د. جوتيار تمر
اقليم كوردستان 22-7-2026
تعد إدارة الأزمة عبر التشتيت الإعلامي والسياسي إحدى الأدوات التي قد تلجأ إليها النخب الحاكمة حين تتكثف الضغوط حول ملفات الفساد أو سوء الإدارة أو تراجع الخدمات أو اختلال الشرعية، وفي البيئات السياسية الهشة، لا تواجه الأزمة دائما بالمعالجة المباشرة، بل قد تدار عبر نقل مركز الاهتمام إلى ملفات جانبية، أو عبر تضخيم صراعات فرعية، أو من خلال إعادة إنتاج خطاب يخفف من حدة المساءلة العامة؛ وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في السياق العراقي والكوردستاني، حيث تتداخل البنية الحزبية مع تنازع الصلاحيات، وتتعقد علاقة السلطة بالإعلام، وتتعرض الثقة العامة إلى تآكل متكرر نتيجة أزمات الفساد والاقتصاد والتمثيل السياسي.
في الحالة العراقية، تتشابك الأزمة بين فساد إداري ومالي، وضعف مؤسسات الرقابة، وتسييس ملفات العدالة، وتنازع النخب على تعريف الإصلاح، وقد برزت في الفترة الأخيرة حملات اعتقال وتحقيق طالت بعض المتهمين بالفساد، الأمر الذي أعاد الملف إلى الواجهة، لكنه أثار في الوقت نفسه أسئلة حول حدود هذه الحملات ومدى وصولها إلى شبكات النفوذ الأوسع؛ وفي هذا السياق، يمكن قراءة زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى واشنطن بوصفها جزءا من إعادة ترتيب الرسائل الداخلية والخارجية في لحظة ضغط سياسي واقتصادي، إذ رافقها حديث رسمي عن الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، وتوقيع 48 اتفاقا ومذكرة تفاهم مع شركات أمريكية كبرى، مع ما أثارته من انقسام داخلي وانتقادات من أطراف قريبة من إيران، وبهذا المعنى، قد تسهم الزيارة في إعادة توزيع الاهتمام العام إلى جانب أبعادها السياسية والدبلوماسية، بما يجعلها أحد العناصر المؤثرة في تشكيل أولويات النقاش العام، لا بديلا عن جوهر الأزمة.
ولا ينفصل هذا المشهد عن البعد الأمني، إذ إن استهداف الأماكن الحيوية والمنشآت المدنية والمقرات الأمنية في مناطق مختلفة من العراق، بما في ذلك إقليم كوردستان ومحافظات أخرى مثل البصرة، فضلا عن وقوع انفجارات وحوادث أمنية في عدد من المدن، يعمق حالة الارتباك ويعيد ترتيب أولويات الرأي العام من ملفات الفساد والحوكمة إلى ملفات الأمن والاستقرار؛ كما أن هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ، وما تسببه من خسائر بشرية ومادية وتعطيل لبعض المرافق الحيوية، يمكن أن تؤدي، بصرف النظر عن الجهة المنفذة أو أهدافها المباشرة، إلى تحويل اهتمام الرأي العام نحو القضايا الأمنية العاجلة، وهو ما يفرض على الفاعلين السياسيين والإعلاميين التعامل مع الأزمة بوصفها سلسلة متداخلة من الضغوط، لا مجرد ملفات منفصلة.
أما في إقليم كوردستان، فتتخذ الأزمة طابعا أكثر تركيبا بسبب تداخل العوامل الاقتصادية والسياسية. فتأخر الرواتب، وارتفاع أسعار المحروقات، وتعثر تشكيل الحكومة، والجدل حول إعادة الانتخابات، كلها مؤشرات على أزمة بنيوية تتجاوز إدارة الخلاف إلى تعثر إنتاج التوافق السياسي. وفي مثل هذا السياق، يستثمر التشتيت الإعلامي والسياسي لتخفيف ضغط الشارع أو لتأجيل الحسم في القضايا الخلافية، وبدل أن تتركز النقاشات على الحوكمة والشفافية ومصادر التعثر المالي، تتحول الأولويات إلى تبادل اتهامات بين القوى، أو إلى إعادة تدوير المسؤولية بين أربيل والسليمانية في الاقليم،وأربيل وبغداد في العراق، أو إلى إغراق الرأي العام في تفاصيل إجرائية حول إعادة الانتخابات والتحالفات في الاقليم، والتحالف مع امريكا وايران في العراق.
ولا يقتصر التشتيت على الملفات الاقتصادية والسياسية، بل يمتد إلى القضايا الحساسة المرتبطة بالمكونات الدينية والاجتماعية، مثل الإيزيديين والمسيحيين، حيث قد توظف هذه الملفات سياسيا وإعلاميا لتصبح جزءا من صراع الخطاب وتوازنات النفوذ أكثر من كونها مسارات حل للأزمة؛ وهنا تبرز أهمية التمييز بين التفسير البنيوي للأزمات وبين التوصيف الاتهامي؛ فليس كل تأخير أو صراع دليلا على خطة تشتيت مقصودة، كما أن تعدد الأزمات وتشابكها قد يؤدي بذاته إلى تشتيت الاهتمام العام دون وجود استراتيجية مقصودة؛ ومع ذلك، فإن استمرار هذا النمط من إدارة النقاش العام قد يضعف قدرة المجتمع على تركيز الاهتمام على الأسباب البنيوية للأزمة.
يمكن رصد التشتيت الإعلامي والسياسي عبر ثلاث أدوات رئيسة: إعادة ترتيب جدول الاهتمام العام عبر أخبار جانبية أو صراعات متبادلة تزاحم القضية الأصلية، وتجزئة الأزمة بحيث تعالج في مستويات متفرقة مما يمنع تشكل ضغط موحد نحو الإصلاح، وتسييس الخطاب بحيث يستخدم لتبرير التأخير أو لتخفيف المسؤولية أو لتحويل الفشل إلى خصومة مع الآخر؛ ولا تكمن المشكلة في وجود الإعلام أو في تعدد الخطابات السياسية بحد ذاتهما، بل في توظيفهما لتأجيل المساءلة، وعندما تصبح الأزمة مادة للتدوير الإعلامي، فإن النتيجة غالبا هي استنزاف المجتمع في متابعة الضجيج بدل تتبع الأسباب العميقة للفساد أو الإخفاق الإداري.
إن إدارة الأزمة عبر التشتيت الإعلامي والسياسي ليست مجرد تقنية خطابية، بل هي نمط حكم يفضل تأجيل المواجهة على معالجتها، وفي العراق وإقليم كوردستان معا، تبدو هذه الآلية أكثر وضوحا كلما تصاعدت ملفات الفساد وتعثر القرار السياسي وتدهورت المؤشرات المعيشية؛ والقيمة التحليلية لهذا المفهوم تكمن في كشف العلاقة بين السلطة والاهتمام العام، وفي إظهار كيف يمكن للأزمة أن تدار ليس عبر الحل، بل عبر إزاحة مركزها إلى هامش النقاش، ومن هنا تبرز الحاجة إلى دراسات أكثر توثيقا تربط بين بنية الإعلام، وطبيعة النظام الحزبي، وآليات إنتاج الأزمات وتأجيل حسمها، غير أن مواجهة هذه الدينامية لا تقتصر على التحليل، بل تتطلب خطوات عملية، من أبرزها تعزيز استقلالية الإعلام وضمان حريته المهنية بعيدا عن التوظيف السياسي، وتطوير مؤسسات رقابية مستقلة قادرة على متابعة ملفات الفساد بجدية وشفافية، وتوسيع المشاركة المجتمعية في صنع القرار بما يحد من احتكار النخب للسلطة والخطاب؛ كما أن بناء ثقافة مساءلة مستمرة، وتفعيل دور المجتمع المدني والنقابات والجامعات، يمكن أن يشكل رافعة لتجاوز التشتيت وإعادة تركيز الاهتمام على جوهر الأزمة، بذلك، يتحول النقاش من إدارة الأزمة عبر التشتيت إلى إدارة الأزمة عبر الإصلاح، وهو المسار الذي يحتاجه العراق وكوردستان للخروج من دوامة الضغوط المتكررة.











