أوروبا في قبضة “اقتصاد الحرب”: هل نعيش تكراراً لسيناريو 1914؟

تكبير الصورة

 ئاريان كركوكي

بعد انتهاء الحرب الباردة، ظنت أوروبا أنها طوت صفحة الحروب إلى الأبد، واستبدلت خنادق الجبهات برفاهية الخدمات الاجتماعية، لكن المشهد اليوم تغير جذرياً؛ إذ يطل علينا “شبح عام 1914” من جديد، ليذكّر القارة العجوز بأن التاريخ قد يعيد مآسيه لمن يصر على تجاهل دروسه. ففي سعيها المحموم للاستعداد للنزاع، باتت أوروبا اليوم تقود قاطرة العسكرة العالمية؛ فمن دول الشمال الهادئ كالسويد والنرويج، وصولاً إلى قلب القارة، يُبنى اقتصاد الحرب على أنقاض وعود الرخاء.

هذا المشهد يعيد إلى الأذهان أجواء مطلع القرن العشرين، حين تحولت أوروبا إلى وعاء من الغاز ينتظر شرارة؛ تضخم عسكري غير مسبوق، وتحالفات أمنية معقدة، ونزعة قومية غلفتها أطماع استعمارية. لم تكن الحرب حينها مجرد احتمال سياسي، بل كانت “عقيدة” أدت إلى اندلاع الكارثة بعد رصاصة سراييفو. واليوم، يبدو أننا نعيش صدىً باهتاً لتلك الحقبة؛ فبدلاً من تجنب التصادم، نرى الجميع يتهيأ له، وكأن العالم نسي كيف أغتال ذلك “السلام الهش” أحلام ملايين الشباب في خنادق الحرب العالمية الأولى، ليترك وراءه خرائط ممزقة وملايين الضحايا.

إن هذا “الشبح” لا يحوم في أروقة التاريخ فحسب، بل يطل برأسه من مصانع السلاح الألمانية، التي تحولت من أيقونة للسيارات والتنمية إلى موردٍ لمعدات الدمار تحت شعار “الاستقلالية الصناعية”. إن بناء هذه الترسانات يتم باقتطاع ميزانيات الصحة والتعليم والغذاء، في عالم أنفق العام الماضي نحو 2.4 تريليون دولار على التسلح. وفيما تغرق دول كفرنسا وألمانيا في ديون قياسية، تستمر الحكومات في دفع شعوبها نحو المزيد من التضحيات بذريعة التهديد الروسي، بينما تعاني القارة من فقر مدقع يطال الملايين.

وفي مواجهة هذا الانحراف الخطير، بدأت حركة اعتراضية شعبية تتشكل تحت شعار “أوقفوا العسكرة”، تتهم السلطات باستحضار “روح الحرب” وتخويف الناس للتغطية على الفشل السياسي ودعم لوبيات السلاح. ورغم تبادل الاتهامات بين القادة الغربيين وبوتين حول “بعبع” التهديد الوجودي، يظل الواقع واحداً: سباق تسلح محموم تشارك فيه أميركا والصين واليابان، مما يجعل العالم في حالة تأهب دائم.

إننا اليوم أمام مفترق طرق؛ فهل نحن أمام عصر جديد من الحروب يُبنى على أنقاض إنسانيتنا، أم أننا نعيش صدىً باهتاً لتاريخٍ نأبى أن نتعلم دروسه؟ إن “شبح 1914” يهمس في آذان صناع القرار: إن سباق التسلح ليس ضماناً للأمن، بل هو الطريق الأقصر لإعادة إنتاج الكوارث التي دمرت العالم قبل قرن. فهل من مجيبٍ لنداء التاريخ، أم أن قاطرة العسكرة قد تجاوزت نقطة اللاعودة؟

× Zoomed Image
Scroll to Top