قد يقول البعض إن هذا ليس الوقت المناسب لطرح مثل هذا الموضوع، وإن المرحلة حساسة تتطلب التكاتف لا المساءلة. لكن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها هي أن الصمت الطويل كان شريكاً أساسياً في صناعة هذا الفشل.
ما الذي حدث؟
أربعة عشر عاماً مرّت، والنتيجة واحدة: فشل سياسي، عجز، وتآكل في الثقة الشعبية. الوجوه ذاتها ما زالت تتصدر المشهد، خطابات مستهلكة تكرر، في وقت يحتاج فيه الشارع الكوردي إلى رؤية جديدة، وقيادات قادرة على قراءة الواقع لا الهروب منه.
هنا تتضح أهمية دور مسعود بارزاني بوصفه صمام أمان: ليس لأنه تدخّل، بل لأنه لم يتخلَّ. بقي داعماً حين كان الدعم مكلفاً، وصامتاً حين كان الصمت أكثر حكمة من الفوضى، ومبادِراً حين كان الأمل على وشك الانطفاء. ولو لم يكن هذا الدور موجوداً، لكانت مناطق كوردستان سوريا اليوم أمام سيناريوهات أكثر قسوة وتعقيداً.
قدّم الزعيم بارزاني الكثير لكورد سوريا: احتضان سياسي، دعم إنساني، وفتح الأبواب أمام مئات آلاف اللاجئين، إضافة إلى محاولات متكررة لرأب الصدع الكوردي-الكوردي، وإيجاد صيغة وحدة تحمي القضية الكوردية من التشرذم.
ومع كل هذا الدور، اختار الزعيم بارزاني عن قصد عدم التدخل المباشر في إدارة الشأن الداخلي لكوردستان سوريا، انطلاقاً من قناعة سياسية وأخلاقية مفادها أن أبناء المنطقة وأحزابها أَولى بتحمّل مسؤولياتهم التاريخية. لقد منح هذه الأحزاب الوقت، والدعم غير المباشر، وفرصاً متكررة لإثبات قدرتها على القيادة وبناء نموذج سياسي يعكس تطلعات الشارع الكوردي.
غير أن النتيجة، بعد سنوات طويلة، جاءت مخيبة للآمال. فقد فشلت هذه الأحزاب في الارتقاء إلى مستوى اللحظة التاريخية، وعجزت عن تحويل الدعم والفرص إلى إنجازات ملموسة. فبدلاً من بناء مؤسسات، تعمّقت الانقسامات، وبدلاً من توحيد الصف، سادت عقلية الإقصاء والهيمنة، وباتت المصالح الحزبية الضيقة تتقدّم على المصلحة العامة. وهكذا، لم يكن الفشل وليد نقص في الدعم أو غياب الفرص، بل نتيجة مباشرة لسوء الإدارة، وغياب الرؤية، والعجز عن تحمّل المسؤولية في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ كوردستان سوريا.
إن أخطر ما يواجه القضية الكوردية ليس حجم المؤامرات التي تحاك ضدها، ولا عدد الخصوم المتربصين بها، بل عجز أبنائها عن تجديد أدواتهم السياسية، وتطوير رؤاهم بما ينسجم مع تحولات الزمن وتعقيدات الواقع. فالقضية التي تدار بعقل الأمس، محكوم عليها أن تخسر معارك اليوم.
لقد أثبتت السنوات الماضية، بكل ما حملته من أحداث جسام، أن الاستمرار في الرهان على الوجوه ذاتها والسياسات ذاتها لم يعد تعبيراً عن صبر سياسي أو ثبات مبدئي، بل أصبح شكلاً من أشكال إنكار الواقع والهروب من محاسبة الفشل. أربعة عشر عاماً من التجربة كانت كافية لتقديم إجابات واضحة، لا تحتمل التأويل ولا المواربة: لا تجديد في الخطاب، لا تطور في الأداء، ولا قدرة حقيقية على الانتقال من منطق الشعارات إلى منطق الدولة والمؤسسات.
التجربة العملية كشفت أن القيادات الكوردية في كوردستان سوريا لم تكن على مستوى اللحظة التاريخية التي وضعت أمامها. لحظة كانت تتطلب شجاعة القرار، ومرونة السياسة، والقدرة على بناء شراكات داخلية قائمة على الثقة لا الإقصاء، وعلى المصلحة العامة لا الحسابات الحزبية الضيقة. لكن ما حدث كان العكس تماماً: انقسامات أعمق، إدارة مرتبكة، وقطيعة متزايدة مع الشارع الذي دفع أثماناً باهظة من أمنه ولقمة عيشه ومستقبل أبنائه.
وفي خضم هذا الفشل، يبرز التناقض الصارخ: مستقبل منطقة بأكملها ما زال يترك رهينة لأحزاب أثبتت عجزها، في وقت لا يزال “صمام الأمان” قائماً خارج المشهد الداخلي، يقدّم الدعم حين يطلب، ويمنع الانهيار حين يقترب، لكن من دون وجود شريك حقيقي في الداخل قادر على تحويل هذا الدعم إلى مشروع سياسي متكامل.
ولولا سياسة الزعيم مسعود بارزاني الداعمة، إلى جانب الانتفاضة الشعبية الكوردية التي شكّلت خط الدفاع الحقيقي عن الوجود، لكان الكورد اليوم في خبر كان. فما تبقّى من واقع قائم لم يكن نتاج رؤية أو إنجاز حزبي، بل نتيجة عوامل خارج إطار هذه الأحزاب التي لم تقدّم مشروعاً سياسياً واضحاً، ولا استطاعت تحويل اللحظة إلى مكسب تاريخي.
إن أخطر ما في المشهد ليس غياب الحلول، بل غياب الإرادة لتغيير الرؤية. فالتاريخ لا يمنح الفرص بلا نهاية، والشعوب لا تنتظر إلى ما لا نهاية أيضاً. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ليس عمّن يقدّم الدعم من الخارج، بل: إلى متى يترك مستقبل كوردستان سوريا أسيراً للفشل السياسي، بينما لا يزال صمام الأمان موجوداً… لكن بلا شريك داخلي يملك الجرأة والكفاءة لتحمّل المسؤولية؟
وفي السياسة، لا شيء أكثر قسوة من الوقت حين يتحوّل من فرصة إلى شاهد إدانة.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=83035






