السجاد الكردي.. خيوط تنسج ذاكرة كردستان وتحفظ إرث الأجيال

تكبير الصورة

لم يكن السجاد الكردي يوماً مجرد قطعة تُفرش في المنازل، بل شكّل عبر قرون طويلة سجلاً حياً لذاكرة كردستان وتراثها الثقافي. فمن بين خيوط الصوف والألوان الطبيعية، نسجت النساء الكرديات قصص الحياة والطبيعة والعادات والتقاليد، لتتحول كل سجادة إلى لوحة فنية تروي تاريخ شعب حافظ على هويته وإرثه رغم التحولات والتحديات.

امتاز السجاد الكردي في مناطق كردستان المختلفة بتنوع أنماطه وأساليبه، متأثراً بالبيئة الجغرافية ونمط الحياة المحلي، ليصبح بذلك أكثر من مجرد حرفة يدوية، فهو بمثابة خريطة حية تعكس تفاصيل الحياة الكردية بكامل أبعادها.

تحت أنامل النساء الكرديات.. سجادة بلون التاريخ

في البيوت الجبلية الكردية، تحول نسج السجاد على مدى آلاف السنين إلى جزء أصيل من الهوية الثقافية لكردستان. ولم يكن السجاد يستخدم فقط لتأثيث المنازل، بل حمل في تفاصيله قصص الحياة والطبيعة والعادات والتقاليد التي شكلت ملامح المجتمع الكردي.

ويرى مؤرخون أن جذور صناعة السجاد تعود إلى مناطق كردستان، حيث فرضت طبيعة الحياة الجبلية الحاجة إلى سجاد متين ودافئ، ما دفع النساء الكرديات إلى تطوير هذه الحرفة وتحويلها إلى إرث فني وثقافي أصبح جزءا من تاريخ الشعب الكردي.

وتعد مناطق سنا وكرمانشان وموكريان وهكاري والسليمانية وهولير ومهاباد من أبرز مراكز صناعة السجاد الكردي، فيما اكتسب سجاد سنا شهرة عالمية بفضل دقة نقوشه ونعومته وجمال تصاميمه، مع اختلافات واضحة بين منطقة وأخرى تبعا للخصوصية الجغرافية والثقافية.

وخلال العصور الوسطى، حظي السجاد الكردي بمكانة مميزة في أسواق الشرق الأوسط، ووصل عبر طرق التجارة إلى إيران وبلاد الشام وتركيا وحتى أوروبا. ورغم تغير أنماط الحياة وانتشار المنتجات الصناعية، ما يزال السجاد الكردي يحافظ على مكانته بوصفه رمزا ثقافيا وفنيا يروي تاريخ كردستان من خلال ألوانه ونقوشه.

السجاد الكردي.. تاريخ من العقد والزخارف

في المناطق الجبلية من كردستان، ومع انتشار تربية الأغنام ووفرة المراعي، ظهرت أولى أشكال الغزل والنسج التي شكلت الأساس لصناعة السجاد الكردي. وخلال هذه العملية لعبت المرأة الدور الأهم، بدءا من تنظيف صوف الأغنام وغزل الخيوط، وصولا إلى إعداد الأصباغ الطبيعية المستخرجة من النباتات الجبلية ونسج السجاد على الأنوال التقليدية.

ويعرف السجاد الكردي باستخدام العقدة المزدوجة التي تمنحه المتانة وطول العمر، بينما تعكس زخارفه الطبيعة والحياة الكردية، حيث تظهر فيه الأزهار والأسماك والطيور وجبال زاغروس بألوان ونقوش متنوعة.

وتقول قدرية محمد، الذي يعمل منذ 29 عاما في مجال نسج السجاد داخل أحد المراكز الثقافية في السليمانية: “إن جميع عناصر الطبيعة تقريبا حضرت في نقوش السجاد الكردي، من الأزهار وحتى الخيول”.

المرأة.. اليد الخفية في تاريخ السجاد الكردي

في البيوت الكردية القديمة، كانت المرأة العمود الفقري لصناعة السجاد. فمن خلال معرفتها بالنباتات والأعشاب الجبلية، تمكنت من إنتاج ألوان طبيعية ثابتة، في عمل جمع بين الفن والإبداع والمعرفة التقليدية.

وكان لكل نقش معنى ورمز يرتبط بالحياة والطبيعة، فيما كانت الألوان تنقل حكايات المجتمع الكردي وتفاصيل يومياته.

وحول أنوال السجاد كانت النساء يجتمعن للعمل وتبادل الأحاديث والأغاني الشعبية وتعزيز الروابط الاجتماعية، ما ساهم في الحفاظ على التراث الثقافي ونقل هذه الحرفة من جيل إلى آخر، إذ كانت السجادة تنتقل في كثير من الأحيان من الأم إلى ابنتها بوصفها إرثا عائليا.

وتشير قدرية محمد إلى أن النساء في السليمانية كن الأكثر ممارسة لهذه الحرفة، نظرا لارتباطها بالدقة والإبداع في رسم النقوش والزخارف، لافتة إلى أن عددا من الرحالة الأوروبيين الذين زاروا كردستان خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وثقوا مهارة النساء الكرديات في هذا المجال.

السجاد الكردي.. مصدر دخل وإرث فني

شكل نسج السجاد عبر تاريخ كردستان مصدرا مهما للدخل بالنسبة للعديد من العائلات، خصوصا في الفترات التي كانت فيها فرص العمل محدودة. ففي المدن والقرى الكردية كان السجاد ينتج لتلبية الاحتياجات المنزلية، كما كان يسوق ويباع في الأسواق المحلية، موفرا موردا اقتصاديا مهما للأسر.

كما لفت السجاد الكردي أنظار التجار الغربيين الذين أعجبوا بأصالته وجودة ألوانه ومتانة صناعته، فاعتبروه تحفة فنية مميزة، الأمر الذي ساهم في انتشاره عالميا وتعريف العالم بالتراث الفني الكردي.

صناعة السجاد بين التعريف بالتراث وضيق السوق

في الوقت الحاضر، تواجه هذه الحرفة تحديات متزايدة نتيجة انتشار المنتجات الصناعية وتغير أنماط الحياة، ما أدى إلى تراجع الإقبال عليها مقارنة بالماضي.

وتؤكد قدرية محمد أنه لو توفرت في إقليم كردستان أشكال أكبر من الدعم ومراكز وأسواق متخصصة لعرض منتجات السجاد، لكان تسويق هذه المنتجات والتعريف بها أكثر سهولة. لكنه يوضح أن غياب المحال المتخصصة ومنافذ البيع المنظمة يجعل كثيرا من المنتجات تبقى ضمن الأسواق المحلية ولا تصل إلى الأسواق الخارجية، الأمر الذي يشكل عائقا أمام تطوير هذا القطاع.

وتضيف أن العديد من المعارض الخاصة بالسجاد أقيمت خلال السنوات الماضية، إلا أن هذه الحرفة ما تزال بحاجة إلى مزيد من الدعم والتنظيم والترويج للحفاظ عليها وتوسيع حضورها داخل العراق وخارجه.

وفي النهاية، تبقى كل سجادة كردية أشبه بكتاب مفتوح يحمل بين خيوطه قصصا غير مكتوبة للمرأة التي نسجتها، لتتحول إلى مرآة تعكس أفكار المجتمع الكردي وذاكرته، وسجلا حيا يوثق جانبا مهما من تاريخ كردستان وتراثها الثقافي.

المصدر: روج نيوز

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

× Zoomed Image
Scroll to Top