د. محمود عباس
كيف كانت ستبدو إيران اليوم لو لم تحكمها ولاية الفقيه؟
وربما كانت الجامعات هي النفط الحقيقي
إيران الحالية ليست مجتمعًا عديم التعليم. على العكس، تمتلك قاعدة علمية وتعليمية مهمة، وهذا بالذات ما يجعل الفارق المحتمل أكثر إيلامًا.
حرية الأكاديميا والتعبير ما تزال مقيدة؛ وقد وثقت تقارير 2026 فصل أساتذة وتقييد الطلاب والرقابة على الصحافة والإنترنت. وتحصل إيران على 10 من 100 فقط في مؤشر الحرية و13 من 100 في حرية الإنترنت.
تخيل بدل ذلك جامعة طهران وشريف وأمير كبير وأصفهان وشيراز وهي مفتوحة على MIT وStanford وأكسفورد وطوكيو وسيول، والشركات الإيرانية تتعامل بحرية مع Nvidia وGoogle وSiemens وSamsung والشركات الدوائية والمختبرات العالمية.
في اقتصاد يبلغ ثلاث تريليونات دولار وأكثر، لو استثمرت إيران فقط 2–3% من الناتج في البحث والتطوير، لكنا نتحدث عن 50 إلى 100 مليار دولار سنويًا للجامعات والتكنولوجيا والعلوم.
عندها كان يمكن أن تكون طهران اليوم من مراكز الذكاء الاصطناعي والطب والهندسة والطاقة والبتروكيماويات في آسيا، بدل أن يقضي الباحث الإيراني جزءًا من طاقته في تجاوز العقوبات والحظر الإلكتروني أو التفكير في الهجرة.
وحتى مؤشر التنمية البشرية كان سيحكي قصة أخرى.
إيران حققت رغم كل شيء مؤشر تنمية بشرية يقارب 0.799 وفق بيانات 2023، وهو ما يضعها في المرتبة 75 عالميًا. وهذه بحد ذاتها شهادة على الإمكانات البشرية للمجتمع الإيراني رغم ظروفه. لكن كوريا الجنوبية وصلت إلى 0.937 والمرتبة العشرين، وتركيا إلى 0.853.
في المسار البديل، لا أجد من المبالغة تصور إيران اليوم عند 0.88–0.93، أي ضمن فئة التنمية البشرية المرتفعة جدًا، مع خدمات صحية أقوى، وأجور أعلى، وطبقة وسطى أوسع، ومشاركة نسائية أكبر، ومدن أفضل تجهيزًا.
حتى أزمة الماء كان يمكن أن تكون مختلفة.
ليس من الإنصاف تحميل نظام ولاية الفقيه تغير المناخ أو جغرافية إيران الجافة. كانت إيران ستواجه أزمة ماء في أي نظام.
لكن الفرق هو كيف تُدار الأزمة.
الدولة الغنية التي لم تنفق عقودًا في العزلة والصدام كان يمكن أن تستثمر عشرات المليارات في تحلية مياه الخليج، وإعادة استخدام مياه الصرف، والري بالتنقيط، وتقليل المحاصيل الشرهة للمياه، وإعادة تأهيل شبكات المدن وحماية المياه الجوفية.
بدل أن تصل الأمور إلى أزمة هددت إمدادات طهران نفسها، كان يمكن أن يصبح الماء مجالًا للتكنولوجيا والاستثمار.
إذن حتى الطبيعة ليست قدرًا كاملًا؛ نوعية الدولة تحدد مقدار ما يتحول من الأزمة الطبيعية إلى كارثة بشرية.
إيران التي كان يمكن أن تكون
وعند جمع الصورة كلها يصبح الاحتمال مذهلًا:
إيران منتجة لـ5–6 ملايين برميل نفط يوميًا؛ قوة غاز وLNG عالمية؛ اقتصاد بين 2.3 و3.7 تريليون دولار في تقديري المتوسط؛ دخل فردي بين 25 و40 ألف دولار؛ تضخم منخفض نسبيًا؛ عشرات الملايين من السياح؛ موانئ ومطارات عابرة للقارات؛ طبقة وسطى واسعة؛ مشاركة نسائية مرتفعة؛ جامعات تستقطب العلماء بدل تصديرهم؛ ومدن مثل طهران وأصفهان وشيراز ومهاباد وتبريز تنافس أهم المراكز الثقافية والاقتصادية في آسيا.
وليس مستبعدًا في السيناريو الأكثر نجاحًا أن تكون إيران اليوم من الدول المتقدمة الأولى في آسيا، وربما من بين القوى الاقتصادية العشر الكبرى عالميًا.
وليس لأنها إيرانية، ولا لأن لها تاريخًا إمبراطوريًا، ولا لأن شعوبها أذكى من الشعوب الأخرى.
بل لأنها كانت تملك منذ البداية تقريبًا كل العناصر التي تحتاج إليها دولة كي تصبح قوة كبرى، السكان، التعليم، النفط، الغاز، المعادن، الأرض الزراعية، الموقع، البحر، التاريخ، المدن، السوق، والهوية الحضارية.
كان ينقصها شيء واحد،
دولة تجعل هذه الموارد في خدمة الإنسان، بدل أن تجعل الإنسان والموارد في خدمة العقيدة.
وهنا، في تقديري، تقع أكبر خسارة أحدثها نظام ولاية الفقيه. لم يبدد فقط جزءًا من الثروة التي كانت موجودة؛ بل بدد الثروة التي لم تُخلق أصلًا.
فالنفط الذي لم يُستخرج يمكن استخراجه يومًا، والمصنع المدمر يمكن إعادة بنائه، وحتى العملة يمكن إصلاحها.
أما سبعة وأربعون عامًا من النمو والاستثمار والعلم والتراكم الحضاري التي لم تحدث، فلا يمكن استعادتها بقرار سياسي.
وهذه ربما هي الفاتورة الأكبر التي تركتها أيديولوجية «تصدير الثورة»: ليست فقط إيران التي نراها اليوم، بل إيران الأخرى التي كان يمكن أن نراها… ولم تولد.
الولايات المتحدة الأمريكية
3/8/2026 م
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






