برفين روج
في الذكرى السابعة عشرة لرحيل الفنان آرام ديكران، يستعاد إرث فنان أرمني الأصل جعل من اللغة الكردية جسراً للثقافة والتعايش، وحفظ بصوته مئات الأغاني الكردية من الاندثار. فمن قامشلو إلى يريفان وأثينا، امتدت مسيرته الفنية التي تركت أثراً عميقاً في الذاكرة الموسيقية الكردية، وما زالت أغانيه حاضرة في أفراح الناس وفعالياتهم الثقافية، فيما يواصل جيل جديد حمل إرثه الفني.
يصادف اليوم، 8 آب، الذكرى السابعة عشرة لرحيل الفنان آرام ديكران، الذي توفي في أحد مشافي أثينا عام 2009 إثر جلطة دماغية.
وولد آرام عام 1934 في مدينة قامشلو لعائلة أرمنية، كان أفرادها قد نجوا من الإبادة التي ارتكبتها الدولة العثمانية في قرية أميد بساسون في شمال كردستان، واستقرت في قامشلو.
ونشأ آرام في بيت ارتبط بالموسيقى، إذ كان والده عازفاً على الناي، فتعلم العزف على العود في بداياته، قبل أن يتخذ من آلة “الجمبش” رفيقاً لمسيرته الفنية.
ولم تسمح له الظروف المادية بالالتحاق بمعهد موسيقي، فاعتمد على التعلم الذاتي، وبدأ بتعليم إخوته الإيقاع، ثم شارك في إحياء الأعراس والمناسبات في الجزيرة، وغنى بالكردية والعربية والأرمنية، قبل أن يؤسس أول فرقة موسيقية أرمنية ـ كردية في قامشلو.
وفي عام 1957 تزوج آرام ديكران ورُزق بثلاثة أبناء، ثم انتقل عام 1966 إلى ييريفان عاصمة أرمينيا، حيث عمل في إذاعة ييريفان لنحو 18 عاماً، وسُجلت خلال تلك الفترة غالبية أغانيه التي انتشر صداها في مختلف أنحاء كردستان. وفي عام 1995 استقر في العاصمة اليونانية أثينا، حيث واصل نشاطه الفني حتى وفاته.
حافظ للأغنية الكردية
لم يكن آرام ديكران مجرد مغنٍّ، بل تحول إلى حافظ للتراث الموسيقي الكردي وواحد من أبرز من عملوا على جمع الأغاني الشعبية القديمة وحمايتها من النسيان. فقد حفظ وأرشف أكثر من 300 أغنية كردية قديمة، كما لحن عشرات الأغاني، وأصدر خلال مسيرته 11 ألبوماً ضمت قرابة 120 أغنية.
وغنى آرام أشعار عدد من أبرز شعراء كردستان، بينهم جكرخوين، وفقي تيران، وتيريز، وكلش، وكانت بدايته مع أغنية “Şev Çû” من كلمات الشاعر جكرخوين عام 1965، لتتوالى بعدها أعمال أصبحت جزءاً من الذاكرة الموسيقية الكردية، من بينها أغاني عن نوروز وعن اللغة الكردية والعشق للوطن.
وكان آرام ينظر إلى الغناء باللغة الكردية بوصفه تعبيراً عن الوفاء للشعب الذي احتضن عائلته، وقال عن أغنيته الشهيرة “Zimanê Kurdî” التي ما زال الأطفال الكرد يرددونها حتى اليوم، إنه يغني بالكردية وفاءً لمن أنقذوا عائلته.
وعلى الرغم من أن الكردية لم تكن لغته الأم، فإنه جعل منها إحدى أهم أدواته الفنية، وغنى بها لأجيال من الكرد، ليصبح صوته جزءاً من ذاكرتهم الثقافية.
الفن جسراً بين الكرد والأرمن
لم تقتصر أهمية آرام ديكران على نتاجه الموسيقي، بل ارتبط اسمه أيضاً بالتقارب بين الشعبين الكردي والأرمني. فقد اختار أن يجعل من الفن مساحة للتلاقي، وغنى بثلاث لغات هي الكردية والعربية والأرمنية، بعيداً عن الحدود القومية واللغوية.
وبذلك تحول آرام إلى نموذج فني للتعايش، إذ لم ينظر إلى اللغة والثقافة بوصفهما حدوداً تفصل بين الشعوب، وإنما أدوات للتواصل والتقارب، وهو ما جعل إرثه يتجاوز حدود الأغنية ليصبح جزءاً من ذاكرة المنطقة الثقافية.
إرث مستمر في روج آفا
ولم يتوقف حضور آرام ديكران عند رحيله، إذ واصلت المؤسسات الثقافية في روج آفا تخليد اسمه وإرثه الفني. ففي عام 2013 افتُتح مركز آرام تيكران للثقافة والفن في رميلان، ليصبح خلال السنوات التالية أحد المراكز الثقافية والفنية البارزة في الجزيرة.
ويقدم المركز تدريبات في مجالات المسرح والموسيقى والرقص والتصوير، ويستقبل مختلف الفئات العمرية والمكونات، في محاولة للحفاظ على الموروث الثقافي والفني ونقله إلى الأجيال الجديدة.
كما عادت أغاني آرام إلى الواجهة من خلال الأطفال والشباب الذين يؤدونها في فعاليات اللغة الكردية والحفلات والمهرجانات، لتبقى أعماله حاضرة في الحياة اليومية، من المنازل والشوارع إلى السيارات والمناسبات العامة.
الرحيل بعيداً عن الوطن
وتوفي آرام ديكران في أحد مشافي أثينا يوم 8 آب 2009، إثر جلطة دماغية. وكان قد أوصى بأن يُدفن في مدينة آمد بشمال كردستان، إلا أن السلطات التركية منعت ذلك، كما لم تسمح السلطات السورية بإعادته إلى مسقط رأسه في قامشلو، فدُفن في العاصمة البلجيكية بروكسل، بعيداً عن الأرض التي أحبها وغنى لها.
وبعد رحيله، استمر تخليد إرثه من خلال أعمال فنية مختلفة، من بينها ألبوم “عشق آرام – Evîna Aram”، الذي أصدره عدد من الفنانين الكرد عام 2005، وضم 14 أغنية تخليداً لمسيرته الفنية.
كما بقيت أغانيه حاضرة في وجدان المستمعين، وتحولت مع مرور السنوات إلى جزء من الذاكرة الموسيقية لجيل كامل.
صوت لم يمت
رحل آرام ديكران جسداً، لكن صوته بقي حاضراً في الأغنية الكردية وفي ذاكرة الأجيال. فقد استطاع، عبر مسيرته الطويلة، أن يجعل من الموسيقى وسيلة لحفظ التراث والتعبير عن الهوية وبناء جسور التعايش بين الشعوب.
وفي ذكرى رحيله، يُستعاد إرثه لا كمغنٍّ فحسب، بل كفنان أنقذ مئات الأغاني من النسيان، وغنّاها بلغة لم تكن لغته الأم، حتى غدا صوته جزءاً من ثقافة شعب بأكمله.
ووفاءً لذكراه ومسيرته الفنية، يُقام اليوم في مركز هلالا زيرين بمدينة الحسكة حفل فني بمشاركة نخبة من الفنانين والفرق الثقافية، في استذكار لفنان لا يزال حاضراً بأغانيه بعد 17 عاماً على رحيله.
ANHA







