إبراهيم باشا: الأَمِيرُ الكُرْدِيُّ الَّذِي كَانَ يَحْمِي المَسِيحِيِّينَ

تكبير الصورة

جيانكارلو كازا (Giancarlo Casa)*

ترجمة عن الإيطالية: مجلة الحوار

مجلة الحوار – العدد /85/ – السنة 33 – 2026م

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

في هذه الفترة، لا تَنْفكُّ وسائلُ الإعلام تُجرِّعنا العنفَ القائم على دوافعَ إثنيَّةٍ ودينيَّة، عبر الصور والكلمات والأصوات. ومن أمثلة ذلك، بلا شكّ، أعمالُ العنف الجماعي التي ينفِّذها تنظيمُ الدولة الإسلاميَّة في الشرق الأوسط ضدَّ جماعاتٍ مسيحيَّةٍ ومسلمة، فضلاً عن تدميره ممتلكاتٍ ثقافيَّةً مهمَّةً لا تُقدَّر بثمن. ومع ذلك، مَن يدري؟ فلعلَّ بين صفوف تنظيم الدولة الإسلاميَّة المروِّع، في هذه اللحظة بالذات، جنديًّا أو ضابطًا أو زعيمَ قبيلةٍ مثل إبراهيم باشا، انخرط طوعاً أو كرهاً في منظومة العنف هذه، لكنَّه قرَّر أن يمدَّ يدَ العون إلى المضطهَدين، على نحوٍ ما، سرّاً أو في وضح النهار.

لقد عرف تاريخُ البشريَّة شخصيَّاتٍ تميَّزت، على الرغم من طبيعتها والدور الذي اضطلعت به، بأفعال يمكن أن نعدَّها من أفعال «الرجال الأبرار». ففي جميع الإبادات الجماعيَّة والمجازر تقريبًا، بدءاً من إبادة الأرمن، ومرورًا بالمحرقة (Shoah)، ووصولاً إلى الإبادة الجماعيَّة في رواندا، وُجد رجال ونساء امتلكوا، رغم الظروف التي أحاطت بهم، ورغم ما أُتيح لهم بسهولة من فرص الثراء والمجد، إرادةَ التصرُّف على نحوٍ مغاير لما فعلته الأغلبيَّة، فأنقذوا أرواحاً.

«بَارٌّ» قَبْلَ الإِبَادَةِ الجَمَاعِيَّةِ

ضمن «المسألة الأرمنيَّة» المعقَّدة والواسعة، جرى تحديدُ أبرز «الأبرار» وإبرازُ شأنهم أساساً في سياق إبادة عام 1915. غير أنَّ مسلمين أعانوا الأرمن أيضاً قبل عام 1915. فعلى سبيل المثال، وُجدت حالاتٌ من هذا القبيل خلال أعمال العنف الجماعي التي وقعت بين عامَي 1894 و1897 في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، كما أثبت معظمُ المؤرِّخين بوضوح.

وبفضل الوثائق الدبلوماسيَّة والدينيَّة الأوروبيَّة المعاصرة لتلك الحقبة، أمكنَ الوقوفُ على وجود «بارّ» محتمل في ولاية ديار بكر. وكانت الشخصيَّةُ المعنيَّةُ زعيمَ قبيلةٍ كرديّاً يُدعى إبراهيم باشا، وقد تميَّز بدورٍ إيجابيٍّ في حماية الأرمن وغيرهم من الجماعات المسيحيَّة في الولاية، في الوقت الذي كانت فيه أعمال العنف الجماعي المذكورة تجتاح الأناضول الشرقيَّة بأسرها. ولكن مَنْ كان إبراهيم باشا على وجه التحديد؟ وبأيِّ طريقة، ولأيِّ سبب، حَمَى مسيحيِّي ولايته؟

أَمِيرُ وِيرَان شَهْر

لنمضِ بالترتيب. كان إبراهيم باشا زعيمًا كرديّاً مهمّاً ونافذاً من قبيلة المِلِّيَّة، التابعة لاتحاد قبائل ميلان، في ولاية ديار بكر. وبوصفه قائداً وفيّاً متفانياً من قادة الفرسان الحميديَّة، كان في أواخر القرن التاسع عشر شخصيَّةً محليَّةً ذات شأن، وكان مقرُّ قيادته في بلدة وِيران شهر، الواقعة في منتصف الطريق بين ماردين وأورفا. وكان إبراهيم باشا شخصيَّةً محليَّةً لافتة؛ فإلى جانب تنازعه على الأرض مع سائر القبائل الكرديَّة والعربيَّة المنافسة في المنطقة، كان دبلوماسيّاً بارعاً، وتربطه علاقات ممتازة بالدبلوماسيِّين والمبشِّرين الأوروبيِّين المقيمين في ولاية ديار بكر في القرن التاسع عشر.

وخلافًا لقادةٍ حميديِّين آخرين اشتهروا، في ولاياتٍ أخرى مثل وان وبدليس وأرضروم، على نحوٍ سلبيٍّ بسبب أعمال العنف الجماعي المأساويَّة ضدَّ الأرمن، حرص إبراهيم باشا، منذ صعوده عام 1890 حتَّى سقوطه عام 1909، على أن ينال المسيحيُّون الحمايةَ والاحتضان في الأراضي الخاضعة لسيطرة قبيلته. وخلال أعمال العنف الجماعي التي ضربت ولاية ديار بكر بين عامَي 1895 و1897، قدَّم إبراهيم باشا المأوى والدعم للأرمن الفارِّين من القرى والمدن التي كان العنف يستعر فيها. وقد غدت مدينة وِيران شهر نفسها، والأراضي المحيطة بها، معروفةً بمئات العائلات الأرمنيَّة — نحو 500 عائلة — التي استقرَّت فيها، فحسَّنت الاقتصادَ العام للمنطقة.

أَصْدِقَاءُ وَأَعْدَاءُ

إلى جانب خصومه من القبائل المنافسة، كان إبراهيم باشا يلقى أيضاً معارضةً من أعيان ديار بكر من الكرد والترك، الذين كانوا يعدُّونه شخصيَّةً مزعجةً لمصالحهم الاقتصاديَّة والسياسيَّة في الولاية. ولا شكَّ في أنَّ هذا النفور كان عائداً أيضاً إلى ميل الزعيم الكردي إلى حماية مسيحيِّي الولاية. وبوصفه صديقاً لنائب القنصل الفرنسي غوستاف ميرييه (Gustave Meyrier)، وللراهب الكبوشي جانباتيستا دا كاستروجيوفاني (Giambattista da Castrogiovanni)، سنحت لإبراهيم باشا، أكثر من مرَّة، فرصةُ استضافتهما في خيمته الخاصَّة، وتناول الطعام في مقرَّيْ إقامتهما في ديار بكر.

وقد وصف الراهبُ الكبوشي إبراهيمَ باشا، في كتاباته، بأنَّه قائدٌ بالغُ البراعة في إدارة العلاقات بين المركز والأطراف، فضلاً عن كونه استراتيجيّاً ممتازاً في ساحة المعركة. وقد مكَّنته هذه المزايا من بسط سيطرته على معظم أفواج الحميديَّة في ولاية ديار بكر، ومن التمتُّع باستقلاليَّة سياسيَّة واقتصاديَّة مهمَّة في الأراضي الواقعة ضمن دائرة نفوذه. ومن المرجَّح أنَّ حضورَه تحديداً هو ما حالَ دون أن تنقضَّ قوات الحميديَّة في ولاية ديار بكر على الأرمن عام 1895؛ بل على العكس، وقعت حالاتٌ، كما في قضاء ماردين مثلاً، مَنَعت فيها هذه القوات قبائلَ أخرى من مواصلة أعمال العنف ضدَّ المسيحيِّين.

تلاشت سلطةُ إبراهيم باشا عام 1909 مع سقوط السلطان عبد الحميد الثاني، الذي كان يعدُّه بمنزلة «ابن» له، ومع صعود حركة تركيا الفتاة. وهذا الزعيم الكردي، الذي وصفت المؤرِّخة جانيت كلاين ‎(Janet Klein)‎ حياته وصفاً وافياً في مؤلَّفها «هوامش الإمبراطوريَّة»‎، يمثِّل بلا ريب شخصيَّةً ذات طابع خاصّ، حافلةً بالتناقضات. وحتَّى اليوم، وعلى الرغم من المادَّة الأرشيفيَّة والدراسات التي أُنجزت حول هذا العالَم القَبَلي الكردي العثماني في القرن التاسع عشر، لا يُعرَف على وجه اليقين ما الدوافع التي كانت وراء حمايته لمسيحيِّي ديار بكر. ويطيبُ لنا أن نتصوَّر أنَّ إبراهيم باشا، على الرغم من الضراوة التي اعتاد أن يسحق بها خصومه، كان يحمل هو الآخر شيئاً من شِيَم أولئك «الأبرار» الكثيرين الذين عرفهم التاريخ، ممَّن جعلوا بعضاً من أحلك لحظات إنسانيَّتنا أقلَّ ظلاماً.

————–

* العنوان الأصلي بالإيطالية:

TURCHIA: Ibrahim Pasa, il principe curdo che proteggeva i cristiani

النشر في: East Journal بتاريخ: 28 تموز/يوليو 2016

​

 


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top