شرفان سيف الدين
يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه القوة هي الانتماء الوحيد، وبكل تأكيد فإن القوة المقصود بها هنا هي القوة بجميع أركانها ومسمياتها وأدواتها وفروعها أي بما معناه القوة (العضلية والعقلية)، ربما كان الإنسان البدائي يعتمد على القوة الفيزيائية لجسده في السيطرة على الأخطار التي تحدق به فكانت القوة البدنية تعتبر هي الأساس في تقييم حالة القوة والضعف، وعليه نجد أن معظم المعارك والصراعات القديمة كانت تعتمد في انتصاراتها على القوة الجسدية والعضلية المترافقة بطبيعة الحال مع العدد أو الكم، لكن مع التطور البشري واكتشاف الإنسان لأدوات الفتك الفعالة وإمكانية القتل أو الصرع عن بعد متل الرماح والسهام والمقلاع بدأت الكفة تتأرجح في ميزان القوة والضعف والربح والخسارة والانتصار والهزيمة هكذا حتى نصل إلى يومنا الحالي من اكتشافات علمية متطورة ودقيقة تتمثل في الأسلحة الذكية والنووية والطائرات والصواريخ…الخ، وتسابق العالم على امتلاكها وتطويرها وبالتالي وضع العالم أجمع على كف عفريت في إمكانية الاستقرار والتعايش السلمي فيما بينهم خاصةً مع النزعة التسلطية داخل الإنسان.
الصراع ما بين التاريخ والجغرافيا من طرف والتطور العلمي من طرف آخر:
إذا ما اعتبرنا أن إيران الحالية هي امتداد للإمبراطورية الفارسية (كما هي تنظر إلى نفسها)، فأن الحرب الحالية مع الغرب ستكون ضروس بلا شك وذلك لأن الفرس والقوميات في المنطقة كانت ومازالت تنظر إلى نفسها على إنها هي الأحق في إدارة هذه الأرض مستندة في ذلك إلى العمق والجذر التاريخي، فالآشوريين مثلاً ينظرون إلى أنفسهم على أنهم الأقدم والأولى بحسب تاريخهم وكذلك الكرد والفرس وهكذا حتى نصل إلى يومنا هذا، لكننا اليوم نشهد عصراً جديداً للإمبراطوريات في العالم المعتمدة على العلم والتكنولوجيا المتطورة والهيمنة بالأشكال الغير مباشرة بدلاً عن الاحتلالات التقليدية، وبالتالي فالولايات المتحدة الأمريكية تنظر إلى نفسها على إنها هي الأحق في إدارة العالم والهيمنة عليه وأن زمن الأيديولوجيات والعقائد الدينية قد مضى عليه الزمن، وهي على هذا الأساس تتحرك وتضع تكتيكيتها القريبة واستراتيجيتها بعيدة المدى، ويضاف لعامل القوة التي تملكها، احتكارها لغزو الفضاء والأرض، كما تنظر إلى نفسها بأنها الوصية على حماية هذه الأرض وخلق نوع من التوازن فيه خاصةً بعد الحرب العالمية الثانية وحالة الفراغ التي شكلته الدول المنتصرة والمنهزمة الخارجتين من الحرب على حد سواء. بكل تأكيد استغلت الولايات المتحدة الأمريكية الفرصة أحسن استغلال وتبين ذلك في شبه استسلام من قبل العالم أجمع وخاصةً الاتحاد السوفياتي المرشح لخلق نوع من التنافس معها وذلك بخلق بعض القلاقل في جبهتي كوبا وفيتنام، ولكن مع الاتفاق على انهاء الحرب الباردة واستسلام القطب السوفياتي وتفككه أصبح مع نهاية القرن الماضي الساحة فارغة ومهيئة تماماً للرأسمالية العالمية بالسيطرة على العالم بشكل أو بآخر.
الحرب الأمريكية – الإيرانية ما بين العلم والعقيدة:
لم يعد خافياً على أحد أن الحرب الدائرة ما بين الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من طرف والجمهورية الإسلامية الإيرانية من طرف آخر هي إلى حد بعيد شبه حرب عالمية، وذلك لما لها من تداعيات على الجميع وتحالفات مبطنة كل طرف حسب مصالحه وغاياته وأهدافه.
الولايات المتحدة الأمريكية تهدف من خلال هذه الحرب وبحسب القراءات التي تتضح للمحللين والمتابعين عدا (ما خفي طبعاً) إلى:
– ضرب اقتصاد التنين الصيني المتنامي والذي يخلق نوعاً من التنافسية مع الاقتصاد الأمريكي من خلال استغلاله للطاقة الشبه مجانية التي يتحصل عليها من إيران مستغلة ومستفيدة من الحصار الدولي عليها بسبب برنامجها النووي.
– زيادة الضغط على أوروبا بعد الحصار والمقاطعة للطاقة الروسية بسبب الحرب الأوكرانية المستمرة والدائرة رحاها.
– الضغط على الدول العربية المطلة على إيران وكسب المزيد من الأموال منهم.
أما إسرائيل فتهدف من هذه الحرب في ترسيخ نفوذها في المنطقة وتوسيعها جغرافياً على حساب تقسيم المنطقة على أسس قومية وعرقية وطائفية جديدة، في مسعى منها (بحسب منظورها طبعاً) إلى تصحيح الأخطاء التاريخية ما بعد الحرب العالمية الأولى، وإعادة هيكلة الجغرافيا السياسية على هذا الأساس.
في حين تحاول إيران استعادة التوازن الدولي وذلك في محاولة منها لحشد وادخال أطراف دولية أقوى في هذه الحرب مثل (روسيا والصين) للمحافظة على مكانتها ومكانتهم التنافسية في وجه الغرب.
الغرب معتمد على العلم في هذه الحرب ويتبين كل ذلك في تحقيق أهدافها بدقة متناهية ابتداءً من العمليات الدقيقة لاغتيال قادة حماس وعلى رأسهم رئيس المجلس التنفيذي إسماعيل هنية في وسط العاصمة الإيرانية طهران، ومن ثم زعيم حزب الله اللبناني حسن نصرالله وهكذا دواليك، حيث تشير المصادر الإسرائيلية إلى تحييد أكثر من 250 قيادي في حزب الله موزعين ما بين الصفوف الثلاثة الأولى للحزب، في حين يعتمد الطرف المقابل على قوة العقيدة في المواجهة ويتبين ذلك من خلال التصريح الأخير لزعيم الحزب نعيم قاسم الذي شدد على أن سلاح الحزب ليس بند أو شرط يمكن التفاوض عليه وأكد على استعدادهم على القتال (كمعركة كربلائية) حسب وصفه في إشارة إلى معركة الحسين بن علي ضد جيش يزيد بن معاوية قبل 1400 عام، والتي يعتبرها المؤرخون على أنها كانت انتحار بسبب عدم تكافئ القوى بينهم. وعليه نستنتج أن إيران وحلفائها مستعدين للانتحار السياسي والعسكري على الاستسلام وهذه تستمد من العقيدة الدينية لا من الواقع السياسي الذي يتحرك ضمن الممكن، فالمفاوضات الجارية حالياً في باكستان هي عملياً مفاوضات بين الحكومة الباكستانية والطرف الإيراني على الورقة المقدمة من الولايات المتحدة الأمريكية أو الأصح تسميتها التوقيع على مذكرة استسلام فقط لا غير، في المقابل فقد أوقعت إيران نفسها في حصار مزدوج عندما لعبت أهم أوراقها والمتمثلة بمضيق هرمز، والتي حاولت من خلالها الضغط على عواصم العالم وذلك بخلق أزمة اقتصادية عالمية لما لهذا الممر من أهمية جيو سياسية واقتصادية عالمية، فكانت الخطوة الأمريكية عبارة عن حصار المحاصر أصلاً لتصبح المنطقة بالتالي تحت رحمة الحصار المزدوج وبذلك تكون إيران قد حاصرت نفسها قبل محاصرة العالم.
هناك حقيقة على الجميع فهمها وهي أن الولايات المتحدة الأمريكية من غير المنطقي الدخول في أي حرب دون استراتيجية واضحة وأهداف مسبقة يجب تحقيقها، وحقيقة أخرى هي أنها دولة مؤسسات وليست دولة أشخاص مهما كانت قوة الرئيس أو صلاحياته (نحن لا نقوم ب بروبوغندا دعائية للولايات المتحدة وهي ليست بحاجة أصلاً) ولكن علينا ان نكون واقعيين في قراءة المشهد ونحن في القرن الواحد والعشرين، ونقرأ الحاضر كما يجب أن يقرأ لا أن نقرأه بعين الماضي والبكاء على الأطلال وأننا كنا أصحاب مجد وإمبراطوريات وتاريخ، بكل تأكيد أن التاريخ مهم وكما يقول الفيلسوف والشاعر الإسباني جورج سانتايانا (من لا يقرأ التاريخ محكوم بتكراره)، لكن الواقعية ومعايشة المرحلة لما هي موجودة أفضل بكثير من إضاعة كل شيء.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=86602
مقالات قد تهمك











