اشتراكية السوق الصينية بين النظرية الماركسية والتناقضات البنيوية: دراسة نقدية في تطور النموذج وآفاقه

تكبير الصورة

سهيل الزهاوي

مقدمة

أصبحت التجربة الصينية، منذ انطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح سنة 1978، واحدة من أكثر التجارب الاقتصادية والسياسية إثارةً للجدل في الفكر المعاصر. فقد انتقلت الصين، خلال عقود قليلة، من اقتصاد يغلب عليه الطابع الزراعي وانخفاض الإنتاجية إلى قوة صناعية وتكنولوجية كبرى، وأقامت بنية تحتية واسعة، وطورت قدراتها العلمية والإنتاجية، ورفعت مستويات الدخل والتعليم والصحة، وحققت تقدمًا واسعًا في الحد من الفقر. وقد جعلت هذه التحولات من التجربة الصينية موضوعًا لنقاش يتجاوز حدود الصين نفسها، لأنها أعادت طرح أسئلة العلاقة بين الدولة والسوق، والتخطيط والمنافسة، والملكية العامة ورأس المال الخاص، وتطوير القوى المنتجة وتغيير علاقات الإنتاج.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

حافظ الحزب الشيوعي الصيني، في خضم هذه التحولات، على قيادته السياسية، واحتفظت الدولة بالسيطرة على المصارف الكبرى والأرض الحضرية وعدد من القطاعات الاستراتيجية، إلى جانب استمرار الملكية الجماعية للأرض الريفية. كما واصلت استخدام التخطيط والسياسة الصناعية والائتمان الموجَّه لتحديد أولويات التنمية. غير أن هذا التطور لم يتحقق من خلال الملكية العامة والتخطيط وحدهما؛ إذ اقترن بتوسيع دور السوق، وتشجيع الاستثمار الخاص، وجذب رأس المال الأجنبي، والاندماج العميق في الاقتصاد العالمي، وانتشار العمل المأجور والمنافسة والسعي إلى الربح.

ونشأت من هذا المسار بنية اقتصادية واجتماعية مركبة تجمع بين مؤسسات موروثة من مرحلة البناء الاشتراكي وآليات تعمل وفق منطق السوق والتراكم الرأسمالي. ويعبّر مفهوم «اقتصاد السوق الاشتراكي» عن محاولة القيادة الصينية الجمع بين استخدام السوق في تخصيص الموارد وبين استمرار قيادة الحزب وسيطرة الدولة على المفاصل الأساسية للاقتصاد. إلا أن التعريف الرسمي للنظام لا يكفي، في ذاته، لتحديد طبيعته الاجتماعية؛ لأن الحكم على أي نموذج اقتصادي لا يستند إلى تسميته الدستورية أو السياسية وحدها، بل إلى العلاقات الفعلية التي تنظّم الإنتاج والعمل والملكية وتوزيع الفائض والسلطة الاقتصادية.

فوجود السوق لا يعني، بصورة آلية، أن النظام رأسمالي خالص؛ إذ يمكن أن تؤدي السوق وظائف مختلفة باختلاف نمط الإنتاج والمرحلة التاريخية والإطار السياسي الذي تعمل داخله. وفي المقابل، لا تكفي ملكية الدولة ووجود التخطيط وقيادة حزب شيوعي لإثبات أن علاقات الإنتاج أصبحت اشتراكية؛ لأن ملكية الدولة قد تتخذ مضمونًا اجتماعيًا عندما يخضع استخدامها للمصلحة العامة والرقابة المجتمعية، وقد تعمل، في ظروف أخرى، وفق معايير الربحية والمنافسة والتراكم، من دون مشاركة فعلية للمنتجين في إدارتها.

ومن هنا تتمثل الإشكالية المركزية لهذه الدراسة في السؤال الآتي: هل تمثل السوق في التجربة الصينية أداةً خاضعة لاستراتيجية انتقال اشتراكي طويلة الأمد، أم أنها تحولت إلى أساس مستقر لإعادة إنتاج العمل المأجور وتراكم رأس المال والتفاوت الاجتماعي، وإن جرى ذلك داخل إطار سياسي تقوده الدولة والحزب؟

ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالاستناد إلى حجم القطاع العام أو معدلات النمو الصناعي وحدهما، بل تقتضي الإجابة تحليل مجموعة مترابطة من المؤشرات: طبيعة علاقات العمل، ومصادر الفائض الاقتصادي، والجهات التي تستحوذ عليه، والكيفية التي يُعاد بها توزيعه، وموقع العاملين في إدارة المؤسسات، ومدى خضوع رأس المال الخاص للتوجيه الاجتماعي، والجهة المستفيدة من ارتفاع الإنتاجية والتقدم التكنولوجي. كما تقتضي التمييز بين الملكية القانونية لوسائل الإنتاج وبين السيطرة الفعلية عليها، وبين امتلاك الدولة للمؤسسات وبين تحولها إلى ملكية اجتماعية خاضعة لرقابة المنتجين والمجتمع.

وتعتمد الدراسة منظورًا ماركسيًا نقديًا يميز بين تطوير القوى المنتجة وتغيير علاقات الإنتاج. فتطور الصناعة والعلم والتكنولوجيا وارتفاع الإنتاجية يوفر الشروط المادية اللازمة لتحسين حياة الإنسان وتقليص وقت العمل الضروري وتوسيع الخدمات الاجتماعية، لكنه لا يقود تلقائيًا إلى تحقيق هذه الغايات. فقد تُستخدم الإنتاجية المتزايدة في توسيع الأرباح والتراكم والمنافسة، كما يمكن توجيهها إلى رفع الأجور، وتقليص ساعات العمل، وتحسين الخدمات العامة، وتعزيز الأمن الاجتماعي وتوسيع مشاركة المنتجين في القرارات الاقتصادية.

وعلى هذا الأساس، لا يُقاس الاتجاه الاشتراكي بمعدل النمو أو حجم الإنتاج الصناعي وحدهما، بل بالكيفية التي تتحول بها القوة الإنتاجية المتزايدة إلى تحسين فعلي في حياة المنتجين، وإلى سيطرة اجتماعية أوسع على الثروة وشروط العمل. كما لا تُقاس الملكية الاجتماعية بالشكل القانوني للملكية وحده، بل بعلاقة المنتجين الفعلية بوسائل الإنتاج، ومشاركتهم في اتخاذ القرار، ومدى خضوع الدولة والمؤسسات الاقتصادية للرقابة والمساءلة الاجتماعية.

وتستفيد الدراسة من تحليل ماركس للعمل المأجور وفائض القيمة والتراكم، ومن معالجة إنجلز للعلاقة بين ملكية الدولة والتحول الاجتماعي، ومن تحليل لينين لمشكلات المرحلة الانتقالية والسياسة الاقتصادية الجديدة و«رأسمالية الدولة». ولا تُستخدم هذه النصوص بوصفها أحكامًا جاهزة على تجربة تاريخية لم يعرفها أصحابها، وإنما باعتبارها أدوات مفهومية تساعد على تحليل العلاقة بين الدولة والسوق والملكية والعمل والفائض.

وتكتسب تجربة السياسة الاقتصادية الجديدة «النيب» أهميةً خاصة في هذا السياق. فقد لجأ لينين، في أعقاب الحرب الأهلية وانهيار الإنتاج وتعثر الثورة في أوروبا، إلى السماح بالتجارة الخاصة وآليات السوق وبعض أشكال الرأسمالية، مع احتفاظ الدولة السوفيتية بالقطاعات الاقتصادية الأساسية. ولم يعتبر هذه العلاقات اشتراكية في ذاتها، بل تعامل معها بوصفها تنازلًا ضروريًا لإعادة بناء القوى المنتجة وترميم العلاقة بين الصناعة والاقتصاد الفلاحي. ومن هنا تطرح «النيب» سؤالًا ما يزال حاضرًا في التجربة الصينية: إلى أي مدى تستطيع سلطة يقودها حزب شيوعي استخدام السوق ورأس المال لتطوير القوى المنتجة من دون أن تتحول هذه الأدوات إلى قوى اجتماعية مستقلة تعيد تشكيل الدولة والمجتمع وفق مصالحها؟

ومع ذلك، لا تفترض الدراسة وجود تطابق بين «النيب» والإصلاح الصيني. فقد كانت السياسة الاقتصادية الجديدة إجراءً محدود المدة والنطاق، نشأ في مجتمع دمرته الحرب وغلب عليه الإنتاج الفلاحي الصغير، في حين تطور الإصلاح الصيني خلال ما يقارب نصف قرن، داخل دولة كبيرة تمتلك قاعدة صناعية ومؤسسات مركزية مستقرة، واندمجت بعمق في السوق العالمية وسلاسل الإنتاج والتكنولوجيا. ولذلك تُستخدم المقارنة للكشف عن الإشكالية النظرية المشتركة وحدودها، لا لتقديم الإصلاح الصيني بوصفه امتدادًا مباشرًا لتجربة لينين أو تبريره بالاستناد إليها.

تنطلق الدراسة من فرضية أن النموذج الصيني يمثل تكوينًا تاريخيًا مركبًا وتناقضيًا، يجمع بين مؤسسات تتيح إمكان التوجه نحو الاشتراكية وآليات تعيد إنتاج علاقات رأسمالية. فقد مكّنت قيادة الحزب وسيطرة الدولة على المصارف والقطاعات الاستراتيجية واستخدام التخطيط والسياسة الصناعية من توجيه جزء مهم من الموارد نحو التصنيع والبنية التحتية والتكنولوجيا والخدمات الاجتماعية. لكن اتساع القطاع الخاص والعمل المأجور والمنافسة والسوق العقارية أدى، في الوقت نفسه، إلى تركز الثروة وظهور تفاوتات اجتماعية وإقليمية، واستمرار انفصال قطاعات واسعة من العاملين عن القرارات المتعلقة بالإنتاج واستخدام الفائض.

لذلك لا تفترض الدراسة أن الصين أنجزت انتقالها إلى الاشتراكية، كما لا تنطلق من أنها تحولت نهائيًا إلى رأسمالية تقليدية. بل تنظر إلى مسارها بوصفه مجالًا لصراع اتجاهات متعارضة: اتجاه يستخدم السوق والتراكم لتطوير القاعدة الإنتاجية مع المحافظة على قدرة الدولة على توجيه الاقتصاد؛ واتجاه يدفع نحو ترسخ مصالح رأس المال الخاص والإدارة البيروقراطية والمنافسة؛ واتجاه اجتماعي يمكن أن يتعزز من خلال توسيع حقوق العمل، وإعادة توزيع الدخل والثروة، وتطوير الخدمات العامة، وتعميق الرقابة الاجتماعية ومشاركة المنتجين.

وتستخدم الدراسة منهجًا تاريخيًا وتحليليًا نقديًا؛ إذ تتتبع تشكل النموذج الصيني منذ الثورة وبناء الدولة والقاعدة الصناعية، مرورًا بالإصلاح والانفتاح وتوسيع السوق، وصولًا إلى السياسات المرتبطة بالتنمية عالية الجودة و«الرخاء المشترك». كما تحلل المؤسسات السياسية والاقتصادية بوصفها علاقات متداخلة؛ فالمؤسسات العامة تعمل داخل السوق، والقطاع الخاص يستفيد من الائتمان والبنية التحتية العامة، والحكومات المحلية ترتبط بالأرض والعقارات والاستثمار، بينما تؤثر السياسات الاجتماعية في إعادة إنتاج قوة العمل وتوزيع ثمار النمو.

وتستند الدراسة إلى نصوص ماركس وإنجلز ولينين، ووثائق الحزب الشيوعي الصيني والدولة الصينية، والقوانين والبيانات الإحصائية الرسمية، وتقارير المنظمات الدولية، إلى جانب الدراسات المعاصرة المؤيدة والناقدة للنموذج. وتُقرأ المصادر الرسمية بوصفها ضرورية لفهم أهداف الدولة وخطابها وسياساتها، من دون مساواة هذا الخطاب بالواقع الاجتماعي الفعلي. كما لا تُعامل الدراسات الغربية والدولية بوصفها مصادر محايدة تلقائيًا، بل تُفحص مناهجها وافتراضاتها ومواقعها المؤسسية.

وتتكون الدراسة من سبعة فصول. يبحث الفصل الأول موقع السوق والمرحلة الانتقالية في النظرية الماركسية والتجارب الاشتراكية، مع تحليل خاص للسياسة الاقتصادية الجديدة والجدل الذي أعقبها. ويتتبع الفصل الثاني التطور التاريخي للنموذج الصيني من الاقتصاد المخطط إلى الإصلاح والانفتاح وقيام «اقتصاد السوق الاشتراكي». ويحلل الفصل الثالث البنية المؤسسية التي تجمع الحزب والدولة والسوق والملكية العامة والخاصة والمصارف والتخطيط والسياسة الصناعية.

ويتناول الفصل الرابع علاقات العمل وفائض القيمة والتنمية الاجتماعية، بينما يناقش الفصل الخامس الإنجازات التاريخية للنموذج الصيني وحدود قابلية تجربته للتعميم. ويبحث الفصل السادس التحديات البنيوية المتصلة بالاستهلاك والاستثمار والعقارات والديون والتفاوت والديموغرافيا والبيئة والتكنولوجيا والفاعلية المؤسسية. أما الفصل السابع فيتناول السيناريوهات المحتملة لمستقبل النموذج، والمؤشرات التي تسمح بالتمييز بينها، والشروط الضرورية لتجاوز تناقضاته البنيوية.

ولا تهدف الدراسة إلى إصدار حكم أيديولوجي نهائي على التجربة الصينية، بل إلى بناء معيار يمكن بواسطته تحليل اتجاه حركتها. ويتمثل هذا المعيار في العلاقة بين تطوير القوى المنتجة وتحسين حياة المنتجين، وبين ملكية الدولة والرقابة الاجتماعية، وبين ارتفاع الإنتاجية وتقليص وقت العمل، وبين قوة الدولة ومشاركة المجتمع في تحديد أولويات الإنتاج واستخدام الفائض. وعلى هذا الأساس يمكن فهم النموذج الصيني بوصفه عملية تاريخية مفتوحة، تتحدد نتائجها وفق كيفية معالجة تناقضاته، والجهة التي تتحمل تكاليف تطوره، والقوى الاجتماعية التي تمتلك القدرة الفعلية على توجيهه.

الفصل الأول: السوق والمرحلة الانتقالية في النظرية الماركسية والتجارب الاشتراكية

ترتبط مسألة السوق في المرحلة الانتقالية بمشكلة أوسع تتعلق بالشروط المادية للتحول الاشتراكي. فلم ينظر ماركس وإنجلز إلى الاشتراكية بوصفها نظامًا يمكن تأسيسه بمجرد إعلان مبادئ المساواة أو انتقال السلطة السياسية إلى حزب ثوري، بل ربطا إمكان تطورها بتقدم القوى المنتجة، واتساع الطابع الاجتماعي للعمل، وتوافر قاعدة مادية تسمح بتجاوز الفقر والندرة والتنافس القسري على وسائل العيش.

غير أن الثورات الاشتراكية الكبرى في القرن العشرين اندلعت في مجتمعات كانت الزراعة تشكل قاعدة اقتصاداتها، وتعاني ضعف الصناعة ومحدودية الطبقة العاملة الحديثة. وقد أوجد ذلك فجوةً بين الأهداف الاشتراكية للسلطة الجديدة وبين مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي الموروث. ومن هنا برز السؤال الذي يتناوله هذا الفصل: كيف تستطيع سلطة يقودها حزب شيوعي استخدام السوق والملكية الخاصة وبعض أشكال رأس المال لتطوير القوى المنتجة، من دون أن تتحول هذه الأدوات إلى علاقات مستقرة تعيد إنتاج الرأسمالية؟ ويبدأ الفصل ببحث الشروط المادية والعالمية للتحول الاشتراكي عند ماركس وإنجلز، ثم ينتقل إلى تحليل السياسة الاقتصادية الجديدة عند لينين، والجدل السوفيتي اللاحق، وصولًا إلى تحديد أوجه التشابه والاختلاف بين «النيب» والإصلاح الصيني.

أولًا: الشروط المادية والعالمية للتحول الاشتراكي عند ماركس وإنجلز

انطلق ماركس من أن التحولات الاجتماعية الكبرى لا يمكن تفسيرها بتغير الأفكار أو الإرادات السياسية وحدها، بل ينبغي البحث عن جذورها في التناقضات التي تنشأ داخل عملية إنتاج الحياة المادية. فالناس يدخلون، في إنتاجهم الاجتماعي، في علاقات إنتاج محددة تتوافق، خلال مرحلة معينة، مع مستوى تطور قواهم المنتجة. غير أن استمرار تطور هذه القوى قد يضعها في تناقض مع علاقات الإنتاج والملكية القائمة، فتتحول تلك العلاقات من أشكال ساعدت على نمو القوى المنتجة إلى قيود تعرقل تطورها. وعندئذ تتكون الشروط المادية لمرحلة من التحول الاجتماعي.(1)

وفق هذا التصور، لا تظهر الاشتراكية بوصفها مشروعًا أخلاقيًا مجردًا غايته توزيع الثروة أو الفقر بالتساوي، بل بوصفها إمكانًا تاريخيًا ينشأ من تناقضات التطور الرأسمالي نفسه. فقد وسعت الرأسمالية نطاق الإنتاج، وعمّقت تقسيم العمل، وركزت وسائل الإنتاج، وحولت العمل إلى عملية اجتماعية مترابطة، لكنها أبقت ملكية وسائل الإنتاج والاستيلاء على نتائجهما في أيدي مالكي رأس المال. ومن هذا التناقض بين الطابع الاجتماعي المتزايد للإنتاج والطابع الخاص للاستحواذ على نتائجه ينشأ الأساس المادي لتغيير علاقات الإنتاج.

وفي «الأيديولوجية الألمانية» ربط ماركس وإنجلز إمكان تجاوز الملكية الخاصة ببلوغ القوى المنتجة مستوى متقدمًا نسبيًا. فإقامة علاقات اجتماعية جديدة على قاعدة من الندرة العامة والفقر المعمم لا تزيل بالضرورة الصراع حول الحاجات الضرورية، بل قد تعيد إنتاج الانقسام الاجتماعي والسيطرة في صور مختلفة. ولذلك أشارا إلى أن ضعف تطور القوى المنتجة يمكن أن يؤدي إلى تعميم العوز، وعندئذ «يبدأ الصراع القديم من جديد».(2)

ولا يعني هذا التصور اشتراط تحقيق وفرة مطلقة قبل الشروع في أي تحول اشتراكي، ولا القول إن البلدان الأقل تطورًا لا تستطيع أن تبدأ ثورات اجتماعية. فالثورة السياسية قد تبدأ في ظروف مختلفة، وقد تندلع في البلدان التي تتكثف فيها التناقضات الاجتماعية والسياسية، لا في البلدان الأكثر تقدمًا اقتصاديًا بالضرورة. لكن استمرار التحول الاشتراكي وتطوره يحتاجان إلى قاعدة إنتاجية تسمح بتلبية الحاجات الأساسية، وتقليص المنافسة القسرية على وسائل العيش، وتوفير الوقت والموارد الضروريين لمشاركة الأفراد في إدارة المجتمع وتنمية قدراتهم.

ومع ذلك، فإن تطور القوى المنتجة لا يحمل مضمونًا اشتراكيًا في ذاته. فالآلة والعلم والتكنولوجيا يمكن أن تزيد الثروة الاجتماعية والإنتاجية، لكن وظيفتها الاجتماعية تتحدد وفق علاقات الملكية والسلطة التي تنظّم استخدامها. ففي ظل العلاقات الرأسمالية تُستخدم زيادة الإنتاجية أساسًا لخفض كلفة الإنتاج، وزيادة فائض القيمة، وتعزيز تراكم رأس المال والقدرة التنافسية. أما تحويل الإنتاجية المتزايدة إلى وسيلة لتقليص وقت العمل الضروري وتوسيع الحرية الاجتماعية، فيتطلب تغييرًا في علاقات الإنتاج وفي الجهة التي تملك وسائل الإنتاج وتحدد أهداف استخدامها.

وبذلك يمثّل تطور القوى المنتجة شرطًا ضروريًا للتحول الاشتراكي، لكنه ليس شرطًا كافيًا. فالتقدم الصناعي والتقني قد يوسع إمكانات التحرر، لكنه قد يؤدي، في ظل علاقات إنتاج مختلفة، إلى تعميق الاستغلال والتفاوت وتركيز الثروة. ومن ثم، لا تنحصر المسألة في مقدار ما ينتجه المجتمع، بل تشمل كذلك الجهة التي تسيطر على وسائل الإنتاج، والكيفية التي يُستخدم بها الفائض، ومدى مشاركة المنتجين في اتخاذ القرارات المتعلقة بعملهم وحياتهم.

ويرتبط شرط تطور القوى المنتجة بالطابع العالمي الذي اكتسبه الإنتاج الرأسمالي. فقد بيّن ماركس وإنجلز في «البيان الشيوعي» أن البرجوازية لا تستطيع الاستمرار «من دون أن تثوّر باستمرار أدوات الإنتاج»، وأن توسع الرأسمالية أنشأ سوقًا عالمية وربط إنتاج البلدان واستهلاكها بعلاقات متبادلة.(3) ولم يعد في إمكان المجتمعات الصناعية إعادة إنتاج حياتها الاقتصادية بمعزل عن تقسيم العمل الدولي والتجارة وتدفق المواد الأولية وتبادل المعرفة والتكنولوجيا.

وصاغ إنجلز هذا البعد الأممي بصورة واضحة في «مبادئ الشيوعية»، حين رأى أن الصناعة الكبرى أنشأت السوق العالمية وربطت شعوب العالم بعضها ببعض. وفي إجابته عن سؤال إمكان وقوع الثورة في بلد واحد منفرد، توقع أن تندلع الثورة في البلدان المتقدمة بصورة مترابطة، وإن كان تطورها سيتفاوت تبعًا لدرجة التطور الصناعي والاجتماعي في كل بلد.(4)

وقد أثبت التاريخ اللاحق إمكان بدء الثورة سياسيًا في بلد منفرد، كما حدث في روسيا سنة 1917. لكن هذا التطور لا يلغي المشكلة التي أثارها إنجلز بشأن صعوبة استكمال بناء مجتمع اشتراكي في عزلة طويلة عن الاقتصاد العالمي وعن البلدان الأكثر تقدمًا صناعيًا وتقنيًا. فالثورة السياسية يمكن أن تبدأ على الصعيد الوطني، في حين يحتاج تطوير قاعدتها الاقتصادية والاجتماعية إلى موارد ومعرفة وعلاقات إنتاج تتجاوز الحدود القومية.

ومع ذلك، لا يصح تحويل موقف ماركس وإنجلز إلى نظرية خطية جامدة تفترض أن على جميع المجتمعات المرور بالمراحل نفسها التي مرت بها أوروبا الغربية. فقد أدركا أن تفاعل المجتمعات داخل السوق العالمية يمكن أن يفتح أمامها مسارات مختلفة، وأن البلدان الأقل تطورًا قد تستفيد من المنجزات الصناعية والتقنية المتحققة في البلدان المتقدمة بدل أن تعيد إنتاج تاريخها كاملًا.

وظهر هذا الاحتمال بوضوح في موقفهما من المشاع الريفي الروسي، أو «المير»، الذي كان يقوم على شكل من أشكال الملكية الجماعية للأرض. ففي مقدمة الطبعة الروسية الثانية من «البيان الشيوعي»، الصادرة سنة 1882، بحث ماركس وإنجلز إمكان أن يصبح المشاع الروسي نقطة انطلاق لتطور شيوعي، بدل أن يتفكك ويمر بالمسار الرأسمالي الذي عرفته أوروبا الغربية. غير أنهما لم يقدما هذا الاحتمال بوصفه انتقالًا مباشرًا وغير مشروط، بل ربطاه بأن تصبح الثورة الروسية إشارةً لانطلاق ثورة عمالية في الغرب، بحيث تكمل الثورتان إحداهما الأخرى. وعندئذ فقط يمكن للملكية المشاعية الروسية للأرض أن تصبح «نقطة انطلاق لتطور شيوعي». (5)

تكشف هذه الصياغة أن إمكان تجنب المرور الكامل بالتطور الرأسمالي لم يكن قائمًا على الملكية الجماعية للأرض وحدها، بل استند إلى شرطين مترابطين: استمرار العناصر الجماعية داخل المشاع الروسي، واقتران الثورة الروسية بتحول اشتراكي في البلدان الصناعية. فالمشاع، على الرغم من احتفاظه بالملكية الجماعية، لم يكن قادرًا بمفرده على توفير الصناعة والتكنولوجيا والإنتاجية الضرورية لبناء مجتمع حديث يتجاوز الندرة.

غير أن هذا الاحتمال أخذ يضعف مع تسارع اندماج روسيا في السوق العالمية واتساع التمايز الاجتماعي في الريف. فقد أوضح إنجلز في مراسلاته اللاحقة أن المشاع لم يكن قائمًا خارج حركة الاقتصاد، وأن الضرائب والديون والتجارة وتغلغل العلاقات السلعية كانت تقوّض أسسه الجماعية. ولذلك لم يعد استمرار الملكية المشتركة للأرض من الناحية القانونية دليلًا كافيًا على إمكان الانتقال المباشر إلى الاشتراكية.

وفي رسالته إلى فيرا زاسوليتش بتاريخ 23 نيسان/أبريل 1885، أبقى إنجلز على الاحتمال النظري الذي تضمنته مقدمة سنة 1882، لكنه شدد على طابعه المشروط. فإذا اقترنت الثورة الروسية بثورة في أوروبا الغربية، أمكن وضع القوى المنتجة الحديثة في خدمة تطوير المشاع الجماعي. أما إذا ظلت روسيا معزولة واستمر تغلغل السوق والعلاقات السلعية، فإن تفكك المشاع واتجاهها نحو التطور الرأسمالي يصبحان الاحتمال الأقوى. (6)

ولا يعني ذلك أن إنجلز اعتبر المرور بجميع مراحل الرأسمالية الغربية قدرًا محتومًا. لقد ميّز بين إمكان تاريخي وفره استمرار بعض أشكال الملكية الجماعية والارتباط المحتمل بثورة دولية، وبين الاتجاه الفعلي الذي فرضه توسع العلاقات الرأسمالية داخل روسيا. وكلما تأخرت الثورة في البلدان الصناعية وتسارع تفكك المشاع، ضاقت إمكانية الانتقال المباشر وازدادت قوة المسار الرأسمالي.

ويمكن استخلاص ثلاثة مبادئ أساسية من هذه المعالجة. أولها أن استمرار التحول الاشتراكي يحتاج إلى قاعدة مادية متطورة نسبيًا تسمح بتجاوز الفقر والندرة العامة. وثانيها أن الطابع العالمي للإنتاج الرأسمالي يجعل استكمال بناء الاشتراكية في عزلة قومية طويلة أمرًا بالغ الصعوبة. وثالثها أن التاريخ لا يسير وفق تسلسل واحد مغلق؛ إذ يمكن للمجتمعات الأقل تطورًا أن تتجنب تكرار المسار الغربي كاملًا إذا استطاعت الجمع بين عناصرها الجماعية وتطورها الثوري الداخلي وبين استيعاب منجزات القوى المنتجة الحديثة على الصعيد العالمي.

وقد ظهرت هذه المبادئ في صورة معضلة عملية بعد الثورة الروسية. فقد بدأت الثورة في بلد متأخر اقتصاديًا، في حين ربط قادتها استمرار اتجاهها الاشتراكي بامتداد الثورة إلى البلدان الصناعية الأوروبية. وعندما لم يتحقق هذا الامتداد، أصبح السؤال المباشر هو: كيف يمكن تطوير القوى المنتجة، والمحافظة على سلطة الثورة، واستمرار التحالف بين العمال والفلاحين في الوقت نفسه؟ وقد حاول لينين معالجة هذه المعضلة من خلال السياسة الاقتصادية الجديدة.

ثانيًا: لينين والسياسة الاقتصادية الجديدة ــ السوق ورأسمالية الدولة في المرحلة الانتقالية

1. من «الشيوعية الحربية» إلى السياسة الاقتصادية الجديدة

واجهت الثورة الروسية، منذ بدايتها، تناقضًا بين طبيعة السلطة السياسية الجديدة ومستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي ورثته. فقد استولى البلاشفة على السلطة في بلد زراعي متأخر، كانت الطبقة العاملة الصناعية فيه محدودة العدد، بينما شكّل الفلاحون وصغار المنتجين الغالبية الكبرى من السكان. ثم أدت الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية والتدخلات الخارجية إلى تدمير جانب كبير من الصناعة والنقل، وانخفاض الإنتاج الزراعي، وتفكك قنوات التبادل بين المدن والريف.

وفي ظروف الحرب الأهلية طبقت الدولة السوفيتية سياسة عُرفت لاحقًا باسم «الشيوعية الحربية». وشملت تأميم المؤسسات الكبرى، وحظر التجارة الخاصة، والاستيلاء الإجباري على فوائض الحبوب، ومحاولة توزيع السلع مباشرةً من خلال أجهزة الدولة. ولم تكن هذه السياسة تطبيقًا مباشرًا لنموذج اشتراكي مكتمل، بل كانت، في جانب أساسي منها، استجابةً استثنائيةً لحالة الحرب والانهيار الاقتصادي والحاجة إلى إمداد الجيش والمدن بالغذاء.

لكن استمرار المصادرة والإدارة المباشرة للإنتاج والتبادل أدى إلى تفاقم الأزمة. فقد تراجعت حوافز الفلاحين إلى زيادة الإنتاج، واتسعت التجارة غير الرسمية، وانخفض الإنتاج الصناعي، واشتدت المجاعة والاضطرابات في الريف والمدن. كما أصبح التحالف بين العمال والفلاحين، الذي استندت إليه السلطة السوفيتية، مهددًا بالتفكك.

أمام هذه الظروف، قدّم لينين إلى المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الروسي، في 15 آذار/مارس 1921، تقريرًا دعا فيه إلى الاستعاضة عن مصادرة فوائض المحاصيل بضريبة عينية محددة. ولم يعرض المسألة بوصفها إجراءً ماليًا أو تقنيًا فحسب، بل عدّها قضية سياسية تتعلق بالعلاقة بين الدولة والفلاحين وبمستقبل الثورة نفسها. (7)

سمحت الضريبة العينية للفلاح بالتصرف في ما يتبقى من إنتاجه بعد تسديد الضريبة، وهو ما استلزم الاعتراف بالتبادل التجاري والسوق. ومثّل ذلك بداية السياسة الاقتصادية الجديدة، المعروفة بـ«النيب»، التي تراجعت عن محاولة إخضاع معظم الإنتاج والتبادل للإدارة المباشرة للدولة، وسمحت بالتجارة الخاصة وبعض أشكال النشاط الرأسمالي، مع احتفاظ الدولة بالصناعة الكبرى والمصارف والنقل والتجارة الخارجية.

ولم يُخفِ لينين أن هذه السياسة تمثل تراجعًا عن الإجراءات السابقة. لكنه لم يعدّها تخليًا عن الهدف الاشتراكي، بل تغييرًا في وسائل الانتقال فرضه مستوى تطور الاقتصاد الروسي. فبدل محاولة تجاوز السوق والإنتاج السلعي بقرارات إدارية، اتجهت الدولة إلى استخدامهما لإنعاش الإنتاج وإعادة بناء الصلة بين الصناعة والريف، مع السعي إلى إبقاء القطاعات الاقتصادية الأساسية والسلطة السياسية في يدها.

2. «النيب» وإعادة بناء الصلة بالاقتصاد الفلاحي

تمثل الهدف المباشر للسياسة الاقتصادية الجديدة في إعادة بناء العلاقة بين الصناعة التي تسيطر عليها الدولة والاقتصاد الفلاحي الصغير. فلم يكن في إمكان السلطة السوفيتية المحافظة على تحالف العمال والفلاحين إذا عجزت عن تزويد الريف بالسلع الصناعية مقابل المنتجات الزراعية، أو إذا استمرت في الحصول على الحبوب بواسطة المصادرة والقسر.

وأكد لينين، في تقريره السياسي أمام المؤتمر الحادي عشر للحزب سنة 1922، أن المشكلة الأساسية في سياسة «النيب» تتمثل في إقامة الصلة بين الاقتصاد الذي شرعت الدولة السوفيتية في بنائه وبين الاقتصاد الفلاحي الذي تعيش منه غالبية السكان. ولم يكن كافيًا مطالبة الفلاحين بدعم السلطة الجديدة استنادًا إلى أهداف الاشتراكية البعيدة؛ بل كان عليها أن تثبت عمليًا قدرتها على مساعدتهم في الخروج من الفقر والخراب ومواجهة خطر الجوع. (8)

ومن هنا لم تكن عودة التبادل التجاري مجرد تنازل للفلاحين، بل وسيلةً لإعادة تشغيل العلاقة بين الزراعة والصناعة. فالفلاح يحتاج إلى حافز لإنتاج فائض يتجاوز استهلاك أسرته، وإلى سلع صناعية يحصل عليها مقابل منتجاته. وفي غياب هذه الصلة ينكمش الإنتاج الزراعي، وتعجز المدن والصناعة عن الحصول على الغذاء والمواد الأولية، وتفقد الدولة قاعدتها الاجتماعية في الريف.

غير أن السماح للفلاحين ببيع فوائض إنتاجهم كان يعني كذلك توسيع الإنتاج السلعي وإمكان ظهور تفاوتات جديدة داخل الريف. فالفلاح الأكثر امتلاكًا للأرض والأدوات والقدرة على الإنتاج يستطيع أن يراكم المال ويوسع نشاطه ويستخدم العمل المأجور. ولذلك لم ينظر لينين إلى السوق بوصفها آلية محايدة، بل بوصفها مجالًا يجمع بين إنعاش الإنتاج ونمو عناصر رأسمالية جديدة.

كانت «النيب»، بهذا المعنى، محاولةً لمعالجة تناقض فعلي: لم يكن من الممكن إلغاء الإنتاج الفلاحي الصغير والتبادل السلعي بقرار سياسي، كما لم يكن ممكنًا ترك السوق تتطور من دون رقابة، لما تولده من تفاوت وتراكم خاص. ولذلك سعت الدولة إلى استخدام السوق في إعادة بناء الاقتصاد، مع المحافظة على قدرتها على تحديد اتجاه التطور العام.

3. الاعتراف بنقص الخبرة الاقتصادية والإدارية

لم ينطلق لينين من الاعتقاد بأن انتقال السلطة إلى الحزب الشيوعي وتأميم المؤسسات يمنحان الكوادر الثورية، بصورة تلقائية، القدرة على إدارة اقتصاد واسع ومعقد. فقد ميّز بين الاستيلاء السياسي على السلطة وبين امتلاك المعرفة التنظيمية والتجارية والتقنية اللازمة لإدارة المؤسسات وربط الصناعة بالريف.

وفي تقريره أمام المؤتمر الحادي عشر أقر بأن الشيوعي المخلص، مهما بلغت خبرته الثورية وقدرته على التضحية، قد لا يعرف كيفية إدارة التجارة والمؤسسات الاقتصادية. وعبّر عن ذلك بقوله:

«الشيوعي المسؤول ــ الأفضل، الصادق الواضح، والمخلص الذي تحمّل الأشغال الشاقة ولم يخف من الموت ــ لا يعرف كيف يتاجر؛ لأنه ليس رجل أعمال، ولم يدرس هذا، ولا يريد أن يتعلم، ولا يفهم أن عليه أن يتعلم من الأساسيات».

وأضاف أنه:

«يجب عليه أن يتعلم من موظف عادي عمل في المستودع لمدة عشر سنوات ويعرف تسيير الأمور». (9)

تكشف هذه العبارات عن نقد واضح للاعتقاد بأن الالتزام الثوري يمكن أن يحل محل الخبرة الاقتصادية. فالقدرة على قيادة الثورة أو مواجهة الحرب لا تعني، بذاتها، القدرة على إدارة الإنتاج والتوزيع والحساب التجاري. وقد رأى لينين أن استمرار الدولة السوفيتية يتوقف على انتقالها من إصدار المراسيم والشعارات إلى تقديم نتائج اقتصادية ملموسة للعمال والفلاحين.

ولم تكن الدعوة إلى التعلم من التجار والخبراء والرأسماليين اعترافًا بتفوق الرأسمالية بوصفها نظامًا اجتماعيًا، بل كانت إقرارًا بضرورة الاستفادة من المعرفة والخبرة المتراكمة داخل المجتمع القديم. غير أن استخدام هذه الخبرة يطرح مشكلة السيطرة عليها: هل تستطيع الدولة الانتقالية إخضاع المديرين والخبراء والتجار لأهدافها، أم تصبح هي نفسها معتمدة عليهم وعلى طرق تفكيرهم ومصالحهم؟

وبذلك لم تعد المسألة متعلقة بالملكية القانونية وحدها. فقد تكون المؤسسة مملوكة للدولة، بينما يحتكر المديرون والخبراء والجهاز الإداري المعلومات والقرار الفعلي. وفي هذه الحالة لا تعني ملكية الدولة بالضرورة تحقق السيطرة الاجتماعية على الإنتاج، ولا تضمن توجيه المؤسسة نحو حاجات المنتجين والمجتمع.

4. مفهوم رأسمالية الدولة عند لينين

استخدم لينين مفهوم «رأسمالية الدولة» لتفسير بعض الأشكال الاقتصادية التي سمحت بها «النيب». لكنه شدد على أن رأسمالية الدولة داخل النظام السوفيتي تختلف عن رأسمالية الدولة في المجتمع الرأسمالي. ففي الحالة الأخيرة تعمل الدولة داخل نظام تسيطر عليه الملكية الخاصة وتراكم رأس المال، أما في الحالة السوفيتية فقد افترض لينين أن السلطة السياسية الجديدة تستطيع تحديد مجال عمل رأس المال وإخضاعه لأهداف المرحلة الانتقالية.

ولم يعتبر لينين رأسمالية الدولة صيغةً اشتراكية مكتملة، بل شكلًا انتقاليًا يظهر في مجتمع خرج من النظام القديم، لكنه لم يتمكن بعد من بناء علاقات اشتراكية متطورة. وتتحدد وظيفة هذا الشكل، وفق تصوره، بطبيعة السلطة المسيطرة على الدولة، وبقدرتها الفعلية على وضع الحدود لنشاط رأس المال وتوجيهه. (10)

وفي هذا السياق كتب:

«إن رأسمالية الدولة إنما هي تلك الرأسمالية التي يترتب علينا أن نضعها ضمن نطاق معين، والتي لا نعرف حتى الآن كيف نضعها ضمن هذا النطاق. هنا المشكلة كلها».

ثم أضاف:

«وعلينا نحن يتوقف الآن الشكل الذي ستتخذه رأسمالية الدولة هذه. فإن السلطة السياسية عندنا كافية، كافية تمامًا، والوسائل الاقتصادية الموجودة في حوزتنا كافية أيضًا، ولكن ما لا يكفي هو معرفة طليعة الطبقة العاملة […] لكي تحدد الحدود، ولكي تحدد موقعها، ولكي تُخضع بنفسها لا أن تكون خاضعة». (11)

تكشف هذه الصياغة أن لينين لم يعتبر إخضاع رأس المال أمرًا متحققًا بمجرد امتلاك الدولة للسلطة السياسية أو إعلان نيتها في تنظيم العلاقات الرأسمالية. فقد كانت السلطة السوفيتية تمتلك أدوات سياسية واقتصادية مهمة، لكنها لم تكن تمتلك، بالدرجة نفسها، الخبرة الإدارية والثقافية والتنظيمية اللازمة لاستخدامها بفاعلية.

ومن هنا يطرح تحليل لينين سؤالًا يتجاوز الظروف الروسية: هل تستطيع الدولة تحديد نطاق العلاقات الرأسمالية وإخضاعها لأهداف اجتماعية، أم تتمكن المصالح والخبرات المرتبطة بهذه العلاقات من التأثير تدريجيًا في جهاز الدولة وإخضاعه لمنطقها؟ فامتلاك المؤسسات والمصارف لا يكفي إذا كانت الإدارة الفعلية وقرارات الاستثمار والإنتاج خاضعةً لقوى لا يراقبها المنتجون والمجتمع.

ويتضمن ذلك تمييزًا بين مستويين: الملكية والسلطة القانونية من جهة، والإدارة والسيطرة الفعلية من جهة أخرى. وقد تكون المؤسسة مملوكة للدولة، لكنها تعمل وفق معيار الربحية والمنافسة، بينما يبقى العاملون بعيدين عن تحديد أهدافها واستخدام فائضها. ولذلك تمثل ملكية الدولة إمكانًا للسيطرة الاجتماعية، لكنها لا تثبت تحقق هذه السيطرة تلقائيًا.

5. السوق بوصفها مجالًا للصراع بين اتجاهين اجتماعيين

لم ينظر لينين إلى تعايش القطاع العام ورأس المال الخاص بوصفه حالة انسجام مستقرة، بل بوصفه صراعًا حول الجهة القادرة على ربط الصناعة بالريف وتنظيم التبادل. فالتاجر والرأسمالي يسعيان إلى إقامة هذه الصلة من أجل تحقيق الربح وتراكم الثروة، بينما كان على الدولة السوفيتية، وفق تصور لينين، أن تقيمها من أجل إنعاش الإنتاج وتعزيز القاعدة الاقتصادية للسلطة الجديدة.

وأعلن لينين أمام المؤتمر الحادي عشر انتهاء مرحلة التراجع الأساسي وانتقال المهمة إلى تنظيم العمل والمنافسة الاقتصادية، فقال:

«انتهى التراجع، ورُسمت الأساليب الرئيسية للعمل مع الرأسماليين. وهناك نماذج، وإن بعدد تافه».

وأضاف:

«وكفّتكم راجحة على كفّة الرأسماليين؛ لأن سلطة الدولة في أيديكم، ولأن في حوزتكم جملة كاملة من الوسائل الاقتصادية، إلا أنكم لا تعرفون كيف تستعملونها». (12)

لم يكن امتلاك السلطة السياسية، إذن، ضمانًا كافيًا للتفوق في المجال الاقتصادي. فقد تستطيع المؤسسة الخاصة توفير السلع وربط المنتجين بالمستهلكين بكفاءة أكبر، في حين تفشل المؤسسة العامة بسبب البيروقراطية وضعف الإدارة وانفصالها عن الحاجات الفعلية. ولذلك رأى لينين أن بقاء السلطة السوفيتية يتوقف على قدرتها على إثبات فاعليتها الاقتصادية والاجتماعية، لا على تفوقها السياسي والعسكري وحده.

كما أدرك أن «النيب» يمكن أن تفتح الطريق أمام تحول داخلي في طبيعة الدولة. فقد ناقش رأي تيار «سمينا فيخ»، الذي نشأ بين بعض المهاجرين الروس، ورأى أصحابه أن السياسة الجديدة لن تبقى مجرد إجراء تكتيكي، بل قد تقود، من خلال تطورها الداخلي، إلى تحول الدولة السوفيتية إلى دولة برجوازية عادية. ولم يرفض لينين هذا الاحتمال بوصفه مستحيلًا، بل أقر بإمكان حدوثه وعدّه خطرًا حقيقيًا ينبغي مواجهته. (13)

ويعني ذلك أن قيادة الحزب الشيوعي لا توفر، في ذاتها، ضمانةً تاريخيةً مطلقة لاستمرار الاتجاه الاشتراكي. فالحزب يعمل داخل مجتمع تنتج فيه السوق مصالح وتفاوتات وضغوطًا جديدة، وقد يتعرض جهاز الدولة لتأثير المديرين والبيروقراطيين وأصحاب المصالح الخاصة. ومن هنا اكتسب سؤال «من يغلب؟» أهميةً مركزية: هل تتمكن السلطة الجديدة من إخضاع العلاقات الرأسمالية لأهدافها، أم تتحول هذه العلاقات تدريجيًا إلى قوة تؤثر في الدولة وتعيد توجيهها؟

6. حدود «النيب» ودلالتها النظرية

لا يصح اختزال «النيب» في عودة بسيطة إلى الرأسمالية؛ لأنها جرت داخل دولة احتفظت بالسلطة السياسية وبالسيطرة على الصناعة الكبرى والمصارف والنقل والتجارة الخارجية. وفي المقابل، لا يصح اعتبارها سياسةً اشتراكيةً في ذاتها؛ لأنها وسعت التجارة الخاصة والإنتاج السلعي وإمكانات تراكم رأس المال وظهور التفاوتات الاجتماعية.

كانت «النيب» محاولةً لإدارة اقتصاد مختلط في مرحلة انتقالية: قطاع عام يسيطر على المرتكزات الأساسية، وإنتاج فلاحي صغير، وتجارة خاصة، وتعاونيات، وامتيازات لرأس المال، ومؤسسات عامة تستخدم الحساب التجاري. وقد تصور لينين إمكان استخدام هذه العناصر لإعادة بناء القوى المنتجة، مع إخضاعها لاتجاه اشتراكي تقوده السلطة السياسية.

لكن لينين لم يقدم ضمانًا نظريًا لنجاح هذه السياسة، ولم يحدد لها مدةً ثابتة. فقد توفي سنة 1924 قبل أن تتضح نتائجها الطويلة الأجل. ولذلك ينبغي الحذر من تحويل كتاباته، المرتبطة بأزمة تاريخية محددة، إلى نظرية عامة تبرر أي استخدام ممتد للسوق تحت قيادة حزب شيوعي.

وتتمثل الدلالة الأساسية لـ«النيب» في أنها أثبتت إمكان استخدام السوق وبعض العلاقات الرأسمالية في مرحلة انتقالية، لكنها بينت، في الوقت نفسه، أن هذا الاستخدام يعيد إنتاج مصالح خاصة وتفاوتات وقوى اجتماعية مرتبطة بالسوق. ويتوقف اتجاه العملية على قدرة الدولة والمنتجين والمجتمع على إخضاع هذه القوى، وعلى الجهة التي تسيطر على الفائض وتحدد استخدامه، لا على الاسم السياسي للدولة أو الشكل القانوني للملكية وحدهما.

وبذلك لم تحسم «النيب» التناقض بين الحاجة إلى تطوير القوى المنتجة والمحافظة على الاتجاه الاشتراكي، بل نقلته إلى مستوى جديد. وبعد وفاة لينين احتدم الجدل حول مستقبل السوق والقطاع الخاص، وسرعة التصنيع، والعلاقة بين الصناعة والزراعة، وإمكان بناء الاشتراكية في بلد متأخر ومحاط بدول رأسمالية أكثر تقدمًا

ثالثًا: الجدل بعد لينين وحدود بناء الاشتراكية في بلد واحد

لم تحسم السياسة الاقتصادية الجديدة التناقض بين الحاجة إلى تطوير القوى المنتجة والمحافظة على الاتجاه الاشتراكي للثورة. فبعد وفاة لينين سنة 1924 احتدم الجدل داخل الحزب الشيوعي السوفيتي حول مستقبل «النيب»، والعلاقة بين الصناعة والزراعة، وسرعة التصنيع، وموقع السوق والقطاع الخاص، وإمكان بناء الاشتراكية في بلد متأخر ومحاط بدول رأسمالية أكثر تقدمًا.

ولم يكن الخلاف متعلقًا بالمفاضلة بين السوق والتخطيط وحدهما، بل شمل طبيعة الثورة وعلاقتها بمحيطها الدولي. فقد بدأت ثورة أكتوبر في بلد متأخر اقتصاديًا، في حين كان قادتها يتوقعون أن يشكل انتصارها بدايةً لثورات عمالية في البلدان الأوروبية الصناعية، ولا سيما ألمانيا. لكن إخفاق تلك الثورات واستمرار عزلة الدولة السوفيتية جعلا بناء الاقتصاد الجديد بالاعتماد على الموارد الداخلية مسألةً ملحة.

1. تروتسكي والثورة الدائمة

انطلق تروتسكي من أن التفاوت في التطور العالمي قد يسمح بانتصار الثورة في بلد متأخر قبل انتصارها في البلدان الصناعية. لكنه رأى أن استمرار هذه الثورة وتطورها نحو الاشتراكية يعتمدان على امتدادها إلى المستوى الدولي؛ لأن استيلاء الطبقة العاملة على السلطة في بلد واحد لا يلغي اعتماد اقتصاده على القوى المنتجة والتكنولوجيا وتقسيم العمل العالمي.

وقد لخّص تروتسكي هذا الجانب من نظريته بقوله:

«تبدأ الثورة الاشتراكية على الصعيد القومي، وتتطور على الصعيد الدولي، وتكتمل على الصعيد العالمي».(14)

ولم يكن المقصود استحالة البدء ببناء مؤسسات وعلاقات اقتصادية جديدة داخل الاتحاد السوفيتي، بل استحالة الوصول إلى مجتمع اشتراكي مكتمل ومكتفٍ بذاته داخل اقتصاد قومي معزول. ولذلك حذر تروتسكي والمعارضة اليسارية من أن استمرار العزلة، وضعف الطبقة العاملة بعد الحرب الأهلية، واتساع الجهاز الإداري، ونمو التفاوت في ظل «النيب» يمكن أن تؤدي مجتمعةً إلى تعزيز البيروقراطية وإضعاف الديمقراطية العمالية.

ولا يصح اختزال موقف تروتسكي في القول إن السوق ستؤدي، بصورة حتمية، إلى استعادة الرأسمالية. فقد ركز تحليله على تفاعل مجموعة من العوامل: التأخر الاقتصادي، والعزلة الدولية، وضعف الطبقة العاملة، وتوسع البيروقراطية، واختلال العلاقة بين الصناعة والزراعة، ونمو المصالح الخاصة داخل اقتصاد «النيب». وكانت المشكلة عنده سياسية واجتماعية ودولية، لا اقتصادية محضة.

ومع ذلك، لم تقدم نظرية الثورة الدائمة حلًا عمليًا مباشرًا لمعضلة الدولة السوفيتية بعد تعثر الثورة في أوروبا. فلم يكن في إمكانها تأجيل إعادة بناء الاقتصاد أو التصنيع انتظارًا لثورات جديدة. ومن هنا اكتسب الجدل حول إمكان بناء الاشتراكية داخل الاتحاد السوفيتي أهميةً سياسيةً وعملية، إلى جانب طابعه النظري.

2. ستالين ونظرية الاشتراكية في بلد واحد

بلور ستالين، منذ منتصف عشرينيات القرن العشرين، نظرية «الاشتراكية في بلد واحد». وقد ميّز بين إمكان بناء المجتمع الاشتراكي داخل الاتحاد السوفيتي وبين ضمان الانتصار النهائي على خطر التدخل الخارجي وإعادة الرأسمالية؛ إذ ظل الانتصار النهائي، في نظره، مرتبطًا بامتداد الثورة إلى بلدان أخرى.

وكتب ستالين:

«بعد أن توطد البروليتاريا المنتصرة سلطتها، وتقود الفلاحين وراءها، فإنها تستطيع، بل يجب عليها، أن تبني المجتمع الاشتراكي». (15)

ورأى أن الاتحاد السوفيتي يمتلك الشروط الداخلية الضرورية لبناء الاشتراكية، مع بقاء الخطر الخارجي الناتج من وجود دول رأسمالية قوية. وبذلك رفض الاعتقاد بأن تأخر الثورة العالمية يحكم على البناء الداخلي بالفشل، وعدّ انتظار الثورة الأوروبية موقفًا من شأنه إضعاف مهمة إعادة البناء والتصنيع وتثبيت النظام الجديد.

استجابت هذه النظرية إلى حاجة سياسية وعملية حقيقية؛ إذ لم يكن في إمكان الدولة السوفيتية تعليق تطوير اقتصادها على انتصار ثورات لم تقع. لكنها نقلت مركز الثقل من الترابط بين الثورة الروسية والتحول الاشتراكي العالمي إلى تعبئة الموارد الداخلية وبناء قاعدة صناعية وطنية قادرة على حماية الدولة ومواجهة الضغوط الخارجية.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين إمكان بناء قاعدة صناعية ومؤسسات عامة داخل بلد واحد وبين اكتمال المجتمع الاشتراكي في عزلة دولية. فقد تمكن الاتحاد السوفيتي من تحقيق تصنيع واسع والمحافظة على دولته، لكن ذلك لا يعني أن التناقضات المتعلقة بالبيروقراطية ومشاركة المنتجين وتوزيع السلطة والفائض قد حُلّت تلقائيًا.

3. التخلي عن «النيب» والتصنيع المتسارع

في نهاية عشرينيات القرن العشرين تخلت القيادة السوفيتية عن السياسة الاقتصادية الجديدة، واتجهت إلى التصنيع السريع والتخطيط المركزي والتجميع الزراعي. وجاء هذا التحول في سياق أزمة توريد الحبوب، وخشية القيادة من اعتماد المدن والصناعة على المنتجين الفلاحيين العاملين للسوق، والرغبة في تمويل الصناعة الثقيلة خلال مدة قصيرة.

مثلت الخطة الخمسية الأولى، التي بدأ تنفيذها سنة 1928، انتقالًا من الاقتصاد المختلط الذي ميّز «النيب» إلى اقتصاد تخضع فيه غالبية وسائل الإنتاج والاستثمار والتوزيع لقرارات الدولة المركزية. وفي الريف فُرض التجميع الزراعي، وتراجعت الملكية الفلاحية الفردية، بينما وجهت الدولة جانبًا كبيرًا من الموارد نحو الصناعة الثقيلة والطاقة والنقل والتسلح.

حقق هذا المسار تحولًا صناعيًا واسعًا خلال مدة تاريخية قصيرة، وأنشأ قاعدة إنتاجية أدت لاحقًا دورًا حاسمًا في قدرة الاتحاد السوفيتي على مواجهة الغزو النازي. لكنه اقترن أيضًا باستخدام القسر في الريف، واضطراب الإنتاج الزراعي، ووقوع مجاعات واسعة، وانخفاض الاستهلاك، واتساع جهاز إداري مركزي احتكر جانبًا كبيرًا من المعلومات والقرار. (16)

ولا يمكن تفسير هذا التحول بوصفه نتيجةً آليةً لنظرية «الاشتراكية في بلد واحد»، كما لا يمكن فصله عن التأخر الاقتصادي والعزلة والتهديدات الخارجية. (17)  غير أن التجربة تكشف أن تعبئة الموارد بواسطة التخطيط المركزي يمكن أن تحقق نتائج صناعية كبيرة، من دون أن تقود بالضرورة إلى توسيع سيطرة المنتجين على العمل والإنتاج.

فالتصنيع، على الرغم من ضرورته لتطوير القاعدة المادية، لا يحدد وحده الطبيعة الاجتماعية للنظام. ويتوقف مضمونه على الجهة التي تحدد أولوياته، والكيفية التي تُجمع بها موارده، والفئات التي تتحمل تكاليفه، وطريقة توزيع ثماره، ومدى مشاركة العاملين والمجتمع في اتخاذ القرار.

4. ملكية الدولة وحدود التحول الاجتماعي

ألغى النموذج السوفيتي معظم الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، ووسع التخطيط المركزي، لكنه لم يُلغِ التفاوت بين من يتخذ القرار ومن ينفذه. فقد تركزت سلطة تحديد أهداف الإنتاج والاستثمار والتوزيع داخل جهاز الحزب والدولة، بينما تقلصت قدرة العمال والفلاحين على التأثير المباشر في هذه القرارات.

وهنا تظهر ضرورة التمييز بين ملكية الدولة والملكية الاجتماعية الفعلية. فانتقال وسائل الإنتاج من الرأسمالي الفرد إلى جهاز الدولة يلغي شكلًا أساسيًا من أشكال الملكية الخاصة، لكنه لا يضمن وحده أن يصبح المنتجون أصحاب القرار في العملية الاقتصادية. فقد تتحول إدارة الدولة إلى جهاز مستقل نسبيًا يحتكر المعلومات ويحدد الأولويات ويوزع الفائض من أعلى، من دون رقابة فعالة من العاملين والمجتمع.

ولا يعني ذلك مساواة المؤسسة العامة بالمؤسسة الرأسمالية الخاصة. فالمؤسسة العامة لا تعمل لمصلحة مالك خاص، ويمكن توجيه فائضها إلى التصنيع والبنية التحتية والتعليم والصحة والخدمات العامة. كما تتيح الملكية العامة إمكان التخطيط طويل الأمد وتوجيه الموارد نحو أهداف لا تحقق ربحًا سريعًا.

لكن المضمون الاشتراكي للملكية العامة يتوقف على طريقة إدارتها، ووجهة فائضها، وحقوق العاملين فيها، ومدى مشاركة المجتمع في تحديد أهدافها ومحاسبة القائمين عليها. ولذلك تمثل ملكية الدولة شرطًا مؤسسيًا مهمًا للتحول الاجتماعي، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تحقق الملكية الاجتماعية.

وأظهرت التجربة السوفيتية أن التخطيط يستطيع تعبئة الموارد وتحقيق أهداف صناعية كبرى، لكنه يواجه مشكلات متزايدة عندما تتركز المعلومات والقرارات داخل أجهزة إدارية واسعة. فقد تميل المؤسسات إلى تقديم بيانات تتوافق مع أهداف الخطة حتى عندما لا تعكس الواقع، وقد تتحول المؤشرات الكمية إلى غايات مستقلة، بينما تتراجع الجودة والحاجات الاستهلاكية والمبادرة المحلية.

ولهذا لا يمكن تفسير المشكلات التي واجهها الاقتصاد السوفيتي بالتخطيط في ذاته، بل بالشكل المؤسسي الذي اتخذه: مركزية القرار، وضعف قنوات النقد والمساءلة، ومحدودية مشاركة المنتجين، وصعوبة تصحيح الأخطاء عندما يصبح الاعتراف بها مصدرًا للمساءلة السياسية أو الإدارية.

5. السوق والخطة: تجاوز التقابل المبسّط

تكشف التجربة السوفيتية أن السوق والتخطيط لا يشكلان، بمفردهما، معيارًا كافيًا للحكم على الطبيعة الاشتراكية للنظام. فقد تعمل السوق تحت سلطة دولة تقودها قوة ثورية، لكنها تظل قادرةً على إعادة إنتاج التفاوت والمنافسة ورأس المال الخاص. وفي المقابل، قد تُلغى السوق وتتوسع ملكية الدولة، من دون أن تنتقل السيطرة الفعلية على الإنتاج إلى العاملين والمجتمع.

ومن ثم، لا يتمثل الاختيار النظري في المفاضلة المجردة بين السوق والخطة، بل في تحديد العلاقات الاجتماعية التي تعمل كل منهما داخلها. ويقتضي ذلك البحث في مجموعة من الأسئلة: من يملك وسائل الإنتاج؟ ومن يديرها فعليًا؟ ومن ينتج الفائض ويقرر استخدامه؟ وما موقع العاملين في اتخاذ القرار؟ وهل تتحول زيادة الإنتاجية إلى تحسين شروط الحياة وتقليص وقت العمل، أم تُستخدم أساسًا لزيادة التراكم وتعزيز قوة الدولة؟

ولا يعني ذلك أن السوق والتخطيط أداتان محايدتان تمامًا. فالسوق توسع نطاق المنافسة وتخضع المؤسسات لضغوط الربح، وقد تعيد إنتاج الملكية الخاصة والعمل المأجور والتفاوت. أما التخطيط فيتيح توجيه الموارد وفق أهداف اجتماعية بعيدة المدى، لكنه قد يتحول، في غياب المشاركة والرقابة، إلى إدارة بيروقراطية مركزية.

وبذلك تتحدد وظيفة السوق والخطة وفق بنية الملكية والسلطة والرقابة الاجتماعية التي تنظمهما. فالخطة لا تصبح اشتراكية لمجرد صدورها عن الدولة، والسوق لا تؤدي وظيفة انتقالية لمجرد خضوعها لإشراف حزب شيوعي. ويتمثل المعيار في اتجاه تطور العلاقات الاجتماعية نفسها: هل تتوسع مشاركة المنتجين والسيطرة الاجتماعية على الفائض، أم تترسخ سلطة رأس المال الخاص أو الجهاز الإداري المنفصل عن المجتمع؟

وتفيد هذه النتيجة في تحليل النموذج الصيني؛ لأنها تحول دون مساواة الاشتراكية بإلغاء السوق، كما تمنع مساواتها بملكية الدولة وحدها. لكنها لا تقدم حكمًا جاهزًا على الصين، بل تضع معايير ينبغي تطبيقها على بنيتها الفعلية، وهو ما تتناوله المقارنة بين «النيب» والإصلاح الصيني في القسم التالي.

رابعًا: من «النيب» إلى الإصلاح الصيني ــ أوجه التشابه وحدود المقارنة

تستدعي دراسة الإصلاحات الصينية التي بدأت سنة 1978 مقارنتها بالسياسة الاقتصادية الجديدة التي اعتمدها لينين سنة 1921. ففي التجربتين سمحت سلطة يقودها حزب شيوعي باستخدام السوق والتجارة الخاصة وبعض أشكال رأس المال، مع احتفاظ الدولة بالسيطرة على قطاعات اقتصادية أساسية. لكن هذا التشابه لا يجعل الإصلاح الصيني امتدادًا مباشرًا لـ«النيب»؛ لأن السياق التاريخي ومدة الإصلاح ونطاق السوق ودرجة الاندماج في الاقتصاد العالمي تختلف اختلافًا جوهريًا بين التجربتين.

ولا تهدف المقارنة إلى تبرير النموذج الصيني بالاستناد إلى لينين، بل إلى استخدام تجربة «النيب» في طرح سؤال أكثر دقة: تحت أي شروط يمكن استخدام السوق ورأس المال لتطوير القوى المنتجة، من دون أن تتحول العلاقات الرأسمالية إلى بنية مستقرة تعيد تشكيل الدولة والمجتمع وفق مصالحها؟

1. الشروط المادية للمرحلة الانتقالية

ينطلق التبرير النظري المشترك بين التجربتين من أن العلاقات الاجتماعية الجديدة لا تستطيع تجاوز الشروط الاقتصادية والثقافية الموروثة بمجرد صدور قرار سياسي. وقد أشار ماركس، في تمييزه بين المرحلتين الأولى والعليا من المجتمع الشيوعي، إلى استمرار آثار المجتمع القديم في المرحلة الأولى، فكتب:

«بيد أن هذه العيوب لا مفر منها في المرحلة الأولى من المجتمع الشيوعي، كما تكون حاله حين ينبثق بعد مخاض مديد من المجتمع الرأسمالي. إن الحق لا يمكن أن يكون قط أعلى من بنية المجتمع الاقتصادية وما يترتب عنها من تطور ثقافي».(18)

يتعلق هذا النص، بصورة مباشرة، بحدود الحق والتوزيع في المرحلة الأولى من المجتمع الشيوعي، ولا ينص على ضرورة استمرار السوق أو الملكية الخاصة. لكنه يؤكد أن المجتمع الجديد لا يستطيع تطبيق أشكال متقدمة من التوزيع والتنظيم تتجاوز مستوى قاعدته الإنتاجية والثقافية.

وتستند النظرية الصينية عن «المرحلة الأولية للاشتراكية» إلى منطق قريب من هذا التصور؛ إذ ترى أن انخفاض مستوى القوى المنتجة الذي ورثته الصين يفرض مرحلة تاريخية طويلة من التطوير الاقتصادي، يمكن خلالها استخدام السوق والملكية الخاصة والاستثمار الأجنبي. غير أن التشابه في المنطلق العام لا يعني أن مفهوم المرحلة الأولية مشتق مباشرةً من نص ماركس، كما لا يثبت صحة كل سياسة تطبق باسم هذه المرحلة.

فالمسألة لا تتعلق بوجود مرحلة انتقالية فحسب، بل باتجاه حركتها. ويجب، لذلك، فحص ما إذا كانت السوق تؤدي وظيفةً انتقاليةً فعليةً في تطوير القوى المنتجة وإعداد شروط توسيع الملكية الاجتماعية، أم تتحول إلى علاقة دائمة تعيد إنتاج العمل المأجور والتفاوت وتراكم رأس المال الخاص. ولا تُقاس الطبيعة الانتقالية للمرحلة بطولها أو تسميتها الرسمية، بل بمدى إعدادها الشروط الضرورية لتجاوز العلاقات التي قُدّمت بوصفها مؤقتة.

2.«النيب»: السوق بوصفها تراجعًا منظمًا

اعتمد لينين السياسة الاقتصادية الجديدة بعدما كشفت «الشيوعية الحربية» عجز الدولة عن تنظيم العلاقة بين الصناعة والاقتصاد الفلاحي الصغير بواسطة المصادرة والأوامر الإدارية وحدها. وقد سمحت «النيب» للفلاحين ببيع فائض إنتاجهم بعد دفع الضريبة العينية، وأعادت التجارة الخاصة وبعض المؤسسات الصغيرة، وفتحت مجالًا محدودًا أمام رأس المال المحلي والأجنبي.

لم يعتبر لينين هذه العلاقات اشتراكية في ذاتها، بل أقر بأن حرية التجارة تؤدي إلى نمو الرأسمالية، (19) ولا سيما في مجتمع يضم ملايين المنتجين الصغار. وكتب في «عن الضريبة العينية» أن «حرية التجارة هي الرأسمالية». ولم تتمثل المهمة، في نظره، في إنكار هذا الواقع، بل في محاولة توجيه التطور الرأسمالي وإخضاعه للرقابة والمحاسبة، مع احتفاظ الدولة بالصناعة الكبرى والمصارف والنقل والتجارة الخارجية.

كانت «النيب»، بهذا المعنى، تراجعًا اقتصاديًا منظمًا فرضه انهيار الإنتاج، لا تخليًا معلنًا عن الهدف الاشتراكي. وتمثل رهان لينين في استخدام السوق لإعادة بناء الصلة بين الصناعة والريف وتطوير القوى المنتجة، مع المحافظة على السلطة السياسية والقطاعات الأساسية في يد الدولة. لكنه لم يعتبر نجاح هذا الرهان مضمونًا؛ فقد أدرك أن السوق تعيد إنتاج مصالح رأسمالية وتفاوتات اجتماعية، وأن امتلاك الدولة للمؤسسات لا يعني تلقائيًا قدرتها على إدارتها أو إخضاع التجار والخبراء والمديرين لأهدافها.

أما الإصلاحات الصينية فقد انطلقت من ظروف مختلفة. لم تكن الصين سنة 1978 خارجةً من حرب أهلية مباشرة أو انهيار شامل للإنتاج، بل كانت تمتلك دولة مركزية مستقرة، وقاعدة صناعية مملوكة للدولة، ونظامًا مصرفيًا عامًا، وأرضًا ريفية خاضعة للملكية الجماعية، إلى جانب قوة عمل تحسنت مستويات تعليمها وصحتها خلال مرحلة ما قبل الإصلاح.

غير أن الاقتصاد الصيني كان يعاني انخفاض الإنتاجية الزراعية، وضعف إنتاج السلع الاستهلاكية، وشدة المركزية الإدارية، ومحدودية استقلال المؤسسات والحوافز الاقتصادية، فضلًا عن العزلة النسبية عن التطورات التقنية والاقتصادية العالمية. ولذلك اتجهت القيادة الصينية إلى تطبيق نظام المسؤولية الأسرية في الزراعة، ومنح الأسر حق الانتفاع بالأرض وتسويق المنتجات الزائدة، وتوسيع استقلال المؤسسات، والسماح بنمو القطاع الخاص، وإنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة، وجذب الاستثمار الأجنبي.

وقدم الحزب الشيوعي الصيني هذا التحول بوصفه إصلاحًا للنظام الاشتراكي، لا انتقالًا معلنًا إلى الرأسمالية. ووفق هذا التصور، لا تتحدد اشتراكية النظام بإلغاء السوق أو الملكية الخاصة فورًا، بل باستمرار قيادة الحزب، وبقاء الملكية العامة أساسًا للنظام الاقتصادي، واحتفاظ الدولة بالمصارف الكبرى والقطاعات الاستراتيجية والقدرة على توجيه مسار التنمية.

وثبّت الدستور الصيني هذا التكوين المختلط؛ إذ نص على تطبيق «اقتصاد السوق الاشتراكي»، وعلى أن الملكية العامة تمثل أساس النظام الاقتصادي، مع الاعتراف بالاقتصاد غير العام وحماية الملكية الخاصة وتنظيم الاستثمار الأجنبي. (20) ولم تعد السوق، بعد عقود من الإصلاح، إجراءً تكتيكيًا محدودًا، بل أصبحت مكونًا دستوريًا ومؤسسيًا طويل الأمد. وأكدت القيادة الصينية سنة 2013 أن السوق تؤدي «دورًا حاسمًا في تخصيص الموارد» (21)، مع التشديد على تحسين دور الحكومة واستمرار الموقع القيادي للملكية العامة.

ويبين باري نوتون أن التحول الصيني لم يجرِ من خلال خصخصة شاملة أو تطبيق «العلاج بالصدمة»، بل من خلال عملية طويلة من التجريب المحلي والتكيف المؤسسي والتوسع التدريجي للسوق والقطاع الخاص، مع استمرار حضور الدولة في الائتمان والاستثمار والصناعة والسياسة الاقتصادية. وقد أسهم هذا الجمع بين السوق والدولة في تسريع النمو، لكنه أنشأ بنيةً اقتصاديةً مركبةً تتجاور فيها أشكال مختلفة من الملكية والتنظيم. (22)

3. أوجه التشابه والاختلاف بين التجربتين

تتشابه «النيب» والإصلاحات الصينية في أربعة جوانب أساسية. أولهما أن التجربتين انطلقتا من إدراك أن الإنتاج السلعي والسوق لا يمكن إلغاؤهما بقرار إداري داخل اقتصاد لم يبلغ مستوىً يتيح تنظيم الإنتاج والتوزيع اجتماعيًا على نطاق شامل. فقد واجهت روسيا السوفيتية اقتصادًا فلاحيًا صغيرًا دمرته الحرب، بينما واجهت الصين الحاجة إلى رفع الإنتاجية وتحديث الصناعة والزراعة واكتساب التكنولوجيا.

ويتمثل الجانب الثاني في احتفاظ الدولة، في الحالتين، بالسلطة السياسية والسيطرة على قطاعات اقتصادية أساسية، مع السماح بدرجات متفاوتة من التجارة والنشاط الخاص. وكان الهدف المعلن هو استخدام هذه العلاقات في تطوير الاقتصاد، من دون السماح لرأس المال الخاص بالتحول إلى قوة مستقلة تسيطر على الدولة.

أما الجانب الثالث فيتمثل في استخدام مفهوم المرحلة الانتقالية لتفسير التعايش بين أشكال متعددة من الملكية والإنتاج. فقد تحدث لينين عن اقتصاد يضم القطاع العام ورأسمالية الدولة والإنتاج الفلاحي الصغير والتعاونيات والتجارة الخاصة، بينما تتحدث الصين عن «المرحلة الأولية للاشتراكية» وتعدد أشكال الملكية داخل «اقتصاد السوق الاشتراكي».

ويتمثل الجانب الرابع في عدّ تطوير القوى المنتجة شرطًا ضروريًا لتعزيز القاعدة المادية للاشتراكية. فلم تكن السوق، في التبرير النظري للتجربتين، هدفًا في ذاتها، بل وسيلةً لزيادة الإنتاج، وتحسين العلاقة بين قطاعات الاقتصاد، والاستفادة من التكنولوجيا والخبرة الإدارية، وتوفير السلع التي يحتاج إليها السكان.

لكن هذه الأوجه المشتركة لا تلغي الاختلافات البنيوية بين التجربتين. ويظهر الاختلاف الأول في المدة التاريخية؛ فقد استمرت «النيب» من سنة 1921 حتى نهاية عشرينيات القرن العشرين، وظلت تُعرض بوصفها تراجعًا تكتيكيًا فرضته أزمة اقتصادية وسياسية محددة. أما الإصلاح الصيني فقد استمر قرابة نصف قرن، وأصبحت السوق خلاله عنصرًا دستوريًا ومؤسسيًا طويل الأمد، من دون تحديد مرحلة قريبة لإلغائها.

ولا يثبت طول المدة وحده تحول الصين إلى الرأسمالية؛ فالتحولات الاجتماعية الكبرى قد تستغرق مراحل تاريخية طويلة، ولا سيما في بلد كان يسعى إلى تجاوز التخلف واللحاق بالدول الصناعية المتقدمة. لكن استمرار السوق والقطاع الخاص أتاح نشوء مصالح وفئات ومؤسسات تستفيد من الملكية الخاصة والعمل المأجور والمنافسة، وأصبح وجودها عاملًا مؤثرًا في الاقتصاد والمجتمع.

ويظهر الاختلاف الثاني في نطاق القطاع الخاص. فقد تركز النشاط الخاص في ظل «النيب» أساسًا في التجارة والإنتاج الصغير والزراعة وبعض الامتيازات، بينما نشأت في الصين شركات خاصة كبيرة تعمل في الصناعة والتكنولوجيا والعقارات والخدمات والتجارة، وراكم أصحابها ثروات واسعة، وأصبحت هذه الشركات تؤدي دورًا مهمًا في التشغيل والابتكار والتصدير.

أما الاختلاف الثالث فيتصل بدرجة الاندماج في الاقتصاد العالمي. فقد طُبقت «النيب» في دولة معزولة ومحاصرة نسبيًا، بينما استخدمت الصين التجارة الخارجية والاستثمار الأجنبي وسلاسل الإنتاج العالمية لنقل التكنولوجيا وتوسيع التصنيع والصادرات. وقد أسهم هذا الاندماج في تطوير القوى المنتجة وبناء القدرات الوطنية، لكنه أخضع قطاعات واسعة من الاقتصاد الصيني لضغوط المنافسة العالمية والربحية وخفض تكاليف العمل.

وبذلك تكشف المقارنة عن تشابه في المعضلة، لا عن تطابق في التجربة. ففي الحالتين استُخدمت السوق لتطوير القوى المنتجة تحت سلطة يقودها حزب شيوعي، مع احتفاظ الدولة بقطاعات استراتيجية. لكن اختلاف المدة والنطاق والاندماج العالمي وحجم القطاع الخاص يجعل تقويم الصين محتاجًا إلى تحليل مستقل لبنية الملكية، والعمل، والسلطة والفائض.. (23)

4. ملكية الدولة والتملك الاجتماعي

تكتسب ملكية الدولة أهميةً خاصةً في المقارنة بين «النيب» والإصلاح الصيني. فقد احتفظت الدولة السوفيتية بالصناعة الكبرى والمصارف والنقل والتجارة الخارجية، بينما تحتفظ الدولة الصينية بالمصارف الكبرى والأرض الحضرية والطاقة والاتصالات والنقل وعدد من الصناعات الاستراتيجية، في حين تخضع الأرض الريفية للملكية الجماعية.

لكن إنجلز لم يعتبر انتقال وسائل الإنتاج إلى ملكية الدولة غايةً نهائيةً مكتفيةً بذاتها. فقد كتب في «ضد دوهرنغ»:

«فالبروليتاريا تتولى زمام السلطة في الدولة وتحول وسائل الإنتاج بالدرجة الأولى إلى ملكية الدولة». (24)

تكشف عبارة «بالدرجة الأولى» أن انتقال وسائل الإنتاج إلى الدولة يمثل بدايةً لتحول أوسع، لا نهايته. ولذلك لا تكفي الملكية القانونية للدولة لإثبات تحقق الملكية الاجتماعية؛ إذ يتوقف مضمونها على طريقة إدارة المؤسسات، والجهة التي تحدد أهداف الإنتاج واستخدام الفائض، ومدى مشاركة المنتجين والمجتمع في الرقابة واتخاذ القرار.

ويقتضي تحليل الملكية العامة التمييز بين ثلاثة مستويات. يتمثل المستوى الأول في الملكية القانونية لوسائل الإنتاج، أي الجهة المسجلة رسميًا بوصفها مالكةً للمؤسسة أو الأصل. ويتمثل المستوى الثاني في السيطرة الإدارية الفعلية، أي الجهة التي تتخذ قرارات الاستثمار، والإنتاج، والتوظيف والتوزيع. أما المستوى الثالث فيتعلق بالرقابة الاجتماعية ومشاركة المنتجين في تحديد أهداف الإنتاج واستخدام الفائض.

لا يتحقق المضمون الاجتماعي للملكية بمجرد المستوى الأول. وإنما يتعمق كلما خضعت الإدارة للمساءلة، واتسعت مشاركة المنتجين، وتوجه الفائض نحو تطوير القوى المنتجة وتلبية الحاجات العامة. وبهذا المعنى تمثل ملكية الدولة إمكانًا ماديًا ومؤسسيًا للانتقال الاشتراكي، لكنها لا تقدم، بمفردها، دليلًا كافيًا على اكتماله.

وينطبق هذا التمييز على الصين. فالمصرف العام يستطيع توجيه الائتمان إلى الصناعة والبنية التحتية والخدمات العامة، لكنه قد يمول كذلك التوسع العقاري أو مؤسسات تعمل أساسًا وفق معيار الربحية. كما تستطيع الشركة العامة تنفيذ أهداف صناعية واستراتيجية واجتماعية، مع استمرار استخدامها العمل المأجور وخضوعها لضغوط السوق والمنافسة، ومن دون مشاركة فعالة للعاملين في إدارتها.

ولذلك لا يكفي التعريف الرسمي للنظام، مثلما لا يكفي وجود مؤسسات عامة كبيرة، للحكم على طبيعته الاجتماعية. فالمعيار لا يتمثل في ملكية الدولة وحدها، وإنما في العلاقة بين هذه الملكية والسيطرة الاجتماعية الفعلية على الإنتاج والفائض.

5. إنتاج الفائض وإعادة توزيعه

ينبغي التمييز بين إنتاج الفائض داخل المؤسسة الخاصة وبين الجزء الذي تستعيده الدولة منه لاحقًا. ففي الشركات الخاصة والأجنبية ينتج العاملون، من خلال العمل المأجور، قيمةً تتجاوز ما يحصلون عليه في صورة أجور. ويظهر هذا الفائض في صورة أرباح تستحوذ عليها المؤسسة، ثم تعيد استثمار قسم منها أو توزعه على المالكين والمساهمين.

وتحصل الدولة لاحقًا على جزء من الأرباح والدخول الخاصة من خلال الضرائب والرسوم وإيرادات الأرض وتنظيم الائتمان. وقد تستخدم هذه الموارد في البنية التحتية والتعليم والصحة والتكنولوجيا والضمان الاجتماعي والحد من الفقر، وهو ما يمنح النموذج الصيني قدرةً تنمويةً واجتماعيةً لا يمكن تجاهلها.

لكن إعادة توزيع جانب من الأرباح عن طريق الدولة لا تلغي العلاقة التي أُنتج فيها فائض القيمة داخل المؤسسة الخاصة. فالدولة تستطيع الحد من نتائج التراكم الخاص وتنظيمه وتوجيه جزء منه نحو المجتمع، لكنها لا تلغي بذلك انفصال العامل عن ملكية المؤسسة وقرارها، ولا الاستيلاء الخاص الأولي على الفائض.

ولا يعني هذا التقليل من أهمية الضرائب وإعادة التوزيع؛ فهما تؤثران بوضوح في النتائج الاجتماعية للتراكم، وقد تحدان من التفاوت وتوفران خدمات عامة ضرورية. لكنهما تختلفان عن تغيير علاقات الإنتاج داخل المؤسسة نفسها. ومن ثم يجب التمييز بين تنظيم توزيع الفائض بعد إنتاجه وبين تغيير الجهة التي تسيطر على عملية إنتاجه واستخدامه منذ البداية.

وينطبق هذا التمييز، بصورة مختلفة، على المؤسسات العامة. فالفائض المتحقق فيها لا يذهب إلى مالك رأسمالي فردي، ويمكن توجيهه إلى الاستثمار العام، والخدمات والبنية التحتية والتكنولوجيا. لكنه قد يُستخدم كذلك في توسيع المؤسسة والمنافسة التجارية أو في تمويل أهداف الدولة الصناعية والاستراتيجية، من دون مشاركة فعلية من العاملين والمجتمع في تحديد تلك الأهداف.

ولذلك لا ينبغي افتراض مضمون اجتماعي واحد لكل فائض تحققه مؤسسة مملوكة للدولة. فمضمونه يتوقف على الجهة التي تقرر استخدامه، والغايات التي يُوجّه إليها، ومقدار ما يعود منه إلى المجتمع في صورة خدمات وأجور وضمان اجتماعي وتطوير للقوى المنتجة، ومدى مشاركة العاملين في تحديد هذه الأولويات.

6. سيطرة الدولة على رأس المال والرقابة الاجتماعية على الدولة

تمتلك الدولة الصينية أدوات واسعة لتوجيه رأس المال، من بينها المصارف العامة، وملكية الأرض الحضرية، والتخطيط، والتراخيص، والسياسة الصناعية، والرقابة التنظيمية، ووجود تنظيمات الحزب داخل المؤسسات العامة والخاصة. وتتيح لها هذه الأدوات تقييد نشاط الشركات وإعادة توجيه الاستثمار عندما يتعارض مع الأولويات الاقتصادية أو الاجتماعية أو الاستراتيجية للدولة.

غير أن قدرة الدولة على تنظيم رأس المال الخاص لا تعني تلقائيًا خضوع أجهزة الدولة والمؤسسات العامة لرقابة المنتجين والمجتمع. فقد تكون الدولة قوية في مواجهة الشركات الخاصة، لكنها تظل مركزية وبيروقراطية في علاقتها بالعاملين والمجتمعات المحلية. ولذلك ينبغي التمييز بين سيطرة الدولة على رأس المال وتنظيمها للسوق من جهة، والرقابة الاجتماعية على الدولة ومشاركة المنتجين في إدارة المؤسسات من جهة أخرى.

ويمثل هذا التمييز معيارًا أساسيًا للحكم على اتجاه النموذج الصيني. فالاشتراكية لا تختزل في وجود دولة قادرة على توجيه السوق ومنع رأس المال الخاص من الاستيلاء المباشر على السلطة السياسية، بل تقتضي كذلك انتقالًا تدريجيًا نحو مشاركة المنتجين والمجتمع في إدارة المؤسسات وتحديد أولويات الاستثمار واستخدام الفائض.

وتكتسب مخاطر البيروقراطية أهميةً خاصةً في هذا السياق. فقد تؤدي ضخامة جهاز الدولة والحزب والمؤسسات العامة إلى تركز المعلومات والقرار في أيدي الإدارات والمديرين والخبراء. وإذا ضعفت الشفافية والمساءلة وتدفق المعلومات من المستويات الدنيا إلى العليا، فقد تنفصل الإدارة عن المنتجين وتتحول ملكية الدولة، عمليًا، إلى سيطرة إدارية على الثروة العامة.

ولا يعني ذلك أن ملكية الدولة أو التخطيط يقودان حتمًا إلى البيروقراطية، بل إن خطرها يرتبط بضعف المشاركة والرقابة الاجتماعية. ومن ثم، لا تعتمد مواجهة البيروقراطية على حملات الانضباط والرقابة من أعلى وحدها، بل تحتاج كذلك إلى مشاركة العاملين، وشفافية المعلومات، وإمكان النقد وكشف الأخطاء، وخضوع المسؤولين والمؤسسات العامة للمساءلة.

ولا تقدم سياسة «النيب» تبريرًا جاهزًا لكل جوانب الإصلاح الصيني. فقد أثبتت إمكان استخدام السوق وبعض العلاقات الرأسمالية داخل مرحلة انتقالية، لكنها أكدت كذلك أن هذه العلاقات تعيد إنتاج رأس المال والتفاوت والمصالح الخاصة والصراع حول اتجاه الدولة. ولذلك لا يكفي القول إن لينين سمح بالسوق لكي يصبح كل توسع طويل الأمد للقطاع الخاص منسجمًا بالضرورة مع الانتقال الاشتراكي.

وفي المقابل، لا يجوز تجاهل الفروق بين الصين والاقتصادات الرأسمالية الليبرالية. فاحتفاظ الدولة بالمصارف والأرض الحضرية والقطاعات الاستراتيجية، وقدرتها على توجيه الائتمان والاستثمار، يمنحها أدوات فعلية لتقييد رأس المال وتحديد أولويات التنمية. غير أن وجود هذه الأدوات يمثل إمكانًا للتحول الاجتماعي، ولا يُعد وحده دليلًا على تحققه.

كما لا يصح مطالبة الصين بإلغاء السوق والعمل المأجور قبل استكمال تطوير قواها المنتجة، مثلما لا يصح تحويل مفهوم «المرحلة الأولية» إلى تبرير مفتوح لاستمرار السوق والملكية الخاصة والتفاوت إلى أجل غير محدد. فالقيمة الانتقالية للمرحلة تُقاس بمدى إعدادها شروط تجاوز علاقاتها المؤقتة، لا بمجرد استمرارها أو تسميتها الرسمية.

وعلى هذا الأساس، لا يُقاس الاتجاه الفعلي للنموذج الصيني بالغايات المعلنة وحدها، بل بمدى توسع الملكية الاجتماعية وحقوق العمل والرقابة العامة، وتراجع التفاوت والاستيلاء الخاص على الفائض، وتحول زيادة الإنتاجية إلى أجور أفضل وخدمات عامة وتقليص لوقت العمل ومشاركة أوسع للمنتجين. وتمهد هذه المعايير للانتقال من المناقشة النظرية إلى تتبع التطور التاريخي للنموذج الصيني في الفصل التالي.

—————-

الهوامش

(1) كارل ماركس، «مقدمة»، ضمن: مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، ترجمة راشد البراوي، القاهرة: دار النهضة العربية، 1969، ص 2–3، ولا سيما ص 3.

(2) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، الأيديولوجية الألمانية، القسم الأول: «فيورباخ»، فقرة «تطور القوى المنتجة بوصفه مقدمة مادية للشيوعية»، ترجمة فؤاد أيوب، بيروت: دار الفارابي، 2016، ص 55.

(3) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، البيان الشيوعي، ترجمة العفيف الأخضر، بيروت–بغداد: منشورات الجمل، الفصل الأول: «البرجوازيون والبروليتاريون»، ص 63.

(4) فريدريك إنجلز، «مبادئ الشيوعية»، ولا سيما السؤال التاسع عشر المتعلق بإمكان وقوع الثورة في بلد واحد منفرد، بوابة الاشتراكي، النص العربي.

(5) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، «مقدمة الطبعة الروسية الثانية من البيان الشيوعي»، لندن، 21 كانون الثاني/يناير 1882، ضمن: حول روسيا، ط1، بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، د.ت، ص 143 وما بعدها.

(6) فريدريك إنجلز، «الوضع في روسيا»، رسالة إلى فيرا زاسوليتش، 23 نيسان/أبريل 1885، ضمن: كارل ماركس وفريدريك إنجلز، حول روسيا، ط1، بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، د.ت، ص 137–142.

(7) فلاديمير إيليتش لينين، «تقرير حول الاستعاضة عن المصادرة بالضريبة العينية»، 15 آذار/مارس 1921، ضمن: المختارات في عشرة مجلدات، المجلد العاشر: 1920–1923، ترجمة إلياس شاهين، موسكو: دار التقدم، 1978، ص 349 وما بعدها.

(8) فلاديمير إيليتش لينين، «التقرير السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الروسي (البلشفي) أمام المؤتمر الحادي عشر»، 27 آذار/مارس 1922، ضمن: المختارات في عشرة مجلدات، المجلد العاشر: 1920–1923، ترجمة إلياس شاهين، موسكو: دار التقدم، 1978، ص 455–457.

(9) المصدر نفسه، ص 464.

(10) المصدر نفسه، ص 467–468.

(11) المصدر نفسه، ص 468–469.

(12) المصدر نفسه، ص 476.

(13) المصدر نفسه، ص 477–479.

(14) ليون تروتسكي، الثورة الدائمة، كُتب سنة 1928، ترجمة بشار أبو سمرا، ط1، بيروت: دار الطليعة، 1965، الفصل التاسع: «ما الثورة الدائمة؟ موضوعات أساسية»، النص العربي؛ وقارن: ليون تروتسكي، نتائج وتوقعات، النسخة الإلكترونية، ص 168، ملف الكتاب.

(15) جوزيف ستالين، «أسس اللينينية»، الفصل الثالث: «النظرية»، ضمن: أسس اللينينية؛ حول مسائل اللينينية، النسخة العربية.

(16) روجيه بورتال، «بناء مجتمع اشتراكي في الاتحاد السوفيتي»، ضمن: جاك دروز، التاريخ العام للاشتراكية: من 1919 إلى 1945، الجزء الثالث، ترجمة أنطوان حمصي، دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 2002، ولا سيما الصفحات المتعلقة بالتصنيع والتجميع الزراعي وآثارهما الاجتماعية.

(17) جوزيف ستالين، «مسألة انتصار الاشتراكية في بلد واحد»، ضمن: أسس اللينينية؛ حول مسائل اللينينية، ص 199 وما بعدها.

(18) كارل ماركس، «نقد برنامج غوتا»، ضمن: دراسات اقتصادية مختارة (2)، ترجمة فؤاد أيوب، دار دمشق للطباعة والنشر والتوزيع، ص 314.

(19) فلاديمير إيليتش لينين، عن الضريبة العينية، ترجمة إلياس شاهين، موسكو: دار التقدم، 1973.

(20) دستور جمهورية الصين الشعبية، ولا سيما المواد 6–18 المتعلقة بالملكية العامة والاقتصاد غير العام وتطبيق «اقتصاد السوق الاشتراكي»، الترجمة العربية للدستور.

(21) «نظام اقتصاد السوق الاشتراكي»، شبكة الصين، 8 تموز/يوليو 2022؛ ويتناول قرار سنة 2013 بشأن جعل السوق تؤدي دورًا حاسمًا في تخصيص الموارد، مع أداء الحكومة دورها بصورة أفضل، النص العربي.

(22) Barry J. Naughton, The Chinese Economy: Adaptation and Growth, 2nd ed., Cambridge, MA: MIT Press, 2018، ولا سيما الفصول المتعلقة بالإصلاح التدريجي والتكيف المؤسسي، وبنية الملكية، ودور الدولة، وتوسع القطاع الخاص والاندماج في الاقتصاد العالمي.

(23) Barry J. Naughton, The Chinese Economy: Adaptation and Growth، مصدر سابق، ولا سيما الفصول المتعلقة بالطابع التراكمي للإصلاح وتحول السوق والقطاع الخاص إلى مكونين بنيويين في الاقتصاد.

(24) فريدريك إنجلز، ضد دوهرنغ، قسم «الاشتراكية»، الفصل الثاني: «مسائل نظرية»، موسكو: دار التقدم، ص 336.

يتبع


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top