الدم الكوردي والخذلان العراقي المزمن

مهند محمود شوقي

ليس أكثر قسوة من أن يُستباح دم شعب، ثم يُطلب منه لاحقًا أن يثق بمن صمتوا وهم يشاهدونه ينزف. في التجربة الكوردية الحديثة، لم يكن القتل وحده هو الجريمة، بل كان الصمت العام عنها شريكًا كامل الأهلية فيها. فمن الأنفال إلى حلبجة، ومن المقابر الجماعية إلى قطع رواتب الموظفين، ومن حصار الإقليم إلى حملات التشويه الإعلامي، ظلّ الدم الكوردي يُسال أمام أعين الجميع، بينما كانت السياسة تمارس طقوس البراءة من المسؤولية، وكأن المأساة قدر جغرافي لا فعل سياسي.

خلال سنوات الدكتاتورية، لم يكن الكورد وحدهم في مواجهة النظام، فقد شاركتهم قوى المعارضة العراقية الوقوف بوجه آلة القمع، ورفعت معهم شعارات العدالة والدولة والمواطنة. غير أن المفارقة المريرة بدأت بعد سقوط النظام، حين انتقلت المعارضة من موقع الضحية إلى موقع السلطة، لتتبدّل المعايير، ويُعاد تعريف الشراكة، وتتحول الحقوق الدستورية للكورد من استحقاق وطني إلى ملف تفاوضي، ومن ضمان قانوني إلى ورقة ضغط سياسية. هنا لم يعد الخلاف حول النصوص، بل حول الاعتراف الحقيقي بحق الآخر في أن يكون شريكًا لا تابعًا.

الدستور العراقي لعام 2005، الذي أُقرّ باستفتاء شعبي واسع، نصّ بوضوح على الفيدرالية، وعلى حقوق إقليم كوردستان، وعلى تقاسم السلطات والثروات ضمن إطار الدولة الواحدة. غير أن هذا النص، بدل أن يكون قاعدة استقرار، تحوّل إلى ساحة تأويلات متناقضة، يُتفق صباحًا على تطبيقه ويُختلف مساءً على تفسيره، لا بدافع قانوني، بل وفق مزاج التوازنات السياسية وتحولات السلطة. وهكذا أصبح تعطيل الدستور ممارسة طبيعية، وأصبح الالتفاف على الشراكة الدستورية جزءًا من الثقافة السياسية السائدة في بغداد، لا استثناءً عنها.

لم يتوقف الأمر عند التعطيل الصامت، بل تطوّر إلى حملة منظمة لتشويه تجربة إقليم كوردستان، ليس بوصفها تجربة حكم محلي قابلة للنقد والتقويم، بل بوصفها خطرًا سياسيًا يجب تطويقه وإضعافه. عشرات القنوات الفضائية، ومئات المحللين، ومنصات إعلامية ممولة بعناية، اشتغلت لسنوات على تحويل كل إخفاق في العراق إلى اتهام جاهز للإقليم، وكل أزمة مركزية إلى مادة للتحريض ضد الكورد، وكل نجاح تحققه أربيل إلى تهديد يجب تقويضه. لم يكن هذا نقدًا سياسيًا مشروعًا، بل صناعة رأي عام يقوم على الشك والكراهية والاشتباه الدائم في النيات.

الأكثر إيلامًا أن بعض هذه الحملات لم تكتفِ بتشويه الإقليم، بل دعمت صراحة خصومه من أبناء جلدته، ليس بدافع الإصلاح، بل بدافع إضعاف التجربة ذاتها، وكأن المطلوب ليس تصحيح المسار، بل كسر النموذج. في هذا السياق، لم تعد المنافسة سياسية، بل تحولت إلى معركة وجود رمزية: إما أن تنجح كوردستان بوصفها تجربة فيدرالية قابلة للحياة، أو يُحكم عليها بالفشل كي يُثبت المركز أن اللامركزية وهم، وأن الشراكة مخاطرة، وأن الدولة لا تُدار إلا بمنطق السيطرة لا التوافق.

ومع كل ذلك، ظلّ الدم الكوردي حاضرًا في المشهد، لا بوصفه ذكرى بعيدة، بل كواقع متكرر بأشكال مختلفة. من ضحايا الأنفال وحلبجة الذين وثّقت جرائمهم تقارير الأمم المتحدة والمحاكم العراقية ذاتها، إلى سياسات العقاب الجماعي التي طالت موظفي الإقليم بقطع الرواتب لسنوات طويلة، في مخالفة صريحة لمبدأ المواطنة المتساوية وللنصوص الدستورية التي تؤكد حق كل عراقي في الأجر والخدمات دون تمييز. ثم جاءت حوادث الاغتيال والعنف السياسي في الإقليم ومحيطه لتضيف طبقة جديدة من الألم، مثل مأساة بيشرو دزيي وابنته ژينة، التي لم تكن مجرد حادثة أمنية، بل مؤشرًا على هشاشة البيئة السياسية حين يُترك العنف بلا محاسبة، ويُختزل الدم في بيانات تعزية باردة.

المفارقة الأشد قسوة أن القوى السياسية في بغداد، حين تختلف، تختلف على كل شيء تقريبًا، لكنها حين تتفق، كثيرًا ما تتفق على كوردستان. وحين تتصالح مرحليًا، يكون ذلك غالبًا على حساب حقوق الإقليم، وحين تتصارع، يكون ميدان الصراع أرضه أو موارده أو حصته المالية. وكأن كوردستان تحولت إلى مساحة اختبار دائمة لنظرية سياسية خطيرة مفادها أن “الضرورات تبيح المحظورات”، وأن وحدة الدولة يمكن حمايتها بانتهاك أسسها الدستورية، وأن الاستقرار يمكن صناعته عبر تأجيل الحقوق لا عبر ضمانها.

غير أن المشكلة الأعمق لا تكمن فقط في السياسات، بل في الذهنية التي ترى في الشراكة تهديدًا لا فرصة، وفي الفيدرالية خطرًا لا صيغة إنقاذ، وفي التنوع عبئًا لا ثروة. هذه الذهنية هي التي جعلت من الدم الكوردي مادة صالحة للنسيان السريع، ومن الحقوق الدستورية موضوعًا للمساومة، ومن الالتزام بالقانون ترفًا سياسيًا قابلًا للتعليق عند أول أزمة. وهي ذاتها الذهنية التي جعلت من الصمت على الظلم موقفًا سياسيًا، ومن الحياد في القضايا الأخلاقية مشاركة غير معلنة في الجريمة.

ورغم كل ذلك، لم يكن مشروع الكورد يومًا مشروع انفصال عن العراق، بل مشروع شراكة داخل الدولة، يقوم على الاعتراف المتبادل، وعلى احترام الدستور، وعلى بناء نموذج حكم محلي مستقر قادر على المساهمة في استقرار البلاد ككل. وقد أثبتت تجربة الإقليم، رغم إخفاقاتها وأزماتها، أنه أكثر مناطق العراق قدرة على حفظ التوازن الاجتماعي، وجذب الاستثمار، وتوفير حد أدنى من الاستقرار المؤسسي، مقارنة بمحيط وطني يعاني من هشاشة مزمنة في الدولة والخدمات والأمن. غير أن هذا النجاح النسبي، بدل أن يُقرأ بوصفه فرصة تعميم، جرى التعامل معه بوصفه استثناء يجب تحجيمه.

ويبدو ان السؤال الحقيقي اليوم ليس لماذا غضب الكورد، ولا لماذا يشعرون بالخذلان، بل لماذا تصرّ الدولة العراقية، بنخبها السياسية والإعلامية، على إعادة إنتاج علاقة الشك بدل بناء علاقة الثقة، وعلى إدارة التعدد بدل استثماره، وعلى معاقبة الشراكة بدل مكافأتها. لماذا لا يُنظر إلى كوردستان بوصفها ركيزة في استقرار العراق لا عبئًا عليه، وبوصفها نموذجًا في إدارة التنوع لا خطرًا على وحدة البلاد؟

الدم الكوردي لم يكن يومًا تفصيلًا في التاريخ العراقي، بل كان دائمًا اختبارًا أخلاقيًا له. وكل مرة يفشل فيها هذا الاختبار، لا يُصاب الكورد وحدهم، بل يُصاب معنى الدولة ذاته. فالدولة التي لا تحمي مواطنيها بالتساوي، ولا تصون دماءهم وحقوقهم دون تمييز، ليست دولة أزمة مؤقتة، بل دولة خلل بنيوي. وما لم يُعاد الاعتبار إلى الشراكة الدستورية الحقيقية، وإلى احترام الفيدرالية بوصفها عقدًا سياسيًا لا منّة مؤقتة، وإلى العدالة بوصفها أساس الاستقرار لا نقيضه، فإن الدم سيظل أبلغ من كل البيانات، والصمت سيظل أعلى صوتًا من كل الشعارات.

في العراق، لم تكن المشكلة يومًا في النصوص، بل في الإرادة. ولم تكن الأزمة في الدستور، بل في من قرأوه بوصفه ورقة تفاوض لا عقد دولة. ولم يكن الخطر في كوردستان، بل في من خافوا من نجاحها أكثر مما خافوا من فشل العراق. ولهذا بالضبط، سيبقى الدم الكوردي سؤالًا مفتوحًا في ضمير الدولة، ما لم تتحول السياسة من إدارة الأزمات إلى صناعة العدالة، ومن توازن المصالح إلى توازن الحقوق، ومن الصمت على الجريمة إلى الاعتراف بها ومنع تكرارها.

 

Scroll to Top