الأمانة التاريخية بين الرواية الشفوية والتوثيق: قراءة في وثائقي “قصة أكراد سوريا”

​بقلم: الدكتور مرشد معشوق الخزنوي

​شهدت المنصة الإعلامية “سوريا الآن” على اليوتوب(بتاريخ 27 مارس 2026)، بث وثائقي بعنوان “قصة أكراد سوريا”.
ورغم أن الساحة الإعلامية باتت تعج بمحاولات إعادة قراءة التاريخ وفق أجندات متباينة، ومن ذلك الوثائقي الموسوم” قصة أكراد سوريا ” حيث اشتملت على الكثير من المغالطات وتغيير الحقائق سواء ما هو متعلق بالقضية الكردية عامة او بالعائلة والوالد شيخ الشهداء معشوق الخزنوي خاصة.
إلا أن الاستناد إلى شخصيات لها وزنها الاجتماعي يفرض وقفة نقدية علمية ، لا من باب السجال، بل من باب حفظ الأمانة التاريخية التي هي ملك للأجيال، وصوناً لسيرة الرموز التي شكلت الوجدان السوري والكردي، وعلى رأسهم شيخ الشهداء معشوق الخزنوي.
والصادم هو ظهور الشيخ عبدالله ديرشوي في الوثائقي الذي تم توظيف كلامه كشهادة تاريخية حية على حداثة التواجد الكردي في روج آفا الملحق بسوريا اضافة الى وقوع الشيخ عبدالله الديرشوي في التعميم للفصل بين الدين والقومية .
​وانطلاقاً من مبدأ “تحسين الظن بالمسلم”، وهو المبدأ الذي أرساه الإمام مالك بن أنس رحمه الله، سنتناول ما ورد على لسان الشيخ الفاضل عبد الله ديرشوي في هذا الوثائقي، معتبرين ما ورد منه زلة عالم أو سهواً في النقل.
​أولاً: مغالطة التوقيت والجغرافيا (عائلة الخزنوي نموذجاً)
​ذكر الشيخ عبدالله ديرشوي أن العوائل الثلاث التي تمثل المشيخة النقشبندية في “الجزيرة” (آل حقي العلواني، آل الخزنوي، وآل ديرشوي) قد قدموا إلى المنطقة فراراً بدينهم بعد قمع ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925.
​إن هذا التعميم يخدم رواية تحاول تصوير المكون الكردي كطارئ بشري عقب سقوط الدولة العثمانية، وهو ما تفنده الحقائق:
وهذه الرواية وإن أمكن أن تنطبق على عائلة ديرشوي، حيث الشيخ عبدالله الديرشوي أدرى منا بتاريخ عائلته إلا انها لا تستقيم علميا عند إسقاطها على آل الخزنوي وآل حقي.
• ​فمؤسس الطريقة النقشبندية الخزنوية الشيخ أحمد الخزنوي وهو من مواليد قرية “خزنة” عام 1885م ، كما هو موثق في الاوراق الرسمية السورية والمرفقة مع هذا التوضيح ، أي قبل ثورة الشيخ سعيد بـ 40 عاماً.


• بل إن والده، الملا مراد كان إماماً لقرية خزنة (التابعة لتربسبية) قبل ذلك التاريخ بعقود. فكيف يستقيم تاريخياً القول بأن قدوم العائلة كان نتيجة لحدث وقع في 1925، بينما الجذور والولادات موثقة في الأرض الكردية السورية قبل ذلك بنصف قرن؟
• كما ان المعهد الخزنوي للعلوم الشرعية والعربية تأسست 1920م في خزنة ، وهو العام الذي شهد ولادة الابن الثالث للشيخ احمد الشيخ عزالدين .
فكيف يصح ان يكون الشخص مولودا في خزنة من تربسبية وقامشلو ثم يخبر الشيخ عبدالله بأن قدوم العوائل الثلاث كانت بعد قمع ثورة الشيخ سعيد فرارا بدينهم .
واجزم أن آل حقي العلواني هم في المنطقة قبل ذلك ، مما يجعل ربط وجود المشيخات الكردية حصراً بتبعات ثورة بيران ربطاً يفتقر إلى الدقة الزمنية والتوثيقية.
لربما قالها الشيخ عبدالله ديرشوي خطأ من دون معرفة لكن الوثائقي استخدامها دليلا على تأخر قدوم الكرد الى روج آفا .
​ثانياً: شمولية الرفض القومي (تفنيد التعميم بالنماذج التاريخية)
​لقد جانب الصواب الشيخ عبدالله ديرشوي حين قرر أن مشايخ الأكراد رفضوا الدعاوى القومية.
فقال أن مشايخ الاكراد بقوا متمسكين بدينهم وهذا صحيح، وأن الشعوب المجاورة للكرد كالترك والعرب والفرس اخوة في الدين هذا أيضا صحيح جزاه الله خيرا. غير أن قوله أن مشايخ الاكراد قالوا أن دعاوى القوميات هذه لا نقبلها، جانب فيها الصواب ، وكم كان جميلا من الشيخ عبدالله الديرشوي لو لم يتكلم بلسان العموم وقال أن بعض المشايخ الكرد، أو حتى لو قال الكثير من مشايخ الكرد يرفضون الدعوى القومية ، أما تعميمه فقد جانب به الصواب والحقيقة حيث أن “العباءة الدينية” و”الراية القومية” تلاحمتا في مسيرة كبار المشايخ الذين قادوا الكرد، ومنهم:
• ​الشيخ عبيد الله النهري (1880م): ويعد الأب الروحي للحركة القومية الكردية الحديثة. كان شيخاً نقشبندياً ذا نفوذ واسع، وقاد ثورة ضد الدولتين العثمانية والقاجارية.
الشيخ عبيدالله النهري النقشبندي الذي صرح للقنصل البريطاني بوضوح: “إن الأمة الكردية أمة منفصلة.. نحن نريد أن تكون شؤوننا بأيدينا”، معتبراً الاستقلال القومي حقاً شرعياً.
التوثيق:
– ذكره المؤرخ البريطاني W. R. Hay في كتابه Two Years in Kurdistan.
– وثّقه المؤرخ الكردي محمد أمين زكي في تاريخ الكرد وكردستان.
– وردت مراسلاته السياسية في أرشيف الدولة العثمانية.
• ​الشيخ سعيد بيران (1925م): رغم أن ثورته اتخذت طابعاً دينياً في شعاراتها لمواجهة “العلمانية الكمالية”، إلا أن المحرك الأساسي كان قومياً بامتياز، والتوثيق يثبت أن الشيخ سعيد كان رئيساً لحزب “آزادي” (الحرية)، وهي منظمة قومية كردية تأسست لانتزاع الحقوق السياسية للأكراد، والتقارير البريطانية والتركية في ذلك الوقت أكدت أن أهداف الثورة كانت إقامة “كردستان المستقلة”.
التوثيق:
– وثّق دوره Robert Olson في كتابه The Emergence of Kurdish Nationalism.
– وردت سيرته في كتاب ثورة الشيخ سعيد للباحث الكردي محمد علي عوني.
– مذكور في أرشيف المحكمة العسكرية التركية.
• الشيخ محمود الحفيد ( البرزنجي)
​شيخ الطريقة القادرية في السليمانية، نصب نفسه ملكاً على كردستان وقاد عدة ثورات ضد الانتداب البريطاني في العراق بين (1919 – 1932).
لم يطالب الحفيد بحقوق دينية، بل طالب بـ “حكومة كردية” معترف بها دولياً، ورفع أول علم لكردستان في السليمانية، وتراسل مع عصبة الأمم بهذا الصدد.
التوثيق:
– وثّقه David McDowall في A Modern History of the Kurds.
– مذكور في أرشيف وزارة المستعمرات البريطانية.
• ​الشيخ أحمد الخزنوي: الذي وثقت المراجع انخراطه ودعمه لجمعية “خويبون” (الاستقلال) التي تأسست عام 1927، وكانت المظلة السياسية والقومية الأهم للأكراد في تلك الحقبة.
التوثيق:
– ورد اسمه في وثائق جمعية خويبون المنشورة في كتاب خويبون: وثائق التأسيس.
– ذكره الباحث جمال نبز في تاريخ الأكراد الحديث.
• ​الملا مصطفى البارزاني: السليل النقشبندي الذي قاد أعظم ثورة قومية كردية (ثورة أيلول)، وكان قاضيها الشرعي هو العالم الفقيه الملا عبد الله الغرزي.
• الشيخ عبدالسلام البارزاني (أخو الملا مصطفى) عالم ديني نقشبندي وقيادي قومي ، أُعدم عام 1914 بسبب نشاطه السياسي القومي علي يد العثمانيين .
التوثيق:
– وثّقه McDowall وEdmonds.
– ورد اسمه في أرشيف الدولة العثمانية
​وصولاً إلى الشيخ الشهيد معشوق الخزنوي، الذي أثبت في العصر الحديث أن المطالبة بالحقوق القومية ليست خروجاً عن الدين، بل هي في صلب إحقاق الحق ورفع الظلم.
​خاتمة
​إننا إذ نوضح هذه النقاط، لا نهدف إلى النيل من الشيخ عبد الله ديرشوي، بل نذكره بأن قراءة الماضي لا يجوز أن تخضع لاجتزاء الحقائق لإثبات فرضيات سياسية. كان من الأنسب للشيخ أن يتحدث عن “موقفه الشخصي” أو “بعض” المشايخ، دون تعميم يبخس الناس نضالهم وتاريخهم.

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top