ماهين شيخاني
ذلك الصيف لم يكن صيفاً عادياً. حتى الليل صار يلهث من شدّة الحر، والمدينة تشتعل كجمرٍ في موقدٍ بلا ماء. كنا ننام على البرندا هرباً من أنفاس البيوت الخانقة، لكن هناك أنينًا لا يمكن الهروب منه، يقطع الصمت كل ليلة ويخترق الجدران مثل خنجر صدئ: أنين جارنا العجوز.
دخل عليّ ابني، بعينين يملؤهما الفضول والبراءة:
– بابا، لماذا لا نذهب لزيارته..؟. أرى الناس يزورونه بعد عودته من المستشفى… أليس هذا واجباً..؟.
أجبته متنهّداً:
– نعم يا بني، هذا واجب.
– إذن لماذا لا نذهب..؟.
أخفضت بصري، وصوت الأنين يتصاعد في رأسي:
– يا صغيري، أنا لا أستطيع أن أرى رجلاً يتألم ولا أقدر أن أقدّم له شيئاً… ولا أملك ما يخفف عنه.
– ألا يوجد له أقارب..؟.
هززت رأسي ببطء:
– الحرب يا بني… مزّقت كل شيء. له أقارب، لكنهم في المنافي، ومن بقي بالكاد يطعم نفسه.
أغمضت عينيّ، ورأيته كما أعرفه: عاملاً قوياً، جلده مسمّر بالشمس، يضحك دائماً والسيجارة في فمه، يقول في سخرية:
“الدخان موت بطيء… وأنا أحب كل شيء ببطء..!”
كان يظنها مزحة، لكن المرض لم يمازحه. عاد من المستشفى هزيلاً كخيط دخان، صدره كهف فارغ، وعيناه غائرتان في وجه لا يشبهه.
في الليلة التالية، اشتد الأنين حتى صار مثل صرخات مكتومة. قمتُ من فراشي، وقبل أن أطرق بابه سمعت أصواتاً… كأنها طقطقة خشب. دفعت الباب، ففتح بسهولة. البيت مظلم إلا من وهج سيجارة محترقة في المنفضة. اقتربتُ ببطء، ثم… تجمدت قدماي.
كان ممدداً على الأرض، لكن المفاجأة لم تكن في موته…
بل في الجدار خلفه، بخط مرتجف أسود من رماد السجائر، كتب:
“سامحوني… علبة الدواء كانت أغلى من الحياة .”
وبجانب يده… ورقة صغيرة ملفوفة بإحكام، داخلها خمسمائة ليرة، لم تكفِ لعلبة دواء، لكنها كانت تكفي لعلبة سجائر أخيرة.
خلفي صوت ابني يسأل بخوف:
– بابا، هل هو بخير..؟.
لم أجب. فقط سحبت الباب بهدوء، وأدركت أن الموت ليس ما صدم قلبي…
الصادم أنني فهمت متأخراً:
لم يقتله التدخين وحده… قتلته الحياة التي جعلت السيجارة أغلى من الدواء.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=73970





