التضحية بالأكراد: كيف تخلت الدول الغربية عن حلفائها الأبطال المناهضين لـ “داعش” مقابل المصلحة السياسية

تكبير الصورة

* نيك كوسوفان

في مارس 2019، رفعت قوات سورية الديمقراطية (قسد) علمها فوق ركام الباغوز، في نصر رمزي أشادت به العواصم الغربية باعتباره انهياراً لنظام الإرهاب التابع لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. ولكن خلف البيانات الصحفية البراقة، بقيت الحقيقة بشأن أولئك الذين صمدوا وأولئك الذين فقدوا أرواحهم في الصراع بين عامي 2014 و2019 طي الكتمان.

لم تكن أقدام الجنود الأمريكيين أو الأوروبيين على الأرض هي التي تمشط غبار الصحراء، بل كان الشبان والشابات الكرد، القتال جنباً إلى جنب مع المسيحيين السريان المحليين والآشوريين وأبناء العشائر العربية السنية، معتمدين على العمل الميداني الشاق والشديد القسوة من بيت إلى بيت، وهو العمل الذي كانت الجيوش الغربية تفتقر إلى الشجاعة والرغبة في تنفيذه بنفسها.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

وكان ثمن ذلك النصر، الذي منح الغرب مظهراً من مظاهر الأمن، هو تقديم أكثر من 11,000 مقاتل كردي وحليف أرواحهم أثناء قتال “داعش”، مضحين بأنفسهم لحماية ما يُسمى بـ “العالم الحر”، ليتم التخلي عنهم لاحقاً في الصحراء. ونقلت الدول الغربية، بما في ذلك واشنطن والدول الأوروبية، مسؤولية احتجاز عشرات الآلاف من أسرى الجهاديين المتمرسين إلى الأكراد لأنها كانت تفتقر إلى الإرادة السياسية لإعادة مواطنيها المتطرفين إلى أوطانهم. ويجسد هذا الترتيب النفاق الغربي: دَع الأكراد ينزفون من أجل الأمن الغربي اليوم، ثم غُضَّ الطرف عندما يأتي أعداؤهم الإقليميون للقضاء عليهم غداً.

وبالانتفال سريعاً إلى أغسطس 2026، نجد أن الحكم الذاتي في “روجافا” (غرب كردستان) – ذلك الملاذ الديمقراطي المستقل الذي تم اقتطاعه من شمال سوريا التي مزقتها الحرب ودُفع ثمنه بالدماء – قد تم تفكيكه بشكل ممنهج. وهذه المنطقة، التي كانت تُدار رسمياً من قبل “الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا” (DAANES) – وهي إطار إداري علماني ولا مركزي أعطى الأولوية بشكل صريح لقيادة المرأة، والتعددية العرقية، وحق تقرير المصير المحلي – لم تعد موجودة الآن. فبعد أن حوصرت الإدارة الذاتية بين فكي كبّاشة من الغارات الجوية الأجنبية المتواصلة، والمطالب العدائية من دمشق، والضغط الدبلوماسي الغربي في الكواليس، تم حلها رسمياً. وتَمَّ تجريد قوات الدفاع الذاتي من السلاح، واستيعاب مؤسساتها داخل الحكومة المركزية السورية.

يكشف هذا الاستسلام القسري عن نمط قسوة متكرر في السياسة الخارجية الغربية. فكما جندت واشنطن المقاتلين من قومية “همونغ” في لاوس ثم تخلت عنهم واستخدمتهم كدروع خلال الحرب الباردة، تواصل الدول الغربية تكرار النهج نفسه القائم على “إلقائهم مجدداً للذئاب” في الشرق الأوسط. وعندما تحتاج الدول الغربية إلى تنفيذ مهمة قذرة، فإنها تعتبر الشركاء الأبطال العلمانين أمراً لا غنى عنه. ولكن عندما يتراجع التهديد، يصبح هؤلاء الحلفاء أنفسهم عبئاً غير مريح، مما يدفع الدبلوماسيين الغربيين إلى التفاوض سريعاً مع أي نظام يُعاد تسويقه ويعد بتحقيق السيطرة المركزية.

استثمار الدماء والتحالف المستهلك

كان التحالف الغربي مع قوات سورية الديمقراطية دائماً زواج مصلحة غير متكافئ. فعندما اجتاح تنظيم “داعش” العراق وسوريا، واستولى على الموصل، وهدد المصالح الغربية، وزعزع الاستقرار على أعتاب حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كانت واشنطن بحاجة ماسة إلى قوة محلية موثوقة تمتلك العزيمة الحقيقية على الأرض. واستجاب الأكراد للدعوة؛ فقاتلوا حياً تلو الآخر في معارك دموية عبر كوباني والرقة والدير الزور، وفي الوقت نفسه بنوا نموذج حكم رائد يتأسس على الديمقراطية المباشرة، والمساواة بين الجنسين، والتعددية العلمانية.

ومع ذلك، وبمجرد أن تراجع التهديد المباشر لتنظيم “داعش”، عادت الأولويات الغربية لتتحول نحو المصالح الذاتية المحسوبة.

ولم يكن التخلي مفاجئاً، بل جاء تدريجياً. ففي عام 2018، غزت تركيا – وهي دولة حليفة في الناتو – منطقة عفرين الخاضعة لسيطرة الأكراد، مما أجبر مئات الآلاف من المدنيين على الفرار لإفساح المجال للميليشيات المتطرفة. وبحلول أكتوبر 2019، أمر الرئيس دونالد ترامب بشكل مفاجئ بسحب القوات الأمريكية بعد مكالمة هاتفية واحدة مع الرئيس التركي أردوغان. وادعى ترامب أن الانسحاب كان لإعادة إنهاء “حرب لا نهاية لها” وتوفير المال، لكنه أعطى الضوء الأخضر عن علم لتركيا لمهاجمة الشركاء المحليين للولايات المتحدة والتحالف الغربي على الأرض.

وبحلول أواخر عام 2026، توقف المبعوثون الغربيون عن الوقوف مكتوفي الأيدي بينما كانت مؤسسات “روجافا” الذاتية تُفكك لإرضاء سلطات الدولة المركزية والقوى الإقليمية. وكانت الرسالة الأساسية هي: الدم الكردي كان ضرورياً لسحق الإرهابيين، لكن الحكم الذاتي الكردي كان إزعاجاً دبلوماسياً.

إعادة تسويق الأيديولوجيا المتطرفة

لعل الجانب الأكثر إثارة للقلق في هذا إعادة التموضع الجيوسياسي هو السرعة التي تبنت بها العواصم الغربية أمراء الحرب بعد إعادة تسويقهم، على حساب حلفائها العلمانيين.

وفي مركز حملة تلميع الصور هذه تقف شخصيات مثل أحمد الشرع. وتحت اسمه الحركي السابق “أبو محمد الجولاني”، قاد الشرع “جبهة النصرة” – الفرع الرسمي لـ “القاعدة” في سوريا – وقاد لاحقاً “هيئـة تحرير الشام”، وهي جماعة مسلحة صُممت في الفرن الأيديولوجي نفسه الذي خرج منه تنظيم “داعش”.

إن قيام سماسرة السلطة الغربيين الآن بتودد القادة المتطرفين السابقين لمجرد أنهم استبدلوا الزي العسكري ببدلات رسمية أنيقة، يكشف عن ازدواجية معايير صارخة: التطرف ليس هو العائق في السياسة الخارجية الغربية؛ بل العصيان هو العائق.

إن الاستعداد السريع من جانب واشنطن لرفع تصنيفات الإرهاب والترحيب الحار بأمراء الحرب السابقين يسلط الضوء على نفاق متكرر. فتغيير المظهر الخارجية – مثل تهذيب اللحى، وارتداء البدلات الغربية، واستخدام لغة دبلوماسية – لا يمحو الأيديولوجيا الجوهرية للشخص. ومع ذلك، يتقبل الدبلوماسيون الغربيون بلهفة هذه التغييرات السطحية باسم النظام المركزي، بينما يطالبون بالاستسلام الكامل من القوات الكردية التي قضت دهراً وهي تتلقى الرصاص لإيقاف هؤلاء المتطرفين أنفسهم.

التنازلات الورقية مقابل الحكم الذاتي الهيكلي

يسلط المبررون الغربيون الضوء على اللفتات الرمزية من دمشق، مثل الاعتراف الرسمي بالحقوق اللغوية الكردية، واستعادة الجنسية، والمراسيم الرسمية التي تحتفي بعيد “نوروز”. لكن هذه التنازلات الورقية تُعد صفقة رخيصة ومحبطة إلى حد الإهانة. فالخبر على الورق في دمشق لا يعوض عن التدمير المتعمد للمؤسسات الحية ذاتية الحكم، ولا يحمي السكان عندما تتغير الرياح السياسية، كما ستتغير حتماً.

في دولة أمنية مركزية، فإن الحقوق اللغوية والفتات الثقافي الممنوح بموجب مرسوم لا يضمنان الأمن الجسدي. وبدون قدرات عسكرية مستقلة أو هياكل فيدرالية قابلة للتطبيق تحت مظلة الإدارة الذاتية (DAANES)، تُترك الأقليات الإقليمية – بما في ذلك الأكراد والمسيحيين والدروز والعلاويين – بلا أي حماية أمام انتقام الدولة وعنف الميليشيات المحلية. إن تصفية قوات سورية الديمقراطية لم تجلب الاستقرار؛ بل دمرت الرادع الموثوق الوحيد ضد الديكتاتورية المركزية في شمال سوريا.

الشيء السائد والأعم

إن ما حدث لـ “روجافا” والإدارة الذاتية في أغسطس 2026 يتجاوز الحدود الإقليمية؛ إنه تحذير متكرر لأي حليف مستقبلي ساذج بما يكفي ليثق بالوعود الغربية. فمن خلال التخلي عن الأشخاص أنفسهم الذين سحقوا تنظيم “داعش” لإرضاء الأهواء الفورية لأمراء الحرب الاستبداديين في الشرق الأوسط، يبعث القادة الغربيون برسالة إلى مقاتلي الحرية في كل مكان لا ينبغي نسيانها: إن الموت من أجل الأمن الغربي يكسبك امتتناناً حاراً طالما أن الرصاص يتطاير، لكن أولئك المقاتلين يصبحون متوفرين وقابلين للتضحية بمجرد أن ينجلي الدخان.

إن تدمير “روجافا” يؤكد الحاجة إلى التحدي والمطالبة بإعادة النظر في الأخلاق السطحية للدبلوماسية الغربية. فالاستقرار الإقليمي المستدام لا يمكن أن يأتي على حساب التضحية بالديمقراطيات التعددية الحيوية لإرضاء المستبدين. ومن خلال التداول بالتجربة العلمانية للإدارة الذاتية مقابل مكاسب سياسية قصيرة الأجل، لم يؤمن القادة الغربيون السلام؛ بل أثبتوا الثمن القاتل الذي يدفعه الحلفاء المحليون عندما تُعامل الالتزامات الغربية كعملة رخيصة يمكن الاستغناء عنها.

نيك كوسوفان، يكتب عن علم النفس البشري وما يجول في خاطره من تورونتو. يمكنك متابعة نيك على تويتر وإنستغرام: NKossovan@

المقالة الأصلية باللغة الانكليزية تجدونها هنا

Sacrificing the Kurds: How the West Traded Heroic Anti-ISIS Allies for Political Convenience

 


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top