فرست عبدالرحمن مصطفى
في السياسة وخصوصاً في منطقتنا هناك من يقرأ أسماء الأشياء أكثر مما يقرأ ما وراءها. فإذا تغيّر الاسم ظنّ أن القوة اختفت، وإذا حُذفت كلمة من بيان سياسي أقام لها مجلس عزاء وكأن جيشاً كاملاً قد تبخّر!
إعلان الجنرال مظلوم عبدي إعادة ترتيب قوات سوريا الديمقراطية ودمجها ضمن مؤسسات الأمن والجيش السوري يمكن أن يُقرأ عند البعض بوصفه تنازلاً أو تراجعاً عن الهوية الكوردية. لكن السياسة ليست مسابقة في الاحتفاظ بالأسماء ولا تُقاس الانتصارات بعدد الشعارات التي تبقى معلّقة على الجدران.
السؤال الحقيقي ليس هل بقي اسم قوات سوريا الديمقراطية؟
بل، ماذا بقي من القوة وأين بقيت ومن يملك قرارها وما الذي تستطيع فعله لحماية أهلها؟
إذا كانت هذه الخطوة تضمن بقاء المقاتلين والقوة العسكرية والأمنية داخل مؤسسات الدولة السورية وتحافظ على خصوصية المنطقة وحقوق أهلها، فإن شطب الاسم من الورق لا يعني شطب القوة من الواقع. فالاسم لافتة أما الأفراد والسلاح والخبرة والموقع الجغرافي والتوازنات السياسية فهي جوهر القوة.
والأهم أن هذه الخطوة قد تكون قد سحبت من تركيا واحدة من أهم الذرائع التي طالما استخدمتها للتدخل العسكري والسياسي في غرب كوردستان، كما أنها تضع دمشق أمام اختبار مختلف، فإذا أصبحت هذه القوات جزءاً من المؤسسة السورية فما المبرر لمعاملتها كجسم غريب أو كقوة خارجة عن الدولة؟
وهنا تبدأ المفارقة الساخرة.
بعض الذين يرفعون أصواتهم اليوم دفاعاً عن “الاسم الكوردي” لم نسمع منهم طوال أكثر من ثلاثة عقود مشروعاً جدياً لتوحيد القوات الكوردية التي تُقدَّر بمئات الآلاف! لم يستطيعوا أن يجعلوا من تلك القوة العظيمة جيشاً واحداً، ثم يأتون اليوم ليحاكموا جنرالاً خاض حرباً حقيقية وسقط إلى جانبه ألآلاف، لأن كلمةً تغيّرت في اتفاق سياسي.
يبدو أن توحيد البنادق أصعب من توحيد التعليقات على مواقع التواصل!
مظلوم عبدي ليس سياسياً يجلس خلف مكتب ويحسب المعركة بعدد الإعجابات. الرجل يعرف أن كل قرار عسكري وسياسي له ثمن، ويعرف أيضاً أن بقاء قوة كوردية مؤثرة داخل المعادلة السورية أهم من الاحتفاظ باسم قد يتحول إلى ذريعة لحرب جديدة.
ربما لا يكون الاتفاق مثالياً وربما تحمل المرحلة المقبلة مخاطر حقيقية، ومن حق الكورد أن يسألوا ويقلقوا ويناقشوا ويطالبوا بالضمانات. لكن الفرق كبير بين النقد المسؤول وبين تحويل كل مناورة سياسية إلى خيانة وكل تغيير في الاسم إلى جنازة قومية.
في السياسة أحياناً تتراجع خطوة في العلن كي تمنع خصمك من التقدم عشر خطوات في الواقع.
والجنرال عبدي الذي عاش الحرب ورأى دماء آلاف المقاتلين، ليس من السذاجة بحيث يفرّط بكل ذلك لمجرد أن اسماً تغيّر.
فلنترك قليلاً حزنَ اللافتات ولننظر إلى مضمون الاتفاق وموقع القوة بعده وحقوق الكورد التي يمكن تثبيتها على الأرض.
فقد يكون الاسم قد تغيّر… لكن السؤال الأهم، هل تغيّر ميزان القوة؟
وهنا فقط يبدأ النقاش الحقيقي.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






