مقرات للإقامة والتخطيط والعمل، وهو ما كان كفيلاً كما يبدو لدفع الكرد صوب الاكتفاء نحو إدارة مناطقهم، مع تيقنهم بأن الأعمال التي تُخطط في تركيا لسوريا، لن تحمل خيراً، لا لهم ولا لعموم السوريين.

وبالفعل، فقد برهنت سنوات الصراع السوري، الدور التركي المؤجج للصراع على أقل تقدير، إن لم يكن لها الدور الأبرز والرئيس في تزكية نار الاقتتال الطائفي في سوريا، حيث لا تزال المناطق المحاذية للحدود التركية، بؤر صراع وتوتر، إن في إدلب أو شمال حلب، أو أجزاء من ريف الرقة والحسكة التي تخضع لفصائل سورية بالاسم، تابعة بالفعل إلى تركيا، لدرجة أنها تركت حتى الأرض السورية، وذهبت تقاتل لأجل المصالح التركية في أصقاع المعمورة إن في ليبيا أو أذربيجان أو غيرهما.

الكرد في سوريا وعلاقتهم بمصر

خلال الحرب السورية، شكل وصول الرئيس المصري الإخواني السابق محمد مرسي إلى سدة الحكم منتصف العام 2012، علامة فارقة لجهة المخاوف الكردية من تدهور القوة الإقليمية لمصر، وتحولها إلى تابع أو دائر في الفلك التركي، بما يؤدي بطبيعة الحالة إلى نشر أو تشجيع المتطرفين في سوريا، لكن إرادة الشعب المصري الذي خرج بمظاهرات حاشدة في الثلاثين من يونيو العام ألفين وثلاثة عشر، تمكنت من إزاحة مرسي عبر الجيش المصري، لترتسم معالم مصر جديدة، البعيدة عن الإخوان والسياسات التركية المناوئة للكثير من شعوب منطقة الشرق الأوسط.

حيادية الكرد تجاه السلطة في دمشق، تُرد إلى سنوات طويلة من الإنكار والتهميش والاضطهاد القومي الممارس بحقهم
حيادية الكرد تجاه السلطة في دمشق، تُرد إلى سنوات طويلة من الإنكار والتهميش والاضطهاد القومي الممارس بحقهم

ومنذ ذلك الحين، تنفس كثير من السوريين الصعداء، بالأخص الكرد الرافضون للتدخل التركي في شؤون سوريا، باعتبارهم المتضرر الأبرز من ذلك التدخل، وباعتبار أن التدخل التركي يركز في المقام الأول على محاولة إقصائهم، ومنعهم من استحواذ أي حقوق بشكل دستوري في مستقبل سوريا.

وكان الخلاف بين تركيا ومصر واضحاً، وبارزاً، مع التدخل التركي في الشأن المصري، ومحاولات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، النيل من شرعية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إذ لطالما وصفه بالانقلابي، وهو ما وتّر العلاقة بين الطرفين، فيما كان لمصر خيارات أخرى، من ضمنهم إيجاد صلة وتعاون في مكان ما، مع الكرد في سوريا، عبر الأطراف السياسية التي تمثلهم ومنها “مجلس سوريا الديمقراطية”، الواجهة السياسية لـ”قوات سوريا الديمقراطية”، شريكة التحالف الدولية لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي.

أردوغان ينقلب على نفسه

بيد أنه مع استقرار الأوضاع في مصر إلى حد كبير، وقطع أردوغان الأمل بإمكانية عودة تنظيم الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر، اضطره للانقلاب على تصريحاته السابقة عن القيادة المصرية، بحثاً عن فرصة لإصلاح ما دمره، وبالصدد، التقى مع الرئيس السيسي، على هامش قمة العشرين بالعاصمة الهندية نيودلهي سبتمبر العام 2023، حيث اتفقا على تدعيم أواصر العلاقات والتعاون وترفيع العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين وتبادل السفراء، وهو ما شكل صفعة لآمال جماعة الإخوان، واعتبر تخلياً تركياً عن دعمهم، بعد إخفاقهم في كسب الشارع المصري، وارتكابهم للعديد من الأخطاء التي لا يبدو بأن المصريين بقادرين على غفرانها لهم.

وقد توّجت هذه الرغبة التركية بإصلاح علاقتها مع مصر، عندما رحّب الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، في الرابع عشر من فبراير الماضي، بالرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في القاهرة، بالقول “لنفتح صفحة جديدة بين البلدين”، وذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك، مشيراً إلى إنه يتطلع لتلبية دعوة أردوغان لزيارة تركيا في أبريل المقبل.

من جهته قال أردوغان: “نريد الارتقاء بمستوى العلاقات مع مصر إلى المستوى اللائق وهناك رغبة مشتركة في ذلك”، مؤكداً عزم أنقرة على زيادة حجم الاستثمارات التركية في مصر، بالقول: “نريد رفع حجم التبادل التجاري مع مصر إلى 15 مليار دولار”، كما “يمكن تطوير العلاقات مع مصر في المجال الدفاعي”.

“مجلس سوريا الديمقراطية” والمعضلة السورية

وفي ظل التطورات الجديدة بين مصر وتركيا، يبدو أن ذلك قد يكون مقلقاً للأطراف المتأثرة بهذه العلاقة، ومنها سوريا وليبيا، إذ يمكن أن يكون لأي اتفاق مصري-تركي، تأثير مباشر على الصراع في البلدين، لجهة تأثير تركيا على مليشيات كثيرة فيهما، حيث تحارب نيابة عن الجيش التركي، لتحقيق مصالح تعتبرها تركية مشروعة، ومرتبطة بإرثها العثماني.

وحيال ذلك، أشارت “ليلى موسى”، ممثلة “مجلس سوريا الديمقراطية” في مصر، في حديثها إلى موقع حفريات، إلى إن “مصر منذ بداية الأزمة السورية، وقفت على مسافة واحدة من أطراف المجتمع السوري”، وتابعت: “نحن جزء من المعارضة السورية الوطنية، موقفنا ودورنا الإيجابي خلال الأزمة السورية، كان أحد العوامل الرئيسية التي جعلتنا بأن نكون محل ثقة من قبل جميع الدول، وبالتالي تم إبداء مواقف ايجابية من المجلس، باستثناء الدول الإقليمية التي تمتلك مشاريع توسعية احتلالية في سوريا”، في إشارة ضمنية منها إلى تركيا.

وأكملت: “كما تعلمون، انتهجنا الخط الثالث منذ الأيام الأولى من الحراك الثوري السوري، ولم ننخرط في الصراع إلى جانب أي طرف من أطراف الصراع في سوريا، واتخذنا من نهج الحماية والدفاع أساساً”، واستدركت: “حل الأزمة السورية في أساسها، يعود إلى بنية النظام السياسي، وبالتالي الحل يكمن عبر الحوار السوري –السوري، وهو محل إجماع من الجميع”.

وتابعت “موسى”: “نهجنا في الحماية والدفاع هو عبر الحفاظ على النسيج المجتمعي، وتكاتف جميع مكونات شمال وشرق سوريا، في إدارة وحماية مناطقها، لعبنا دوراً كبيراً في الحفاظ على وحدة التراب السوري أمام المشاريع الإقليمية، وأخص بالذكر دولة الاحتلال التركي ومشروعها القائم على احتلال كامل الشمال السوري، وعمادها في تحقيق هذا المشروع الاحتلالي الهادف إلى اقتطاع جزء من الجغرافية السورية وإلحاقها بتركيا، التنظيمات الإسلاموية الإرهابية المتطرفة، بدءاً بالإخوان المسلمين، مروراً بالقاعدة وتنظيم داعش”.

 

ونوهت ممثلة “مسد” في مصر، إلى أن “الانتصارات التي حققتها قوات سوريا الديمقراطية، بالشراكة مع قوات التحالف الدولي في مكافحة الإرهاب، لعبت دوراً ايجابياً في حماية السلم والأمن الدوليين، وليست منطقة بحد ذاتها”، مشيرةً إلى أن “العملية الارهابية التي حصلت قبل فترة في ضواحي موسكو، خير دليل بأن الأمن والسلم يبدأ من شمال وشرق سوريا، وأن الإرهاب هي مسألة دولية تُهدد الجميع دون استثناء”.

إسقاط إخوان مصر والأمل بالخلاص في سوريا

ولفتت “موسى” خلال حديثها لـحفريات، إلى أهمية اسقاط المشروع الإخواني في مصر، وتأثيره على كامل المشروع الإخواني في الدول التي شهدت “ثورات الربيع العربي”، بالقول: “لا ننسى دور الدولة المصرية بإنهاء حكم الإخوان، وكذلك دورها في مكافحة إرهاب تنظيم داعش الإرهابي”، متابعة بالقول: “جميع هذه الجهود في مكافحة التنظيمات الإسلاموية المتطرفة وإن اختلفت في المسميات ذات الجذر، تنصب في خانة واحدة، وهي حماية الأمن والسلم الدوليين”.

وحول المساهمات التي شاركت فيها مصر خلال السنوات الأخيرة، لدحر الإرهاب الداعشي، خاصة ضمن التحالف الدولي، بالتنسيق مع “قوات سوريا الديمقراطية” و”الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”، أوضحت “موسى”: “أية جهود في أية بقعة كانت في القضاء على الإرهابي، تساهم في حماية الأمن الوطني لدول الأخرى”، مردفةً: “بكل بدّ، عندما يتم تصدير المرتزقة السوريين إلى ليبيا أو بوركينا فاسو وغيرها من الدول، لا تشكل تهديداً لأمن هذه الدول وحدها، إنما تشكل تهديداً على الأمن القومي للدول المحيطة أيضاً”.

وبالنسبة لمخاوف القوى السياسية في شمال وشرق سوريا من تغير الموقف المصري اتجاههم، بعد محاولات التقارب بين مصر وتركيا، والتي كان آخرها زيارة الرئيس التركي إلى مصر، بينت “ليلى موسى”، إن مصر “من الدول التي حافظت على ثبات موقفها من الأزمة السورية منذ البداية وإلى الآن”.

ولفتت إلى أنها “دائماً لعبت دور وازن في مواقفها، والتزامها بالقرارات الدولية وخاصة قرار 2254، الذي يوحد الجميع بمختلف التوجهات، والقاضي في أحد جوانبه الأساسية على وحدة التراب السوري، وإنهاء الاحتلالات، وعملية انتقال السياسي، ومشاركة كافة أطياف المجتمع السوري، ونحن جزء من سوريا، ومصر يهمها بالدرجة الأولى المصلحة الوطنية السورية”.

آمال كردية بموقف مصري موزون

من جهته، أوضح “محي الدين شيخ آلي”، سكرتير حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا “يكيتي”، وهو من الأحزاب المنضوية تحت راية “مجلس سوريا الديمقراطية”، حول تقييمهم كمكون كردي، للموقف المصري في الأزمة السورية، وما يأمله الكرد من دور إيجابي مصري للمساهمة في الحل السياسي لسوريا وحل القضية الكردية ضمنها، بالقول: “منذ تفجّر الأزمة السورية وتفاقمها على مدى ثلاث عشرة عاماً مضت، خصوصاً إثر اشتداد قوة وحجم التدخلات الإقليمية والدولية في الشأن السوري، رافقها تنامي دور وزخم تشكيلاتٍ عسكريةٍ مسلحة تتبع شبكات الإسلام السياسي، بقيت القيادة المصرية معتمدة سياسة وازنة حيال الأزمة السورية ولا تزال”.

مستكملاً: “حيث حافظت على تعاملٍ بنّاء، مرده حرصها على كيان سوريا الدولة والشعب، النابع من تفهّمها لمعطيات الوضع السوري بمختلف جوانبه، مما يؤهلها ويليق بها أكثر من غيرها، للمساهمة النشطة في إيجاد مخرج لحل سياسي للأزمة السورية، يأخذ بعين الاعتبار حقيقة وجود الكُرد في سوريا، الذين يشكلون جزءً لا يتجزأ من مكونات شعبها”، مؤكداً “إن النبض السوري بوجهٍ عام بالأمس واليوم، يميل نحو القاهرة، لما لها وما عليها، كونها الأقرب والأكثر حرصاً على سلامة سوريا وبنيتها المجتمعية”.

وحيال مخاوفهم من تبدل الموقف المصري بعد الزيارة الأخيرة للرئيس التركي إلى مصر، والمطلوب مصرياً، لخروج تركيا من الأراضي السورية، وإن كانت مصر تستطيع لعب دور الوسيط بين الأطراف السورية المتصارعة، كشف سكرتير حزب الوحدة: “بصرف النظر عن أوجه الاختلاف والخلاف، يبقى الأمر الطبيعي هو أن تعقد الدول فيما بينها اتفاقات وبروتوكولات تلبي مصالح بعضها البعض وفق القوانين والأعراف الدولية وجملة القيم المتصلة بمواثيق الأمم المتحدة، التي تنبذ جميعها الاضطهاد القومي والديني أو ارتكاب الجرائم ونشر الكراهية”.

ونوّه بالصدد إلى “إن جمهورية مصر العربية لها دورها المشهود في الأوساط والمحافل الدولية حيال قضايا السلم وحقوق وحرية الشعوب واعتمادها لغة الحوار، ما يجعلها في موقع القدرة على لعب دور بنّاء باتجاه حمل تركيا على طي صفحة احتلالها لأراضٍ سورية، وعودتها إلى حدودها الدولية دون تسويف أو مراوغة، وبذلك تكون القاهرة قد خطت خطوة كبيرة على طريق إحلال حسن الجوار بين سوريا وتركيا، وساهمت في انطلاق عملية تسوية سياسية لحل الأزمة السورية، ومعها تتوفر مناخات أكثر ملائمة لحواراتٍ سورية – سورية جادة، تفضي إلى تفاهمات واتفاق ترعاه مصر والجامعة العربية”.

توافق على حل الأزمة السورية ومنح الكُرد حقوقهم

وتعقيباً على الآمال الكردية بالموقف المصري الموزون الذي قد يساهم في إعادة تركيا إلى سياسية حسن الجوار مع سوريا، والخروج من الأراضي التي تستولي عليها بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر مجاميع مسلحة سوريا معارضة، قال الدكتور “مصطفى صلاح”، الباحث المصري المختص في الشؤون السياسية والإقليمية، إن “القاهرة تولي أهمية كبيرة للسياسة الراسخة القائمة على عدم التدخل في شؤون الدول والحفاظ على سلامة ومقدرات الدول العربية”.

 

مستدركاً: “كانت مصر منذ اندلاع الأحداث في سوريا، تولي أهمية كبيرة للدور الذي يلعبه الأكراد في مواجهة التنظيمات المتطرفة المنتشرة هناك، حيث كانت قوات سوريا الديموقراطية بمثابة المدافع الأول ميدانياً، وحائط الصد المنيع الذي وقف في وجه هذه الجماعات، ولعل هذا المحور احتل أهمية بارزة في سياسة مصر الداخلية والخارجية، فيما يتعلق بحشد الجهود لمواجهة هذا الفكر المتشدد”.

“ولعل هذا الأمر كان حجر الأساس في تعزيز التفاهمات بين القاهرة والاكراد، خاصة أن مشروع الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، يؤكد وحدة سوريا وسلامة ترابها في إطار اللامركزية الديموقراطية، التي تم التوافق عليها خلال مؤتمر القاهرة، وهذا التفاهم دفع الجانب المصري إلى تسليط الضوء على ما يتعرض له الأكراد في مناطق شمال وشرق سوريا، من عمليات واحتلال تركي لهذه المناطق”، أكد الدكتور “صلاح”.

مستنتجاً: “وبالتالي فإنه هناك توافق على ضرورة حل الأزمة السورية، مع منح الأكراد حقوقهم ضمن وحدة الأراضي السورية، وهو الثابت في سياسة مصر تجاه هذا الملف، وبالتالي فإن عوامل استقرار الأوضاع في سوريا، يرتبط أكثر بطبيعة المحددات المصرية ورؤيتها التي تحمل توافق سوري كردي، على ضرورة رفض التدخل العسكري لتركيا هناك، بل ومحاسبة النظام التركي على جرائمه، والانتقال إلى الشروع في تنفيذ العملية السياسية”.

لافتاً إلى وجود ملفات أخرى تتمسك بها القاهرة، في إدارة تفاوضها مع تركيا، ومنها الملف السوري، ومن ثم سيكون هناك زخم كبير لعرض الرؤية المصرية المناهضة للسياسة التركية في سوريا بصورة عامة، والأكراد على وجه التحديد، قائلاً: “في تقديري سيكون هناك قنوات مصرية مفتوحة مع سوريا والأكراد في هذه الملفات، بما يعزز التقارب بينهم في مواجهة تركيا، بل سيكون الملف الكردي أحد الملفات التي ستقلم أظافر تركيا الخارجية، بجانب دورهم التاريخي في مواجهة الجماعات المتطرفة”.

منوهاً بالقول: “مساحات التقارب بين القاهرة والأكراد قائمة، ويُعزز منها التطورات الإقليمية والدولية التي تزيد من هذا الترابط، وهذه العلاقة لا يمكن التضحية بها من جانب القاهرة، باعتبار أن حل القضية السورية والأكراد من أحد الملفات الحاضرة بقوة في سياسة مصر الخارجية، وفيما يتعلق أيضاً بالتفاوض مع تركيا”.

وبطبيعة حال، فقد أشار الباحث المصري إلى أن الملفات الخلافية بين البلدين (مصر وتركيا)، “لم يتم حسمها بصورة كاملة”، حيث “اتجه الجانبان إلى تشكيل مجلس استراتيجي لبحث هذه الملفات، والتي تتطلب الأخذ بعين الاعتبار مخاوف كل طرف، وبالتالي يقع على مصر مسئولية التفاوض مع الحفاظ على متطلبات الأمن القومي العربي، وليس فقط الملفات المصرية التركية، كما هو الحال بالنسبة للتدخلات التركية في سوريا والعراق وليبيا وشرق المتوسط”، مُختتماً بالقول: “بالتالي نحن أمام ملفات وعقبات كبيرة تحتاج إلى تدابير خاصة، للوصول إلى تفاهمات مشتركة حول سبل تسويتها”.

الموقف المصري استراتيجي من الكرد

وبسياق الاطمئنان الكردي من أن مصر لن تستخدم القضية الكردية في سوريا، خلال خلافاتها مع تركيا، ساند السفير “حسين هريدي” مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، ذلك الرأي، خلال حديثه لـموقع المنصة، بالقول إن “موقف مصر من مشاكل الأكراد أينما كانوا، سواء في سوريا أو العراق أو ايران ثابت لا يتغير، ولا يتأثر بعلاقات مصر مع هذه الدول؛ ولم يسبق لمصر أن استخدمت “الأكراد” كورقة ضغط، أو أنها وظفت الخلافات بين حكومات هذه الدول و”الأكراد” في إدارة علاقاتها معهم”.

وهو ما ذهب إليه الدكتور “سامح إسماعيل”، الباحث في فلسفة التاريخ بجامعة طنطا المصرية، الذي أوضح لـموقع المنصة، بأن “موقف مصر من القضية الكردية، هو من أقدم المواقف في تاريخ المنطقة، فمنذ العام 1898، صدرت أول صحيفة كردية في القاهرة، وكانت تتحدث بلسان حال الأكراد، وبلسان حال المسألة الكردية والقضية الكردية في وقت مبكر جداً إبان هيمنة الدولة العثمانية”.

وتابع: “لكن الموقف تطور وأصبح أكثر جدية في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي أعلن أكثر من مرة مساندته للقضية الكردية، وقالها صراحة بأن أحداً لن يستطيع أن يغير هوية الاكراد في المنطقة، وحتى عندما حكمت مصر سوريا، أو إبان الوحدة بين مصر وسوريا، كانت علاقات جمال عبد الناصر بالأكراد علاقة قوية جداً، حيث حافظ على مقومات الهوية الكردية خلال ثلاث سنوات من الوحدة بين مصر وسوريا”.

وأكمل: “الموقف المصري تجاه المسألة الكردية موقف يتسم بالتوازن السياسي، ويتسم أيضاً بأنه موقف إستراتيجي للقاهرة، بأنها لن تقوم أبداً بالمزايدة على القضية الكردية، أو السماح بتصفيتها، رغم المسافة الجغرافية بين مصر وكردستان المتفرقة بين عدة الدول”.

ونوّه إلى أن “المسألة أخذت بعداً سياسياً عميقاً في أواخر عهد الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، عندما زار مسعود البرزاني القاهرة، كما عادة البرزاني إلى زيارتها أيضاً والتقى بالرئيس السيسي، وقد أكد الرئيس السيسي أكثر من مرة بأن مصر مع حق الأكراد”.

لافتاً إلى أن “الصراع بين مصر وتركيا في أعقاب أحداث العام ألفين وثلاثة عشر، لم تكن المُبرر كي تقف مصر مع القضية الكردية، لأن مواقف مصر مع القضية الكردية، سابقة على ذلك، ومنها وجود الاكراد بحرية في مصر”.

مشيراً إلى أن “مساندة مصر للقضية الكردية في المحافل الدولية، علامة شاهدة على أن مصر لا تأخذ أبداً موقفاً سلبياً من الاكراد”، واستشهد الدكتور “إسماعيل” بحوار جرى بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، و فتاة كردية في منتدى للشباب عقد قبل سنوات في مصر، إذ تحدثت الفتاة الكردية أمام الرئيس المصري في جموع الحاضرين عن أحلامها، وكانت تصريحات الرئيس المصري حينها واضحة، بأن مصر دائماً وأبداً تقف مع الهوية الكردية المستقلة، وأن أحداً لن يمكنه أبداً أن يغير تاريخ والجغرافيا، وأن يمحو قضية الأكراد، أو ينفي وجودهم في المنطقة.

وأكد “إسماعيل” بأنها “كلها مواقف تشهد على أن القاهرة تأخذ موقف مبدئي وأخلاقي”، مختتماً بالقول: “أعتقد بأن التحسن الأخير في العلاقات بين مصر وتركيا، لن يحول دون استمرار المساندة المصرية للقضية الكردية”.

نهاية، يبدو أن الكُرد في سوريا، تمكنوا إلى حد كبير من إثبات دورهم التاريخي في مواجهة الإرهاب الداعشي والقاعدي الراديكالي، ولعل هذا الدور البارز والأساس في حماية الأمن والاستقرار في الكثير من دول الشرق الأوسط وأوروبا وحتى روسيا وأمريكا، يضعهم في موقف ردّ الجميل، عبر الإقرار بضرورة الاعتراف بحقوقهم الدستورية في سوريا المستقبل، على غير هوى تركيا والجماعات السورية المعارضة الدائرة في فلكها، وفي مقدمتهم جماعة الإخوان المسلمين.

حيث يسعون معاً (تركيا والإخوان)، إلى استبدال شخصية الرئيس السوري فقط وطائفته، مع بقاء كل سياساته الإنكارية بحق الكثير من المكونات السورية ومنهم الكُرد على وجه الخصوص، وهو ما تكرس في منطقة عفرين شمال غرب سوريا، التي تم الاستيلاء عليها تركياً في مارس العام 2018، بالقوة العسكرية، وتغيرت منذ ذلك الحين 360 درجة، مع تتريكها ثقافياً وإدارياً وتغيير ديمغرافيتها، عقب تهجير الغالبية العظمى من سكانها الأصليين الكُرد، وهو الأمر الذي ترفضه أغلب القوى الإقليمية والدولية ذات الشأن في سوريا، ومنهم مصر.

المصدر: حفريات

شارك هذا الموضوع على