الثامن من آب… يومٌ انتصر فيه البيان وبكى الوطن…

تكبير الصورة
فرست عبدالرحمن مصطفى

 

في الثامن من آب، لا أستطيع أن أتذكر “بيان البيانات” بوصفه بياناً عسكرياً أو خطاباً سياسياً عابراً.

 

أتذكره كصفحة أخرى من صفحات وطنٍ تعلّم أن يسمع كلمة انتصار بينما كانت عيناه تريان الهزيمة.

 

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.
كان البيان يتحدث بلغة عالية منتشية بالنصر وعن البطولة والمجد والصمود… بينما كانت خلف تلك الكلمات عائلاتٌ تعدّ أبناءها الغائبين وأمهات يخبئن صور موتاهم في صدورهن وبيوت اغلقت أبوابها لأن أصحابها لم يعودوا إليها.

 

كان الصوت في المذياع يقول “انتصرنا” وكانت الأرض تقول “من دفع الثمن”؟

 

تلك هي مأساة الأنظمة الشمولية حين تعجز عن صناعة الانتصار في الواقع فتصنعه في البيانات.

 

وحين تتراكم الخسائر تكثر من الكلمات. وحين يكثر الموت يزداد الحديث عن المجد. وحين يعجز الوطن عن الوقوف وتُرفع راية الانتصار فوق جسده المنهك.

 

ومنذ الرابع عشر من تموز 1958 تعاقبت الأنظمة والوجوه والبيانات، لكن شيئاً واحداً بقي ثابتاً وهو ان السلطة تعلن انتصاراتها والشعب يدفع فواتيرها.

 

بيانات تتحدث عن السيادة فيما المواطن يبحث عن الأمان.
بيانات تتحدث عن الكرامة فيما المواطن يبحث عن لقمة الخبز.
بيانات تتحدث عن المستقبل فيما أجيال كاملة استيقظت ذات صباح لتجد أن مستقبلها قد سُرق منها.

 

كم من مرة قيل للعراقيين إنهم انتصروا؟
وكم مرة نظر الأب إلى وجه ابنه فلم يعرف أين ذهب ذلك الانتصار؟
كم مرة رفعت السلطة صوتها فوق صوت الناس حتى أصبح صراخ الجائعين أقل ارتفاعاً من مكبرات الخطاب؟

 

والمأساة الأشد إيلاماً أن هذه الحكاية لم تكن حكاية قوم ضد قوم. لا… ولم تكن مأساة العرب وحدهم ولا مأساة الكورد وحدهم.

 

كانت مأساة الإنسان العراقي العربي والكوردي، المسلم والمسيحي، ابن المدينة وابن القرية…

 

كلهم عرفوا طعم الخوف وكلهم عرفوا الانتظار، كلهم دفنوا أحبة وكلهم بعد كل تلك العقود، وجدوا أنفسهم أمام السؤال ذاته ماذا بقي لنا؟

 

منذ ستة وثلاثين عاماً في كوردستان تعاقبت مراحل وشعارات واحتفالات وبيانات، وتحدثنا كثيراً عن الإنجازات والانتصارات والتضحيات.

 

لكن خلف كل تلك العناوين هناك إنسان بسيط ما زال يستيقظ كل صباح ليسأل عن راتبه وعن عمله وعن سعر الخبز وعن مستقبل أولاده.

 

إنسانٌ لم يعد يريد خطابا عن المجد بل يريد حياةً كريمة. يريد أن يضع الخبز على مائدة أطفاله دون أن يشعر أنه يخوض معركةً جديدة كل يوم.

 

وهنا تكمن المفارقة الأكثر مرارة، شعبٌ قدّم كل تلك التضحيات وما زال قسمٌ كبير منه يركض خلف قطعة خبز.

 

أيُّ انتصارٍ هذا؟ وكيف يمكن لوطنٍ أن يتغنى بالنصر بينما أمٌّ تقسم رغيفها بين أطفالها؟
كيف يمكن أن نتحدث عن الرفاه والازدهار، بينما شابٌ يحمل شهادته تحت ذراعه ويجوب الشوارع بحثاً عن عمل؟
كيف نقول إننا انتصرنا إذا كان المواطن ما زال يخشى الغد أكثر مما يحلم به؟

 

إن أخطر ما تفعله السلطة حين تكرر لغة الانتصار أنها تجعل الشعب يعتاد على الخسارة.
يعتاد الفقر ويعتاد الانتظار ويعتاد الفساد ويعتاد أن يرى أبناءه يغادرون البلاد بحثاً عن حياة أفضل.

 

ثم يأتي البيان فيقول له “اصبر… لقد انتصرنا”.
لكن الجائع لا يأكل البيان والأم لا تعانق البيان والشاب لا يبني مستقبله بالبيان… لا، ولا الشعب يعيش على التصفيق.

 

الشعب يريد وطناً يشعر فيه أن التضحيات التي قدمها لم تذهب إلى جيوب السلطة وأن دماء الذين رحلوا لم تكن مجرد وقود لصعود آخرين إلى الكراسي.

 

في الثامن من آب ربما علينا أن نقلب السؤال.
لا نسأل ماذا قالت السلطة في بيانها؟

 

بل نسأل ماذا يقول الوطن اليوم؟
الوطن الذي فقد أبناءه.
الوطن الذي أُنهكت مدنه.
الوطن الذي تشظى بين الحروب والانقلابات والاقتتال والحصار والفساد.

 

الوطن الذي كبر فيه الأطفال قبل أوانهم لأن آباءهم كانوا مشغولين بتأمين الخبز بدل صناعة الأحلام.

 

الوطن الذي ما زال فيه العربي والكوردي رغم اختلاف الجراح والذاكرة يقفان في الطابور نفسه أمام الحياة…

 

ينتظران الراتب نفسه والخبز نفسه والمستقبل نفسه.
لقد تغيرت الأنظمة وتغيرت الشعارات وتغيرت الوجوه…
لكن المواطن ما زال هو المواطن والجائع ما زال جائعاً والفقير ما زال فقيراً.
والأم ما زالت تخاف على ابنها والشاب ما زال يسأل هل أرحل أم أبقى؟
فربما لم تكن مشكلتنا يوماً في نقص البيانات بل في كثرتها.
لم تكن مشكلتنا في غياب الخطابات بل في غياب الحقيقة.
لم نكن بحاجة إلى سلطةٍ تجيد إعلان الانتصار بل إلى سلطةٍ تملك شجاعة الاعتراف بالفشل.
لأن الاعتراف بالخسارة ليس هزيمة، الهزيمة الحقيقية أن تخسر ثم تكذب على شعبك وتقول له إنك انتصرت.
الهزيمة الحقيقية أن يموت الإنسان من أجل وطن ثم يكتشف أن الوطن لم يتعلم من موته.

 

والهزيمة الأكبر أن يظل الشعب بعد كل هذه العقود من الدم والتضحيات يركض خلف قطعة خبز.

 

في الثامن من آب لا أريد أن أتذكر البيان باعتباره انتصاراً.
أريد أن أتذكره باعتباره سؤالاً مفتوحا في وجه التاريخ، كم من الخسارات نحتاج حتى نتوقف عن تسميتها انتصارات؟
وكم من الأجيال يجب أن تدفع الثمن حتى نفهم أن الوطن لا يُبنى بالبيانات ولا بالتصفيق ولا بالشعارات؟

 

الوطن يُبنى حين لا ينام طفل جائعاً. حين لا يموت شابٌ بحثاً عن مستقبل. حين لا تضطر أمٌّ إلى تقسيم رغيفها بين أبنائها.
حين يشعر العربي والكوردي أن دماءهما لم تكن مجرد أرقام في دفاتر التاريخ.
وحين يصبح الإنسان اخيرا أهم من البيان.

 

ففي الثامن من آب، ربما انتصر البيان… لكن السؤال الذي ما زال يطاردنا حتى اليوم هل انتصر الوطن؟
أم أننا ومنذ عقود كنا نسمع صوت الانتصار من مكبرات الصوت…
بينما كان الشعب وبصمتٍ موجع يركض خلف رغيف الخبز؟

× Zoomed Image
Scroll to Top