أن تكون كوردياً: شهادة لا تُمحى على جبين التاريخ

بوتان زيباري

ليست المسافة بين القمر والأرض هي الأبعد، بل المسافة بين وعودهم ووعودنا. بين ما يُقال في أنقرة وما يُكتب بالدم في ديار بكر. بين صمت السفارات وصرخات الأمهات اللواتي لم يعدن يعِدنَّ أبناءهن من السجون، ولم تعد الأرض تعرف رائحة قبورهم. هناك، حيث الجبال تبكي حجراً ونباتاً، وهناك حيث اللغة تُقتل قبل المتحدث بها، هناك بالضبط تبدأ قصة الكوردي — ليس كقومية، بل كشهادة إنسانية على وحشية لا تنتهي.

من قال إن الإنسان يُولد مرة واحدة؟ الكوردي يولد كل يوم. يولد حين يستيقظ باسمٍ ممنوع، ولغةٍ مهددة، وهويةٍ تُعتبر خيانة. يولد وهو يعرف أن الاعتراف به قد يُعدّ جريمة في دولة تبني مجدها على نفيه. لكن في كل زاوية من هذه المعاناة، تظهر أيدي تلوح من بعيد، وأصوات تهمس: “سيتغيرون”، “ستأتي ساعة التفاهم”، “ربما هذه المرة يكون الأمر مختلفاً”. نعم، هناك من يَتَوَهَّمُ، او يرِيد أن يُوَهِّمَنَا، بأن تركيا ستغير يوماً ما سياستها تجاه الكورد، وأنها ستتقدم نحو الاعتراف بوجودنا كشعب له لغته وثقافته وحقوقه. لكن هؤلاء نسوا، أو تناسوا، ما يردده بعض أركان الدولة التركية علناً حتى اليوم: “لن نسمح بكيان كوردي ولو على سطح القمر”. نعم، القمر! لا يكفي لهم أن يمنعوا الكورد من إدارة قراهم، بل يتخيلون أن وجودنا في الفضاء نفسه تهديدٌ لكيانهم المأزوم.

نحن، الكورد ذوو القلوب الطيبة، الذين آمنّا مراراً وتكراراً بشعارات الوحدة والأخوة، نحن الذين أعطينا الثقة بينما كانت السيوف تُشحذ في الخفاء، نحن الذين تم خِداعنا منذ أن استوطن من جاءوا من الشمال أراضينا، واستعمروها عبر قرون، ثم أعادوا كتابة التاريخ ليجعلونا غُرباء في ديارنا — علينا أن لا ننسى. لا ننسى كيف حوّلوا القرى إلى رماد، وكيف حوّلوا الأطفال إلى أيتام، وكيف حوّلوا الحزن إلى وطن. فَذَكِّر، فلعل الذكرى تنفعنا. فالنسيان ليس ضعفاً فقط، بل خيانة للشهداء، وللتاريخ، وللأجيال القادمة التي ستسأل: لماذا لم تقاوموا؟ ولماذا آمنتم بالوعود مرة بعد مرة؟

هل تسمعون صوت الضحكة المرة تلك التي تخرج من فم الكوردي حين يُخبره المسؤول التركي بأنه “أخوه”؟ إنها ضحكة تعرف التاريخ. تعرف كيف كانت القرى تحترق واحداً تلو الآخر، وكيف كان الجندي يُدخل البنزين إلى بيت العجوز ثم يشعله وهو يضحك. تعرف كيف كانت تُبيد القُرى وكيف كانت المحاكم العسكرية تصدر الأحكام قبل محاكمة المتهم، وكيف كان التعذيب في سجن ديار بكر ليس عقوبة، بل سياسة. سياسة صُمّمت لتُفقِد الإنسان اسمه، ولغته، وصوته. لتُعيد تشكيله تركياً، ولو على حساب روحه. لكنهم نسوا أن الروح لا تُستعمر. نسوا أن الجسد، رغم كل السياط، لا ينسى من أين جاء، وماذا يحمل في أعماقه من أغاني الأمهات وأسماء الآباء.

تقول المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان كلمتها: نعم، تم الاغتصاب. نعم، تم تعذيب النساء أمام أطفالهن. نعم، أجبر الناس على أكل البراز. نعم، هذا حدث، وهذه ليست شائعات، بل وثائق. لكن أنقرة تضحك وتواصل السير. لأن القانون عندهم ليس للعدل، بل للأقوى. والقوة عندهم ليست في الدستور، بل في البندقية، وفي القرار، وفي التعتيم. أما الكوردي، فهو لا يملك سوى ذاكرته. لكن هذه الذاكرة، أيتها الدولة، أقوى من دباباتك، وأبقى من مؤسساتك، وأصدق من خطابات رئيسك.

لقد خدعونا كثيراً. خدعونا باسم الوحدة، باسم الوطن، باسم الأخوة في الدين. بينما كانوا يبنون جدراناً داخل الجسد الواحد. خدعونا بوعود الإصلاح وان الجمهورية لنا جميعاً، ثم أعادوا بناء نفس النظام بوجه جديد. اليوم يقولون “حل سلمي”، ويرسلون الطائرات إلى جبال قنديل وكوباني وعفرين. اليوم يتحدثون عن “التنوع”، ويسجنون المعلم الذي علّم الأطفال حرف (غ،خ=X). نحن، أصحاب القلوب الطيبة، الذين آمنا مراراً بأن النوايا يمكن أن تتغير، بدأنا نفهم: لا تثق باليد الممدودة إذا كانت الأخرى لا تزال تمسك السكين.

ولن ننسى. لن ننسى من قتلنا، ومن حرّق قرانا، ومن منع لغتنا في المدارس، ومن حوّل اسم “كوردستان” إلى كلمة محرمة. لن ننسى لأن النسيان خيانة. لأن النسيان هو ما يريدونه. لأن النسيان هو بداية الاستسلام. لكننا، رغم الألم، لم نستسلم. بل حوّلنا الألم إلى وعي، والظلم إلى وَعد. وَعدٌ بأننا لن نكون مجرد رقم في إحصائية، ولا صوت خافت في زاوية، ولا شعب بلا تاريخ.

وإن كانت هناك رسالة يجب أن تُرسَل إلى كل من يعيش على هذه الأرض، فهي هذه: شمس الكورد ستشرق. سواء أحببتم ذلك أم كرهتم. سواء أغلقتم المدارس أم فتحتموها. سواء أقرعتم الدساتير أم أبقيتموها مخطوطة بالدم. لا يمكن أن تستمر دولة على الكراهية. لا يمكن أن يقوم نظام عادل على نفي شعب كامل. لذلك، لا خيار أمامكم إلا أن تُعيد بناء نفسها من الصفر. لا يمكن للدولة أن تُبنى على عرق واحد، ولا للدستور أن يُكتَب بلغة واحدة فقط. يجب أن تسقط المركزية، تلك الوحشية البيروقراطية التي تُحكم القبضة من العاصمة على كل شيء. يجب أن يُعترف بأن هذه الأرض مشتركة. مشتركة بيننا جميعاً، بين الجميع الذين عاشوا هنا، وعانوا، وبقوا.

ويجب أن يُنص في دستور جديد، دستور إنساني، دستور حياة، على أن اللغة الكوردية ايضاً لغة رسمية، وعلى أن التعليم يجب ان يكون باللغة الكوردية ايضاً. ليس تفضيلاً، بل عدالة. ليس منّة، بل حقاً طبيعياً. لأن من يمنع لغة شعبه، يمنعه من أن يفكر بحرية، ومن أن يحلم بكرامة.

فإذا أردتم أن تعرفوا من هم الأتراك حقاً، فكونوا كوردياً ليوم واحد. فقط يوم واحد. سترون كيف يُعامل المرء لأنه ينطق باسم قريته. كيف يُسأل عن انتمائه قبل أن يُسأل عن اسمه. كيف يُنظر إليه كخطر قبل أن يُنظر إليه كإنسان. وحينها، ستعرفون أن الخالد مانديلا لم يكن يتكلم عن سياسة، بل عن إنسانية مكسورة.

لكن اعلموا أيضاً: لا يمكن لدولة أن تبني مستقبلها على جماجم الشعوب. ومهما طال الليل، فالصبح آتٍ. ومهما كبر الجدار، فالشروق يعبر من شقوقه. ونحن، يا من تظنون أنكم تحكمون، نحن الذين نحمل الشمعة في العتمة، سنظل نمشي، حتى لو كان الطريق طويلاً، وحتى لو كانت الخطوة بطيئة. لأننا لا نمشي من أجل أن نصل فقط، بل من أجل أن نثبت أننا موجودون. وأن وجودنا ليس خطأ. وأن كورديتنا ليست عاراً، بل شرفاً. شرفاً لا يُستَرد بالسلاح فقط، بل بالذاكرة، وبالحق، وبالكلمة التي لا تنكسر.

Scroll to Top