دجوار أحمد آغا
الكرد شعب متعطش للموسيقا والغناء، بسبب طبيعة موطنه الجبلي، فصدحت الموسيقا في مختلف أرجاء كردستان، تردد صداها في الوديان السحيقة والجبال الشاهقة، لتنقل معها الآهات، الآلام، والآمال عبر أجيال متتالية من أجل الظفر بالحرية والعيش بكرامة فوق تراب هذا الوطن المقدس الذي روته دماء مئات الآلاف من الشهداء منذ القديم وإلى يومنا هذا.
خرج من رحم هذا الشعب الكثير من الأدباء، العلماء، والقادة، والمفكرين، والساسة، وكذلك الفنانون في مختلف أنواع الفن سواء الفن التشكيلي، والرسم، والمسرح، والسينما، إلى الرقص والدبكات وبالطرب الأصيل والغناء الشجي والسعيد على حد سواء، فبرزت الكثير من الأصوات الخالدة التي بقيت رغم رحيل أصحابها منذ زمن بعيد، ومن بين هذه الأصوات يحضرنا اليوم صوت فنان في ذكرى رحيله قبل 31 عاماً، إنه الفنان القدير “تحسين طه”، دعونا نتعرف عليه وعلى مسيرته.
من هو تحسين طه؟
بين جبال آميدي وجمالية القلعة، ولد الفنان القدير “تحسين محمد سليم” في الخامس والعشرين من شهر الربيع أيار عام 1941 في بلدة آميدي (العمادية) التابعة لمحافظة دهوك في إقليم كردستان، نشأ في كنف عائلة وطنية تتألف من الأب طه محمد سليم والأم غُربت سليم خان، بحكم عمل والده موظف حكومي، تنقل الطفل مع العائلة إلى العديد من المناطق الكردية منها “زاخو، مانكيشك” وغيرها، الأمر الذي ساعده فيما بعد على تشكيل ذاكرته الجمالية البكر، وشرّب روحه الفتية بألحان الطبيعة والأغاني الفلكلورية الأصيلة لطب1يعة كردستان الساحرة.

الحس الوطني الملتزم
وتميز “تحسين طه” بحسّه الوطني الصادق والملتزم بقضايا وطنه وشعبه، ففي عام 1958 تم إبعاده عن الدراسة في مدينة الموصل لاشتراكه في تظاهرات عام 1956 ـ 1957، حيث عاد إلى آميدي وأنهى المرحلة المتوسطة من دراسته هناك، وفي عام 1960 التحق بكلية الفنون الجميلة قسم المسرح في بغداد، لكنه لم يتم دراسته، بسبب اعتقاله وفصله من الكلية لانخراطه في العمل السياسي، ثم التحاقه لاحقاً بصفوف قوات البيشمركة آنذاك، لم يكن تحسين طه مجرد مطرب يمتلك صوت جميل، بل كان فنان ملتزم بقضايا شعبه ووطنه.
التحول إلى الغناء
وأدرك الفنان الراحل “تحسين طه”، شغفه للغناء وميله للفن في سن مبكرة، ولكونه امتلك خامة صوتية فريدة ومتميّزة قلّما تتكرر، عكف الملحّنون والشعراء لكتابة وتلحين أفضل وأجمل أغانيه وأول من اكتشف قدراته الصوتية والده، حيث كانت أولى أغانيه من كتابة والده (رابه جوتيار، بهدينان، جومه زاخوكي)، كما غنّى لشعراء كرد كبار أمثال “الدكتور بدرخان السندي” و”ريكيش آميدي”، وفي عام 1970 ذهب إلى بغداد وغنّى في راديو وتلفزيون بغداد، حيث قام بتسجيل العديد من الأغاني في القسم الكردي في إذاعة بغداد بالتعاون مع الفنانين “عزيز ملا وفاضل آكري” كما سجّل في عام 1987عدد من الأغاني مع فرقة الفن في دهوك بقيادة الموسيقي “دلشاد محمد سعيد”.
صوت يحمل روح كردستان
وتميز “تحسين طه” بخامة صوتية فريدة تجمع بين الدفء والقوة، واشتهر بقدرته الفائقة على أداء أغاني الغزل والغرام الممزوجة بالحنين واللوعة، لم يقتصر فنه على الأداء الفردي، بل يُعد من أبرز رواد الأغنيات الحوارية والثنائيات (الدويتو) في تاريخ الموسيقا الكردية، حيث شارك بصوته مع عملاقات الفن الكردي مثل الفنانة كول بهار والفنانة عيشة شان، إلى جانب تعاونه المتميز مع الفنانين شمال صائب وفؤاد أحمد، تنقلت موضوعات أغانيه بسلاسة مذهلة بين حب الحبيبة وحب الوطن، فكان يرى في عيون المرأة التي يغني لها انعكاساً لجمال وحرية كردستان، امتازت أغانيه بعذوبة اللحن والبساطة القريبة من الناس، كما اعتمد كثيراً على الفلكلور الكردي وإعادة تقديمه بروح حديثة، الأمر الذي جعله جسراً بين التراث والأغنية المعاصرة، أبرز أغانيه الخالدة: (بيريفان، آسو، ملا تيمي، أي فلك، خجي، لور، والكثير غيرها).
الرحيل وإرثه الغنائي
وكما سائر الأنظمة الدكتاتورية الاستبدادية عندما تشتم رائحة الوطنية أو نشر روح المحبة والسلام، تقوم بتضيق الخناق على الفنان بشتى الوسائل وصولاً إلى الاعتقال، ونتيجة للملاحقة المستمرة والتضيق الممنهج، اضطر سنة 1994 إلى مغادرة أرض كردستان الحبيبة (التي لطالما تغنى بها)، والتوجه إلى أوروبا حيث استقر في المملكة الهولندية، لكن قلبه بقي معلقاً في مسقط رأسه آميدي، لم يطل به المقام في القارة العجوز، فبعد أن أحيى عدة حفلات للجاليات الكردية في العديد من الدول الأوروبية ولدى عودته إلى هولندا للاستقرار، توفي نتيجة أزمة قلبية حادة يوم 28 أيار سنة 1995، عاد إلى موطنه ومسقط رأسه محمولاً على الاكتاف في تابوت خشبي، حيث دفن في مدينته آميدي بناء على وصيته.
وختاماً يمكننا القول، إنه على الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود من الزمن على رحيله، إلا إن “تحسين طه” لا يزال حاضراً بوصفه أحد عمالقة الطرب الكردي الأصيل إلى جانب “محمد عارف جزراوي، كربيت خاجو، عيسى برواري، محمد شيخو، آرام ديكران”، وغيرهم الكثير، إضافة إلى كونه صاحب مدرسة فنية متميزة جمعت بين الجمال الموسيقي والصدق الإنساني والانتماء الوطني. لقد كان أكثر من مطرب، كان صوتاً يشبه كردستان نفسها، بحزنها وفرحها وكرامتها وحنينها الدائم إلى الحرية، وفي ذكرى رحيله، يعود صوته من جديد ليؤكد أن الفنان الحقيقي لا يموت، بل يبقى حيّ في وجدان شعبه، لم يكن تحسين طه مجرد مطرب يُطرب الآذان، بل كان سفيراً حقيقياً للهوية الكردية، استطاع بنبرته الشجية أن ينقل الفن الكردي إلى آفاق أرحب. تظل أغانيه وألحانه محفورة في وجدان الأجيال المتعاقبة، وتُبث في المناسبات القومية والوطنية كرمز دائم للأصالة، والتضحية، والجمال الخالد الذي لا يمحوه الغياب.
صحيفة روناهي
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=88528
مقالات قد تهمك














