شرفان سيف الدين
لا شكّ أنّ الأيام المقبلة كفيلة بتوضيح الصورة بشكل أفضل حول مدى التنازلات التي قدّمتها ما تسمّى الحكومة السورية الجديدة أو السلطة المؤقّتة بقيادة أبو محمد الجولاني سابقاً وأحمد الشرع حالياً، وتوضيح أنّ التحالف مع الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب لا يعني بالضرورة التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنّ التحالف معه ربح قصير وخسارة طويلة، وكذلك قادم الأيام كفيلة بإثبات أنّ رسم السياسة الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية تتمّ بدقة وسرّية متناهية، وأنّ ما يجري حالياً في معظم أرجاء العالم – خاصةً في الشرق الأوسط – مرسوم على أقلّ تقدير منذ أكثر من خمسة عشر عاماً أو حتى عقدَين من الزمن، وإن لم يكن بهذه الدقّة والتفاصيل، فعلى الأقل من خلال الخطوط العريضة التي يعمل عليها لإرجاعها للمسار الذي يمكن ضبطه وعدم خروجه ممّا هو مرسوم له أساساً، وجعل كل الأمور تحت السيطرة الأمريكية وفي خدمتها.
أبرز السيناريوهات والمخطّطات الجديدة في المنطقة:
مع توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ميثاق مجلس السلام العالمي برئاسته، بات التحدّي بينه وبين المؤسسات العالمية مثل الأمم المتحدة، ومجلس الامن، وحلف الناتو وغيرها على أشدّه، فدونالد ترامب اليوم هو في تحدٍّ سافر مع كل شخص يخالفه الرأي، وتسلّط مباشر مع كل دولة تنافسه، خاصةً في الجانب الاقتصادي، ويمكننا تأكيد كل ما سبق في استبعاده لكل كادره الرئاسي في فترته الأولى، من النائب مايك بنس، ووزير خارجيته بومبيو.. والقائمة تطول، والتعويض عنهم بشخصيات أقلّ تأثيراً بحيث لا يكون في فريقه أي صوت يغرّد خارج سياسته المزاجية، كل هذا الانتقام الشخصي والتسلّط الربحي برز على هذه الشخصية الهلامية الغامضة بعد خسارته الأولى لمنصب الرئيس لدورتين متتاليتين على المدى البعيد، وكذلك خسارته لجائزة نوبل للسلام على المدى القريب؛ فوجود هكذا شخصية في أعلى هرم للسلطة في أقوى دولة في العالم يزيد من إرباك العالم كلّه، وعليه يصعب تحليل الواقع السياسي والاقتصادي عالمياً ومناطقياً.
في الشرق الأوسط يلعب المال العربي الخليجي دوراً رئيسياً في رسم ملامح المنطقة وتغيير خرائطها الجغرافية، معتمداً على الاستفادة العظمى من وجود شريك قوي يمكن شراؤه بالمال، كمثال بسيط وبحسب بعض التقارير الصحفية والتسريبات الاستخباراتية فإنّ الملف السوري على سبيل المثال لا الحصر تكلفته تريلون دولار أمريكي، وذلك لإيصال هذه الفئة الإسلامية الراديكالية إلى السلطة، وتحقيق معظم الأهداف، وتوقيع أكبر عدد من الاتفاقيات عن طريقها، لفتح الباب أمام بعض الدول العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، وتعبيد الطريق أمامها لأي مشاريع تطبيع مستقبلية مع إسرائيل دون أي حرج أمام باقي الدول العربية.
لم تتوقّف المشاريع في هذه المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وبقيت جغرافية الشرق الأوسط تتجاذب ضمن هذه الخطط والمشاريع، منها ما نُفِّذ ومنها ما بقي حبيس الأدراج ولم تخرج عن نطاق أنّها بقيت مشاريع، واليوم أيضاً نجد كثافة في هذه المشاريع؛ فمثلاً:
– مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير وتعديلاته المتلاحقة.
– مشروع دمج غرب كردستان (روج افا) مع جنوب كردستان (بأشور) مع شرق كردستان (روجهلات) في حال إسقاط النظام الإيراني الحالي بعد الضربة الأمريكية المتوقّعة في الوقت القريب أو القريب نسبياً.
– دمج سُنّة سوريا مع سُنّة العراق والانتهاء من الصراع السُّنّي الشيعي والفصل بينهم كل في دولة.
– دمج شيعة العراق مع شيعة إيران وخلق مضادّ طائفي قوي من قم وكربلاء في مواجهة مكة والمدينة.
– ضمّ شمال غرب سوريا إلى تركيا على غرار لواء إسكندرون كجائزة ترضية مؤقّتة لها.
– ضمّ الساحل السوري إلى لبنان الكبير بعد اقتطاع الجنوب اللبناني والسوري وضمهما لإسرائيل.
– ضمّ كامل الشمال السوري إلى تركيا كنوع من تطبيق للميثاق الملّي وإعطاء الكرد حقوقهم على نموذج شبيه بالحكم الذاتي.
– مشروع نقل سكان غزة لسوريا وتوطينهم على غرار مخيّمات اليرموك والنيرب إبان عام 1948م.
والقائمة تطول في هذا السياق. بطبيعة الحال وفي ظل وجود رئيس أمريكي مثل دونالد ترامب، يمكننا القول أنّه لا شيء مستحيلاً مع وجود الهيمنة الاقتصادية والسياسية وانتهاك حرمة البلاد، كما حصل مع الرئيس الفنزويلي (مادورو) وخرق جميع المواثيق والعهود والقوانين الدولية. خاصةً أنّ طبول الحرب تُقرع على أبواب الجمهورية الإيرانية، فالتحرّك الأخير في سوريا ما هو إلّا تجهيز مسبَق لاجتياح برّي للعراق في حال اقتضت الضرورة لمقارعة الحشد الشعبي الشيعي، كآخر ذراع إقليمي قويّ لإيران في المنطقة والدرع الأخير على قلاع إيران المباشرة، وما التوافق العراقي الأخير على ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء إلّا خير دليل على تصعيد مبطّن من قبل الساسة في العراق، والاصطفاف مع الجمهورية الإيرانية. وبطبيعة الحال لا يمكننا هنا نكران أنّ التغيير قد يطال تركيا أيضا وإن طالت المدة أو قصرت؛ فمعروف للجميع أنّ تركيا ليست أقوى من إيران في الفترة الحالية، ولكن ربما يكون هذا التغيير صعباً نوعاً ما في الفترة الترامبية الحالية.
البنادق المأجورة في المنطقة:
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أيلول عام 2001م في الولايات المتحدة الأمريكية ودخولها المباشر على خط مكافحة الإرهاب العالمي، بحسب المنظور الأمريكي وقيادته بنفسها في كل من أفغانستان والعراق، والقضاء على السلطات والقيادات والدكتاتوريات المتحكّمة في بعض الدول، وبعد إعادة التقييم لهاتين التجربتين في الدخول المباشر والاجتياح الجغرافي المباشر حاولت الولايات المتحدة الأمريكية تعديل استراتيجيتها في الهيمنة العالمية، والتأكيد على ضرورة إعادة النظر في هذه السياسة بشكل أدقّ بعد تقييم حرب يونيو تموز عام 2006م، ما بين إسرائيل وحزب الله في الجنوب اللبناني، ففي تقييم أوّليّ للمندوب السامي الأمريكي للعراق (بول بريمر) يقول في مذكّراته أنّ الخطأ الاستراتيجي للاجتياح الأمريكي في العراق كان في هدم البيروقراطية المؤسساتية والدوائر الحكومية والهرمية الوظيفية، في اعتراف رسمي له أنّ المحافظة على هيكلية الدولة والتعديل عليها أفضل بكثير من إعادة بنائها من الصفر.
يمكن تقديم الحالة السورية في الوقت الحاضر كمثال حيّ على ما سبق، فنظام حزب البعث الحاكم في سوريا ظل قائماً بتوافقات دولية بحتة، وهذه حقيقة واضحة لكل المتابعين والمحلّلين والمهتمّين بهذا الملف، لكن عندما سقطت ورقة التوت عن النظام السوري السابق لم يكلّف على القائمين على هذا الملف فترة زمنية سوى أحد عشر يوماً فقط لإسقاطه، بشكل رسميّ طبعاً، لكن إجراءات وتحضيرات المشهد تمّت بعناية ودقّة متناهية في الغرف السوداء الغربية، خاصةً البريطانية، وبتمويل خليجي بحت كما ذكرنا سابقاً، لرسم ملامح الشرق الأوسط الجديد ما بعد سايكس – بيكو ولوزان؛ وهذا ما ذكره عرّاب أو ممثّل ترامب الشخصي في المنطقة (توم براك) أكثر من مرّة.
لم يعد خافياً على أحد أنّ وصول أو إيصال الحكومة السورية المؤقّتة الحالية إلى سدّة الحكم هو قرار دولي وإقليمي متّفق عليه؛ وذلك لتنفيذ عدّة مهام يجب عليه تنفيذها دون قيد أو شرط، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
– القضاء من خلاله على حليف استراتيجي لإيران، والمتمثّل في حزب البعث بعد إثبات عدم إمكانية ترويضه عربياً.
– القضاء من خلال ذلك على الجغرافية الواصلة والطرقية ما بين المركز والحلفاء في لبنان (حزب الله).
– ترسيخ فكرة أمن إسرائيل بعد تعزيز قبضتها على المناطق الجغرافية الاستراتيجية على حدودها الشمالية (مرتفعات جبل الشيخ).
– تعهّداتها بتوقيع الاتفاقيات الرسمية وترسيخ السلام في المنطقة وانضمامها للدول غير المعادية للسامية.
– مشاركتها في الفرز الجغرافي لسوريا وتقسيماتها الجديدة ما بين قومية كردية في الشمال، وسُنّية عربية في الوسط، وعلوية عربية في الساحل والغرب، ودرزية في الجنوب.
دسّ سمّ التخوين في عسل الوطنية، والمطلوب حالياً من الكرد:
الهجمة البربرية ضدّ القومية الكردية، وحصر القضية الكردية في قوات سوريا الديمقراطية ما هي إلّا لذرّ الرماد في العيون أمام مرأى المنظمات الحقوقية العالمية ومنظمات حقوق الإنسان، وخلق شرخ بين مكوّنات المجتمع السوري، والقومية الكردية والعربية، كل ذلك يتبيّن من خلال الهجمة الإعلامية وتشديد خطاب الكراهية تجاه فئة بذاتها، ومحاولة خلق نوع من القلاقل داخل المجتمع المدني في شمال وشرق سوريا (روجافا)، والتعاطي مع ملف قوات سوريا الديمقراطية على أنّه ملف خاص بعيد عن حقوق المجتمع الكردي ومتطلّباته خلال أكثر من نصف قرن، كل ما تقدّمه الحكومة المؤقّتة الحالية من مناصب، كنائب وزير الدفاع، ومحافظ الحسكة، والاعتراف بأحقية الحصول على المواطنة الكاملة والحقوق الثقافية واللغوية وغير ذلك؛ ربّما كانت تفوق أحلام أو مطالب الكرد قبل الخامس عشر من مارس آذار 2011م، لكنّها بكل تأكيد تُعَدّ أقلّ بكثير ممّا هو مطلوب اليوم، خاصةً بعد كل هذه التضحيات التي قدّمها الكرد خلال خمسة عشر عاماً الماضية، والتي تفوق ربّما النضال السياسي الذي قدّمته مجموع الحركة السياسية الكردية طوال عمرها، خاصة أنّهم روّوا هذا التراب بدماء أولادهم وفلذات أكبادهم من أجل العالم وبالنيابة عنه؛ وذلك بالقضاء على أعتى تنظيم إرهابي مرّ على التاريخ الحديث، والذي يبدو أنّه يُعيد تشكيل نفسه من العدم حالياً، خاصةً مع تهيئة الظروف المادية والموضوعية والمكانية لذلك. الوحدة الكردية التي ظهرت منذ بداية العام الحالي مع بدء الهجمات على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية لم يظهر منذ فترة طويلة، وبالتوازي مع مناصرة الكرد في المغترب في كافة أصقاع العالم وتضامنهم مع كرد الداخل، مترادفاً مع التحرّك الكردي الداخلي في أجزاء كردستان الأربعة، ربما يُعَدّ كل هذا التحرّك بمثابة إشارة قوية للضغط على جميع دول العالم في إيجاد حلّ عادل للقضية الكردية كشعب، والقضية الكردستانية كجغرافية، وعليه وفي المحصلة النهائية تبيّن للقاصي والداني ولجميع القيادات الكردية أنّه لابديل عن التكاتف الكردي – الكردي.
NRLS
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=83083






