ئاريان كركوكى
غالباً ما تثير قرارات انسحاب القوات الأمريكية من مناطق النزاع صخباً سياسياً وإعلامياً كبيراً، يراوح بين احتفالات رسمية بالسيادة وخطاب النصر، وبين هواجس عميقة حول الفراغ الأمني ومصير الحلفاء. وما بين الرغبة الأمريكية في إنهاء “الحرب الأبدية” وتوجيه البوصلة نحو الأولويات الجيوسياسية الكبرى كمنافسة القوى الكبرى، تبرز تساؤلات جوهرية حول حقيقة هذه الانسحابات: هل هي هزيمة وفشل، أم إعادة تموضع استراتيجي؟ وهل نجحت واشنطن يوماً في تحقيق طموحات الشعوب التي تدخلت فيها، وما مصير الكورد والعراق اليوم في ظل هذه التحولات؟
تدرج تاريخ الانسحابات الأمريكية. سجل من التباينات والاستنزاف لم يكن الوجود العسكري الأمريكي نمطاً واحداً عبر العصور، بل تنوعت ظروفه وأسبابه ونتائجه وفق تسلسل تاريخي واسع
كوبا 1898 – 1902 واستمرار غوانتانامو: دخلت القوات الأمريكية كوبا إثر الحرب الإسبانية الأمريكية وأدارت البلاد عسكرياً، ثم أخلت المدن الكوبية عام 1902 ومنحتها الاستقلال الشكلي بعد فرض “تعديل بلات” الدستوري، مع الاحتفاظ بقاعدة غوانتانامو، وحيث تباينت النتائج بين الهيمنة الاستراتيجية والاضطراب السياسي، فقد فشلت في أداء مهامها وانسحبت جزئياً.
الفلبين 1898 – 1946 ثم إغلاق القواعد 1992: بدأ الوجود باحتلال واستعمار مباشر بعد الحرب الإسبانية الأمريكية لبسط النفوذ في آسيا، وتحول لاحقاً لقواعد عسكرية كبرى أثناء الحرب الباردة، وانتهى بانسحاب تام وإخلاء القواعد عام 1992 نتيجة تنامي المشاعر القومية ورفض البرلمان الفلبيني تجديد المعاهدات، حيث فشلت في أداء مهامها وانسحبت.
نيكاراغوا 1912 – 1933: تدخل واحتلال استمر أكثر من عقدين من مشاة البحرية المارينز لحماية المصالح الاقتصادية، وانتهى بالانسحاب عام 1933 تحت ضغط المقاومة المسلحة العنيفة وارتفاع التكلفة بالتزامن مع “الكساد الكبير”، حيث فشلت في أداء مهامها وانسحبت.
جمهورية الدومينيكان 1916 – 1924: احتلال عسكري مباشر استمر 8 سنوات للسيطرة على الشؤون المالية والديون، وانتهى بالانسحاب وتسليم السلطة لحكومة محلية تحت ضغط الرفض الشعبي والدبلوماسي، حيث فشلت في أداء مهامها وانسحبت.
الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945: شهدت أضخم انتشار عسكري تاريخي لتحرير أوروبا ودول المحور؛ حيث سحبت واشنطن قواتها القتالية بالكامل من الدول المحررة بعد تسليم السيادة لحكومات وطنية مستقرة، بينما تحولت القوات في ألمانيا اليابان تدريجياً عبر انسحاب تدرجي منظم إلى قواعد استراتيجية دائمة لحفظ الأمن الدولي، وحيث أُنجزت الأهداف الكبرى بامتياز، فقد نجحت في أداء مهامها وانسحبت أو أعادت تموضعها بنجاح.
فيتنام الستينيات – 1973: تدخلت واشنطن لكبح المد الشيوعي في آسيا، وانتهى الأمر بانسحاب قسري وانهيار سريع لسايغون عام 1975 تحت وطأة الضغط الشعبي والخسائر الهائلة، حيث فشلت في أداء مهامها وانسحبت.
لبنان 1982 – 1984: دخلت قوات حفظ السلام الأمريكية للإشراف على انسحاب منظمة التحرير واستقرار بيروت، لكنها انسحبت بسرعة عام 1984 على إثر العمليات التفجيرية المدوية ضد قواعدها، حيث فشلت في أداء مهامها وانسحبت.
بنما 1989 – 1999: تدخل عسكري للإطاحة بنظام نورييغا وتأمين القناة، أعقبه انسحاب منظم ومبرمج بعد تسليم السيادة بالكامل بموجب الاتفاقيات الثنائية، وحيث حقق التدخل غايته المبرمجة بدقة، فقد نجحت في أداء مهامها وانسحبت.
الصومال 1992 – 1994: بدأت كمهام إنسانية بحتة لحماية المساعدات، لكنها تحوّلت إلى مستنقع أمني انتهى بانسحاب سريع ومفاجئ إثر “معركة موغديشو” وصدمة الخسائر البشرية، حيث فشلت في أداء مهامها وانسحبت.
البوسنة والهرسك 1995: تدخل حاسم لإنهاء الحرب الطائفية، تبعه تحول تدريجي وهادئ من القوات القتالية إلى بعثة حفظ سلام أوروبية ودعم مؤسساتي دائم أفضى لاستقرار المنطقة، حيث نجحت في أداء مهامها وانسحبت جزئياً.
أفغانستان 2001 – 2021: غزو شامل للقضاء على القاعدة وحركة طالبان رداً على أحداث 11 سبتمبر، انتهى بانسحاب فجائي صيف 2021 وما رافقه من انهيار دراماتيكي للدولة والمؤسسات العسكرية، حيث فشلت في أداء مهامها وانسحبت.
العراق وسوريا منذ 2003 و2014: تدخلات متعددة المراحل لمحاربة الإرهاب وتحقيق الاستقرار، لا تزال تعاني من أزمة تأرجح القوات، ضغط الفصائل المسلحة، وهواجس الفراغ الأمني المستم
مفهوم الانسحاب في العقيدة السياسية الأمريكية
خلافاً لما يُعتقد شعبياً، لا يعني “الانسحاب” الأمريكي بالضرورة هزيمة استراتيجية. ففي الأدبيات الاستراتيجية للبنتاغون وواشنطن، يُنظر إلى الانسحاب أحياناً على أنه أداة نجاح وإصلاح للمسار عندما تصبح التكلفة الاقتصادية والبشرية لوجود عسكري معين باهظة مقارنة بالمكاسب، أو عندما تظهر تهديدات عالمية أضخم تستدعي إعادة توجيه الأولويات نحو التنافس مع القوى الكبرى. كما تعتمد الاستراتيجية الأمريكية أحياناً على تقليص الوجود المباشر والاعتماد على حلفاء محليين أقوياء لحماية المصالح المشتركة مع الاحتفاظ بنفوذ دبلوماسي واستخباراتي. بيد أن الانسحاب يتحول إلى كارثة حقيقية وفشل ذريع إذا لم يُبنَ على تسوية مؤسساتية راسخة، أو إذا ترك الدولة رهينة لفراغ أمني تملؤه الفصائل والميليشيات المسلحة على حساب سيادة الدولة ومؤسساتها الرسمية، تماماً كما شهدنا في محطات سابقة وكما يُخشى في المشهد العراقي.
هل نجحت أمريكا في تحقيق طموحات الشعوب التي تدخلت فيها؟
من الناحية الاستراتيجية البحتة، لم تدخل الولايات المتحدة أي دولة بهدف تحقيق طموحات الشعوب أو رعاية الرفاه المحلي، بل دخلت دائماً لدفع المصالح القومية الأمريكية وحدها، سواء عبر حماية الأمن القومي، تأمين مصادر الطاقة، منع الأعداء الجيوسياسيين من التمدد، أو مكافحة الإرهاب. ومع ذلك، يبرز التاريخ تقاطعات مثيرة حيث تلاقت مصلحة واشنطن أحياناً مع تطلعات السكان المحليين، كما حدث في حماية الكورد في العراق عبر فرض منطقة الحظر الجوي منذ عام 1991، أو إنهاء الحرب الدامية في البوسنة، حيث وجد السكان في الغطاء الأمريكي مظلة نجاة مؤقتة. لكن هذه المصلحة ما تفتقر للثبات؛ فما إن تنتهي الحاجة الاستراتيجية للبيت الأبيض حتى تتخلى الإدارات الأمريكية دون تردد عن حلفائها المحليين، مما يثبت أن الرهان الدائم على الحماية الخارجية المطلقة دون بناء مناعة ذاتية ومؤسسات وطنية قوية يظل رهانًا محفوفاً بالمخاطر القاتلة.
ماذا بعد الانسحاب في العراق.. ومصير الكورد تحت مظلة التاريخ؟
إذا انتقلنا بالعدسة إلى المشهد العراقي الحالي، فإن أي انسحاب أو تراجع أمريكي مرتقب يفتح الباب أمام أسئلة مصيرية خطيرة، لا سيما على إقليم كردستان الذي يرتبط تاريخياً بالرعاية الأمنية الأمريكية منذ تسعينيات القرن الماضي. لقد وفر “خط العرض 36” ومنطقة الحظر الجوي الملاذ الآمن الذي بنيت على أساسه التجربة الدستورية والكيانية للإقليم، واستمر هذا الارتباط عبر الوجود العسكري للتحالف الدولي بعد عام 2014. اليوم، ومع تصاعد الضغوط السياسية والميدانية لخروج القوات الأمريكية وتأجيل حسم ملف الفصائل المسلحة، تعيش حكومة إقليم كردستان ووزارة البيشمركة هاجساً حقيقياً يتمثل في غياب نظام دفاعي كافٍ ومنظومة حماية متكاملة في مواجهة تهديدات الفصائل والفراغ المحتمل. إن تجربة التاريخ واضحة؛ الكورد في العراق وعموم الدولة العراقية أمام مفترق طرق حاسم، فالانسحاب الأمريكي إن لم يُدار عبر تسوية سياسية شاملة وحصر حقيقي للسلاح بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية، بما فيهم قوات البيشمركة كجزء من المنظومة الأمنية للبلاد، فلن يكون مجرد حدث عسكري عابر، بل قد يدفع المنطقة بأسرها نحو دوامة جديدة من الفراغ والاختبارات الوجودية القاسية.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






