التحليل اللغوي لروايتَي (هولير حبيبتي) و (ظروف استثنائية) لعبد الباقي يوسف وفق نموذج بول سيمبسون

تكبير الصورة

 

حصلت الطالبة الجامعية (گلاویژ شیخی)، طالبة الدكتوراه في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة شهيد مدني بأذربيجان، إيران، على درجة الدكتوراه بامتياز عن بحثها الأكاديمي الموسوم: (التحليل اللغوي لروايتَي: هولير حبيبتي، وظروف استثنائيَّة، لعبد الباقي يوسف)، وحصلت بموجبها على درجة الدكتوراه من جامعة شهيد مدني الحكومية بأذربيجان، تبريز، إيران 2026.


تماسك البُنية النصّية
تقدم الطالبة في بحثها دراسة تحليلية تستكشف البنية اللغوية والأساليب التعبيرية في الروايتين، مسلطةً الضوء على الخصائص الفنية والدلالية للنص الروائي، ومبرزةً ثراء التجربة السردية في أعمال الروائي عبد الباقي يوسف. وتستند الباحثة في دراستها التحليليّة إلى المنهج الذي اقترحه اللغوي والأسلوبي البريطاني بول سيمبسون، من أجل تقديم تحليل دقيق لوجهة النظر، وطريقة السرد، وكيفية انتقال المعنى والمفاهيم إلى المتلقّي عبر أنماط الوجهة المختلفة.
ترتكز الدراسة على المنهج التحليلي الوصفي، باعتباره إطاراً علمياً يُمكّن الباحث من استكشاف البُنى الوجهية في رواية “هولير حبيبتي” لعبد الباقي يوسف، ويسعى من خلال تحليل العلامات اللغوية المُرتبطة بتموضع الراوي إلى بلوغ فهم معمَّق لكيفية تجلّي رؤاه وتوجّهاته الذهنية ضمن السياق الروائي. وقد أفضت نتائج البحث إلى أن الوجهية لا تقتصر على تشكيل النسق الأسلوبي للرواية، بل تُسهم في بناء المعنى وتوجيهه، وتُعين على تفكيك الطبقات الدلالية المستترة، بما يكشف عن تماسك البُنية النصّية وانسجامها الداخلي ويضيء المقاصد البلاغية الكامنة في التجربة السردية.

رواية هولير حبيبتي والوعي السردي
في رواية هولير حبيبتي تتجلى الوظيفة البنيوية للصيغ الوجهية بصورة أوضح، إذ إن التناوب بين القطع والتردّد، وحضور التقويم الصريح والضمني، وضبط المسافة بين الراوي والوقائع، جميعها مؤشرات تدل على أن النظام الوجهي يؤدّي دوراً حاسماً في تنظيم، وعليه فإن تحليل هذه الرواية في ضوء نموذج سيمبسون يمكن أن يكشف عن طبيعة العلاقة بين الاختبارات الوجهية وتثبيت زاوية الرؤية. وأن يبيّن كيف يتشكّل مستوى الوعي السردي عبر انتظام هذه المؤشرات داخل البنية النصية. وعليه تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن الأسئلة الآتية:
1- ما أبرز أنماط الوجهية الموظفة في رواية “هولير حبيبتي؟”
2- وما الدور الذي أدَّته هذه الأنماط الوجهية في بناء العلاقة بين عبد الباقي يوسف والمتلقي، وفي نقل الأفكار والمضامين إليه؟
تاريخ مدينة هولير
يشير الراوي إلى مشتقّات التمنّائية كما في المثل الآتي المستمد من تاريخ هولير الماضي: “عندما أراد (دياكو) أن يعبّر للآخَرين بأن الدولة الميديّة تتمتَّع بعوامل القوة، بنى قصراً ملكياً جيداً، ووضع تشريعات أراد من خلالها أن يُحدث تغييرات في نمط التفكير الميدي، وذلك حتى يثبت بأنه لا يخضع لسلطة الإمبراطورية الآشورية التي كانت تريد أن تنصب نفسها وصية عليه”. يوسف.2021م. ص72.
إن توظيف وجه الفعل التمنّي أراد إدراج صفة عوامل القوة بوصفها نعتاً لـ القدرة لدى الميديين، واستعمل الأفعال التقييميّة من قبيل “يقبل” و”يحدث تغييرات” يظهر وجهية إيجابية، إذ يعكس الراوي فعل دياكو في اتجاه تثبيت الاستقلال السياسي وإحداث تحوّل في البنية الفكرية لمجتمع الميديين. وهذه الوجهية، من خلال الإفادة من المؤشرات التعميميّة والوصفات الهادفة، تؤكّد الإرادة الواعية للشخصية وتتجاوز مستوى التقرير المجرَّد، فالراوي: مع إلمام كامل بمسار الأحداث التاريخيّة، من تشييد القصر الملكي، وإصدار التشريعات، إلى تحالف دياكو مع أورارتو ونفيه على يد سرجون الثاني، يقدّم سرداً تحليلياً وهادفاً: وأما عودة دياكو المشروطة إلى أرض ميديا، وإن جاءت ضمن إطار الرقابة السياسية، فإنها تُفهم في الرواية بوصفها استمراراً لحضوره في مشهد السلطة وتثبيتاً للهوية السياسية للميديين. ومن ثم فالسرد لا يحمل الوجهية الإيجابية على المستوى اللغوي فحسب، بل على المستوى البنيوي أيضاً، لأنّه يبرز الإرادة الفردية، وعقلانية الفعل، والسعي إلى القيومية السياسية.
أهل هولير
يتبدى الراوي في هذه الرواية بوصفه راوياً عليماً نسبياً، يمتلك قدرة على النفاذ إلى وعي الشخصيات ويكتشف مشاعرها وأفكارها ضمن بناء سردي متماسك مع إيراد تعليقات وتأويلات تضيء مواقفه منها. فعلى سبيل المثال، حين يتطرق إلى أهل “هولير” يصفهم بأنَّهم قوم بسطاء نقيو السريرة، بدا له كأنه يرى قدّيسين يُضيئون كمنارات إنسانية، فيقتبس من إشعاعهم معارف سامية، ودروساً بليغة تًنمّي وعيه وتوسّع آفاقه. ومن هنا تبلور لديه يقين بأن تجربة التعرّض لأشد أسلحة الدمار الشامل فتكاً بحق الطفل الكردي قد أرست حساسية ثقافية إنسانية ذات أفق رحب، وأن أولئك الأطفال الذين ابتلوا بمآسي الحرب قد غدوا آباء وشكّلوا طيفاً اجتماعياً معاصراً.
تعدّ دراسة البنی النحوية للوجهية في النصوص السردية وتفسير رؤی الكاتب من الركائز الأساسية في الدراسات اللسانية الحديثة، لما لها من دور محوري في الكشف عن المواقف الذهنية والانفعالية للكاتب وتفسير مواقفه الفكرية تجاه القضايا المطروحة. فالوجهية، بوصفها تجسيدًا دقيقًا لموقف المتكلم تجاه مدی صدقية القضايا، تعدّ أداة تحليلية رصينة تسهم في استكشاف البنية العميقة للخطاب، ويتّسع نطاق فاعليتها من مستوى الجملة إلى المستوى الكلي للنص. ويعدّ النموذج الوجهي الذي اقترحه بول سيمبسون من أبرز الأطر النظرية في هذا المجال، إذ يقسّم الوجهية إلى أربعة أنماط رئيسة: الإلزامية، والتمنائية، والمعرفية، والإدراكية، ويحدّد لكل نمطٍ علامات لغوية دقيقة تعين الباحث على تمييزها وتحليلها في السياق السردي. ويسهم هذا النموذج في الكشف عن الخصائص الأسلوبية للنصوص الأدبية واستجلاء الأبعاد الدلالية التي تتجلى من خلال البنى اللغوية المتماسكة.
إن الوجهات اللغوية في رواية “هولير حبيبتي” ليست مجرّد أدوات نحوية وأسلوبية، بل تُعدّ آليات دلالية تؤدي دوراً جوهرياً في إيصال الدلالات العاطفية والتاريخية والهوياتية إلى المتلقي. وقد استطاع الكاتب من خلال توظيف طيف متنوّع من الوجهيات: الأمرية التمنّائية، المعرفية والإدراكية، أن تنسجم الرواية مع أجواء المواقف الروائية، وأن ينقل تجربة الشخصيات المعيشة إلى القارئ بصورة مؤثّرة.
رواية ظروف استثنائية
أما في رواية (ظروف استثنائية)، فيظهر الراوي غالباً بوصفه راوياً متكلماً أو راوياً متدخلاً. وفي هذا العمل أيضاً، يتجلى نظام الوجهية في قطبَين: الإيجابي والسلبي، حيث يوظّف الراوي كلاً منهما تبعاً للمواقف السردية والظروف النفسية والاجتماعية للشخصيات.
يعمد التحليل الأسلوبي في هذه الرواية إلى تتبع التراكيب اللغوية التي ترسم “الواقع الاستثنائي”، وتتميز بما يلي: لغة العزلة والتشتت، استخدام الكاتب لتراكيب لغوية تعكس حالة الاغتراب والضياع (مثل لجوء البطل “بهاء” للاختباء في غرفة المركز الثقافي). وتنعكس هذه الحالة لغوياً عبر مونولوج داخلي (تيار الوعي) مليء بالتساؤلات عن المصير والمجهول، استخدام المفردات المفتاحية مثل كلمات: (الشتات، الحلم، القهر، الاستثناء)، لتصبح أدوات بلاغية يربط بها الكاتب بين الأحداث المفاجئة (مثل حادثة القتل في حفل الزفاف) والتغيرات الجذرية في مصائر الشخوص. والتحليل اللغوي لرواية “ظروف استثنائية” يتمحور حول تفكيك “لغة العزلة والواقع المُشتت”. يتميز البناء اللغوي هنا بطبيعة سردية استبطانية تركز على توظيف المونولوج الداخلي، واستغلال الفضاء المكاني المغلق (غرفة المكتبة) كأداة لتصوير حالة “الاغتراب” والتأمل الفلسفي. يلجأ السارد إلى توظيف لغة استرجاعية (الفلاش باك) تعتمد على استدعاء التفاصيل الصغيرة للهروب من قتامة الواقع، وتتحول اللغة في كثير من المواضع إلى ملاذ آمن للبوح وتأمل الذات.
وقع البحث في 273 صفحة باللغة الفارسية، وتمَّت إتاحته للقراءة والتحميل على الرابط https://foulabook.com/ar/book/كتاب-التحليل-اللغوي-لروايتَي-هولير-حبيبتي-وظروف-استثنائية-لعبد-pdf

 

 

 

 

 

 

 

× Zoomed Image
Scroll to Top