ئاريان كركوكي
حين تصل الأزمات الهيكلية إلى حافتها القصوى، وتتقاطع شرايين الاقتصاد الوطني مع جغرافيا الصراعات الإقليمية المشتعلة، تفقد الحكومات رفاهية الاختيار بين الحلول الناعمة. لقد وجد رئيس الوزراء نفسه مكرهاً على تجرّع كأس السم، مطارداً بإرث ثقيل من الاختناقات المالية التي عصفت بالبلاد، لتنتهي رحلة البحث عن المخرج بقرار صعب ومزلزل تمثل في مطالبة البنك المركزي بررفع سعر صرف الدولار مقابل الدينار. هذا القرار، وإن أحدث هزة عنيفة في الأسواق وصدمة مباشرة في الشارع وردود فعل حادة داخل قبة البرلمان، لم يكن ترفاً سياسياً أو إجراءً عابراً، بل تجسيداً لقسوة الواقع واختباراً لأهون الشرين في مواجهة انهيار وشيك تتجسد الأزمات الحقيقية للدول عندما تصل إدارتها إلى مفترق طرق لا يترك مساحة للحلول الوسط، وحين تصبح القرارات الكبرى أشبه بتجرّع كأس السم.
خيارات الموت المرّ ومأزق المعالجة
عندما وجدت الحكومة العراقية نفسها في مأزق حقيقي، وتأخر الخلاص منه بفعل أزمات متراكمة، برزت أمامها خيارات محددة تمثلت في: حذف الأصفار من العملة العراقية ودفع رواتب الموظفين كل 45 يوماً تخفيض قيمة الدينار مقابل الدولار أو رفع سعر صرف الدولار. اختار رئيس الوزراء في هذه الظروف الحل الثالث، ليكون بمثابة محاولة لمعالجة الأزمة المالية وتجفيف منابع استنزاف الاحتياطي النقدي الناتج عن الحرب بين أمريكا إيران. لكن هذه المعالجة، وإن استهدفت إنقاذ الخزينة العامة، تأتي على حساب الطبقتين الفقيرة والمتوسطة اللتين تتحملان وحدها فاتورة التضخم وتراجع القوة الشرائية.
سيكولوجية المجتمع وعقدة “اقتصاد الخوف” ووقعة الفأس على الرأس
لا يمكن فهم انهيار السوق العراقية بمعزل عن البنية السوسيولوجية والنفسية للمجتمع؛ فالعقود المتتالية من الأزمات المباغتة، والحروب المدمرة، والهزات الاقتصادية المتلاحقة، جعلت الفرد العراقي يعيش دائماً تحت وطأة شعور دائم بأن “الفأس قد وقعت على الرأس” دون سابق إنذار. هذه الصدمات المتكررة زرعت في وجدان المجتمع العراقي هاجساً عميقاً وخوفاً مزمناً من المستقبل، حتى تحولت سيكولوجية البقاء لدى المواطن إلى حالة من الاحتياط المستمر؛ فالجميع يسعى لتأمين الغد وتحويل ما يملكه إلى ملاذات آمنة (كالدولار والذهب) ولو كان ذلك على حساب لقمة عيشه اليومية.
الخطورة الكبرى تكمن في أن هذا الخوف الجمعي لم يكن بمعزل عن هندسة منظومة الفساد؛ فالأزمات لم تكن مجرد تقلبات طبيعية، بل كانت “الفأس” التي يُمسك بها دائماً من قبل قوى متنفذة ومافيات متحكمة في سوق المال. هذه الشبكات – التي تفتقر إلى أي مبادئ إنسانية أو أخلاقية في التداول، وتحركها غريزة الجشع المطلق والطمع الأعمى – استغلت رعب المجتمع وقلقه الوجودي، فعمدت إلى افتعال الأزمات، والتلاعب بأسعار الصرف، وخلق تضارب اصطناعي بين العرض والطلب. هكذا وجد المواطن البسيط نفسه محاصراً بين خوفه الدائم على مصيره، وبين مافيات تستثمر في هذا الخوف لتراكم ثرواتها على أنقاض طبقة فقيرة ومتوسطة تئن تحت وطأة واقع مرير لا يد لها فيه.
تشابك المال والسلاح ومعضلة هيبة الدولة
إن إدارة الدولة وضبط الأسواق لا تدار بالشعارات الفضفاضة ولا بالقرارات الورقية العابرة، بل تتطلب فرض سيادة حازمة وقوة ذكية قادرة على تفكيك شبكات الانتفاع غير المشروع. وهنا يبرز المأزق الأكبر والأشد تعقيداً؛ فالحكومة لا تخوض معركة اقتصادية معزولة أو كلاسيكية مع تجار همهم الوحيد الربح، بل تصطدم بشبكة معقدة تتقاطع فيها مصالح السوق الموازية ومافيات العملة مع ملف حسّاس بالغ الخطورة يتمثل في “حصر السلاح بيد الدولة“.
إن الأرباح الهائلة والخيالية الناتجة عن تلاعب فوارق الصرف، وتهريب العملة الصعبة، والتحكم بمفاصل السوق الحرة، لا تمثل مجرد أرقام تجارية، بل هي شرايين مالية تغذي وتديم نفوذ جهات مسلحة وميليشيات خارج سلطة القانون. ومن هنا، عندما تقدم الحكومة على أي خطوة حقيقية لضبط السوق أو تجفيف منابع التلاعب، فإنها تلمس بشكل مباشر العصب المالي لتلك المنظومة. هذا التشابك العضوي بين المال السياسي والسلاح يجعل من أي إصلاح اقتصادي حقيقي امتحاناً عسيراً لهيبة الدولة، ويضعها أمام حتمية خوض مواجهة شاملة لا تقبل التراجع، لكون استمرار هذا الوضع يعني بوضوح تفوق قوى الأمر الواقع على شرعية الدولة ومؤسساتها.
حتمية الصدام كخيار لا مفر منه
طوال السنوات الماضية، أدمنت الحكومات سياسة تدوير الأزمات وشراء الوقت عبر التسويات الهشة، غير أن النتائج جاءت مخيبة لآمال الاستقرار. ومن هنا يتأكد أن سياسة الهروب إلى الأمام قد استنفدت أغراضها، وأن “الصدام” – سواء أكان قانونياً، أو مالياً، أو سياسياً – بات محطة ضرورية لا بد منها لكشف أوراق الصراع وفرز الحقائق من الأكاذيب. إن إبقاء الأمور معلقة على حافة الانهيار الدائم يكرس عجز الدولة، ولا بد لزلزال المواجهة أن يقع عاجلاً أم آجلاً لإعادة بناء قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية على أسس صلبة تحمي الوطن والمواطن.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






