ماهين شيخاني
كلما دخلت المنطقة أزمة جديدة، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة:
“هل سيرفع الكورد السلاح؟”
لكن هذا السؤال، في اللحظة الراهنة، يحتاج إلى سؤال آخر يسبقه:
“ماذا سيحدث للكورد بعد انسحاب القوات الأميركية والتحالف الدولي من العراق وإقليم كوردستان.؟”
فالولايات المتحدة تستكمل في 30 أيلول/سبتمبر 2026 انسحاب قواتها من العراق، بما في ذلك إقليم كوردستان، بعد أكثر من عقدين من الوجود العسكري الأميركي، وبذلك تنتهي المرحلة الحالية من مهمة التحالف الدولي ضد داعش داخل العراق.
الانسحاب بحد ذاته ليس هو المشكلة.
فالعراق دولة ذات سيادة، ومن الطبيعي أن يعمل على بناء منظومته الأمنية والعسكرية المستقلة.
لكن المشكلة الحقيقية تكمن في “اليوم التالي”:
ماذا سيحدث عندما تغادر القوة التي كانت توفر جزءاً مهماً من الردع والدفاع الجوي والاستخبارات والدعم اللوجستي، بينما لا تزال المنطقة تعيش توتراً إقليمياً حاداً، ولا تزال بعض الفصائل المسلحة خارج السيطرة الكاملة للدولة، ويستمر القلق من عودة نشاط داعش؟
وهنا تحديداً يفهم قلق الكورد.
ليس لأنهم يحبون السلاح.
بل لأنهم يعرفون ماذا يمكن أن يحدث عندما يختفي الردع.
أولاً: ليس الخوف من الانسحاب… بل من الفراغ
لقد كان الوجود الأميركي في العراق طوال السنوات الماضية جزءاً من منظومة أمنية أكبر من مجرد وجود جنود في قواعد.
وفي إقليم كوردستان تحديداً، لعب الوجود الأميركي والتحالف الدولي دوراً في التدريب والدعم والاستخبارات والدفاع ضد داعش، كما وفرت أنظمة الدفاع الجوي الأميركية طبقة حماية مهمة خلال الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيّرات.
ومع انتهاء موعد الانسحاب، أُزيلت بالفعل منظومات دفاع جوي أميركية من مواقع قرب هولير، وفق تقارير صحفية، في وقت كان الإقليم يتعرض فيه لهجمات متكررة.
ثم جاءت وزارة البيشمركة لتعلن بوضوح أن الإقليم تعرض خلال الأشهر الأخيرة لأكثر من ألف هجوم بالصواريخ الباليستية والمسيّرات، وأن مغادرة القوات الأميركية والتحالف من دون توفير منظومة دفاع جوي مصدر قلق. وفي الوقت نفسه أكدت الوزارة أن حماية أجواء الإقليم تقع ضمن مسؤولية الحكومة الاتحادية باعتبارها جزءاً من المجال الجوي العراقي.
إذن القضية ليست:
“هل يريد الكورد بقاء الأميركيين إلى الأبد؟”
بل:
“هل توجد منظومة بديلة قادرة على سد الفراغ الذي سيتركه الانسحاب؟”
وهذا فرق كبير.
ثانياً: لماذا يخاف الكورد من «اليوم التالي»؟
لأن الذاكرة الكوردية لا تقرأ الأحداث كأرقام فقط.
الكورد يتذكرون ماذا حدث عندما غاب التوازن.
ويتذكرون داعش.
ويتذكرون شنكال.
ويتذكرون هجمات الصواريخ والمسيّرات.
ويتذكرون أيضاً أن كثيراً من القوى المسلحة في المنطقة لا تنظر إلى قوة كوردية مؤسساتية باعتبارها مجرد قوة أمنية محلية.
وهذا القلق ليس بلا أساس سياسي.
ففي آب/أغسطس 2026، أعلنت كتائب حزب الله العراقية، وهي فصيل مدعوم من إيران، شروطاً مرتبطة بنزع سلاح الفصائل، شملت المطالبة بحل قوات البيشمركة، إلى جانب مطالب أخرى تتعلق بانسحاب القوات الأميركية والتركية.
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية:
“إذا كان بعض الفاعلين المسلحين لا يزالون يحتفظون بسلاحهم، بل يربطون التخلي عنه بشروط تتضمن حل البيشمركة، فلماذا يُفترض أن يكون القلق الكوردي مجرد مبالغة؟”
ليس المطلوب تحويل هذا السؤال إلى اتهام جماعي لكل العراق أو لكل القوى الشيعية.
لكن من الضروري الاعتراف بأن “هناك خطاباً وضغوطاً سياسية وأمنية تستهدف وضع السلاح الكوردي وموقع البيشمركة بعد الانسحاب الأميركي.”
وهذه حقيقة لا يجوز تجاهلها.
ثالثاً: المفارقة التي تقلق الكورد
هنا تظهر المفارقة الأكثر وضوحاً.
هناك حديث واسع عن ضرورة أن يكون السلاح حصراً بيد الدولة.
وهذا، من حيث المبدأ، مبدأ طبيعي في أي دولة.
لكن عندما يُطرح هذا المبدأ، يجب أن يُطبق على الجميع.
لا يمكن أن تكون النتيجة:
“سلاح البيشمركة أولاً، وسلاح الفصائل الأخرى لاحقاً.”
ولا يمكن أن تكون:
“حل القوة الكوردية، مع بقاء قوى مسلحة أخرى قادرة على التأثير في القرار الأمني والسياسي.”
وإذا كان العراق يريد فعلاً دولة قوية ذات قرار أمني موحد، فالمعيار يجب أن يكون واحداً:
“لا قوة مسلحة فوق الدولة، ولا قوة مسلحة خارج القانون، ولا قوة حزبية تُعامل باعتبارها استثناءً دائماً.”
وهنا تصبح مأسسة البيشمركة وتوحيدها جزءاً من الحل، لا جزءاً من المشكلة.
فالبيشمركة ليست مطالبة بأن تبقى قوة حزبية متفرقة.
والطريق الطبيعي هو أن تصبح قوة مؤسساتية ضمن النظام الدفاعي العراقي، مع الحفاظ على الحقوق الدستورية لإقليم كوردستان.
رابعاً: الكوردي لا يريد السلاح… لكنه لا يريد الفراغ
وهذه هي الفكرة التي أعتقد أنها يجب أن تكون قلب المقال كله.
“الكوردي لا يحب السلاح.”
لقد دفع ثمنه غالياً.
السلاح بالنسبة إلى الكوردي ليس مجرد قطعة حديد.
إنه ذاكرة حرب.
وهو رفيق قبر.
وهو ابنٌ لم يعد.
وبيتٌ لم يعد قائماً.
وقرى هجّرها الخوف.
لكن عندما يرى الكوردي أن قوة الردع تغادر، وأن الدفاع الجوي يغادر، وأن الفصائل الأخرى لا تزال مسلحة، وأن الخطاب السياسي تجاه البيشمركة يصبح أكثر تشدداً، فمن الطبيعي أن يسأل:
“من سيحمينا إذا حدث الأسوأ؟”
وهنا يصبح حمل السلاح “اضطراراً، لا حباً.”
وهذه نقطة يجب ألا تُفهم خطأ.
الكوردي لا يقول:
«أريد الحرب.»
بل يقول:
“لا أريد الحرب، لكنني لا أريد أن أكون أعزل إذا فُرضت عليّ.»”
وهناك فرق أخلاقي وسياسي هائل بين الجملتين.
خامساً: الانسحاب الأميركي لا يعني تلقائياً هجوماً على الكورد
من المهم هنا ألا نقع في المبالغة.
انسحاب الولايات المتحدة لا يعني بالضرورة أن هجوماً على إقليم كوردستان سيبدأ في اليوم التالي.
كما أن انتهاء المهمة العسكرية للتحالف لا يعني انهيار الدولة العراقية.
بل إن بغداد أعلنت أنها تعمل على بناء قدرات دفاعية جديدة، وأنها تسعى إلى شراء منظومات دفاع جوي يمكن أن تحمي المجال الجوي العراقي، بما فيه إقليم كوردستان.
لكن المشكلة أن “المرحلة الانتقالية نفسها تحمل مخاطر.”
وحتى وزارة البيشمركة، رغم قلقها، لم تدعُ إلى الانفصال عن منظومة الدفاع العراقية؛ بل قالت بوضوح إن حماية أجواء الإقليم مسؤولية الحكومة الاتحادية، وأكدت استمرار التنسيق بين البيشمركة والجيش العراقي.
وهذا موقف مهم.
لأنه يقول:
“نريد الحماية داخل الدولة، لا خارجها.”
لكننا نريد حماية حقيقية، لا مجرد نصوص.
سادساً: الخطر ليس في الانسحاب وحده… بل في الفراغ الذي قد يليه
التاريخ القريب يقدم سبباً للحذر.
فبعد الانسحاب الأميركي السابق من العراق عام 2011، دخل العراق مرحلة أمنية وسياسية مضطربة، وساهم ضعف البيئة الأمنية لاحقاً في صعود داعش، الذي اجتاح مساحات واسعة من العراق وسوريا عام 2014.
لا يعني ذلك أن التاريخ سيكرر نفسه بالطريقة ذاتها.
لكن الدرس واضح:
“عندما تنسحب قوة كبيرة من منطقة مضطربة، فإن السؤال الأهم ليس لماذا غادرت، بل من سيملأ الفراغ الذي تتركه؟”
واليوم توجد ثلاثة مخاطر متداخلة:
أولاً: احتمال زيادة نفوذ القوى الإقليمية داخل العراق.
ثانياً: استمرار وجود فصائل مسلحة يصعب دمجها أو ضبط قرارها بالكامل.
ثالثاً: بقاء خطر داعش، حتى لو أصبح أقل من ذي قبل.
وقد حذرت تقارير حديثة من احتمال زيادة النفوذ الإيراني ومن مخاطر استمرار نشاط الخلايا الجهادية بعد الانسحاب الأميركي.
وهذه المخاطر لا تخص الكورد وحدهم.
لكن الكورد يشعرون أنهم قد يكونون من أكثر الأطراف تعرضاً لنتائج أي خلل في التوازن.
سابعاً: التجييش ضد الكورد… الخطر الذي يجب ألا نستهين به
هناك فرق بين “التحليل الأمني ” وبين “التجييش السياسي”.
وقد يكون التجييش أخطر أحياناً من الصاروخ؛ لأن الصاروخ يستهدف موقعاً، بينما الخطاب التحريضي يستطيع أن يصنع عدواً في وعي المجتمع.
ولهذا فإن ما يجب أن يخشاه الكورد ليس فقط أن تُهاجم مواقعهم.
بل أن تتحول مرحلة ما بعد الانسحاب إلى مناسبة لإعادة إنتاج خطاب يقول:
“البيشمركة مشكلة.”
“الوجود الكوردي المسلح مشكلة.”
“إقليم كوردستان مشكلة.”
“والحل هو إعادة كل شيء إلى المركز بالقوة.”
هذا النوع من الخطاب يجب مواجهته سياسياً، لا بسلاح آخر.
فالرد الصحيح ليس أن نقول:
“سنرفع السلاح ضد الجميع.”
بل أن نقول:
“نريد دولة عادلة لا تحتاج فيها مكونات العراق إلى حماية نفسها من بعضها.”
إذا كان العراق يريد وحدة حقيقية، فعليه أن يجعل هذه الوحدة قائمة على الدستور والمؤسسات والشراكة، لا على الخوف.
ثامناً: السلاح الكوردي بين الضرورة والمأسسة
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
إذا كان السلاح ضرورة في مرحلة ما، فلا ينبغي أن يتحول إلى قدر دائم.
وإذا كانت البيشمركة ضرورة تاريخية وأمنية، فلا ينبغي أن تبقى أسيرة الانقسام الحزبي.
والخطوة التي أُعلن عنها في 21 أيلول/سبتمبر 2026، والمتعلقة باكتمال توحيد قوات البيشمركة تحت مظلة وزارة البيشمركة ودمج الوحدتين 70 و80 ضمن هيكل موحد، يمكن قراءتها في هذا السياق: “تحويل القوة من واقع مرتبط تاريخياً بتعدد المراكز الحزبية إلى مؤسسة دفاعية أكثر توحيداً.”
وهذا لا يلغي التحديات، لكنه يوضح الاتجاه الذي ينبغي أن تسير فيه الأمور.
فالكورد لا يحتاجون إلى عشرات البنادق المتفرقة.
“يحتاجون إلى مؤسسة واحدة، وقرار واحد، وقانون واحد، ومرجعية واضحة.”
وهذا هو الفرق بين قوة تحمي المجتمع وقوة تتنافس على المجتمع.
تاسعاً: ماذا يريد الكورد بعد الانسحاب؟
إذا أردنا أن نضع المطالب الكوردية في إطار عقلاني، فهي ليست:
“ابقوا الأميركيين إلى الأبد.”
وليست:
” دعونا نحمل السلاح إلى الأبد.”
وليست:
” دعونا ننفصل عن العراق.”
بل يمكن أن تكون:
أولاً: ضمان حماية إقليم كوردستان باعتباره جزءاً دستورياً من العراق.
ثانياً: توفير منظومة دفاع جوي عراقية حقيقية تحمي أجواء الإقليم.
ثالثاً: استمرار الدعم والتدريب والتنسيق العسكري، حتى بعد انتهاء المهمة القتالية للتحالف.
رابعاً: توحيد البيشمركة ومأسستها بعيداً عن الولاءات الحزبية.
خامساً: تطبيق مبدأ حصر السلاح بيد الدولة على الجميع، لا على طرف دون آخر.
سادساً: منع أي خطاب سياسي أو إعلامي يحوّل الكورد إلى «عدو داخلي».
سابعاً: معالجة الخلافات بين بغداد وأربيل بالدستور والحوار، لا بالضغط العسكري أو الأمني.
هذه ليست مطالب حرب.
“هذه شروط لتجنب الحرب.”
عاشراً: لماذا يخاف الكوردي من أن يصبح أعزل؟
لأن الكوردي لا يخاف من السلاح بقدر ما يخاف من اللحظة التي لا يبقى فيها أمامه أي خيار للدفاع عن نفسه.
لقد تعلم من تاريخه أن الضمانات السياسية وحدها لا تكفي دائماً.
وتعلم أيضاً أن السلاح وحده لا يبني دولة.
ولهذا فإن التجربة الكوردية تحتاج اليوم إلى معادلة أكثر نضجاً:
“لا نعتمد على السلاح وحده، ولا نتخلى عن حق الدفاع عن النفس قبل وجود ضمانات حقيقية.”
الطريق الثالث هو:
“المؤسسة.”
الدستور.
الجيش.
البيشمركة الموحدة.
الدفاع الجوي.
التحالفات السياسية.
العلاقات الدولية.
والشراكة بين بغداد وهولير.
كلها يجب أن تعمل معاً حتى لا تصبح البندقية هي الضمان الوحيد.
الحادية عشرة: لا نريد أن نورث أبناءنا البنادق
هذه ربما هي الجملة التي تختصر كل المقال:
“الكوردي لا يريد أن يورث أبناءه البندقية؛ يريد أن يورثهم الأمان.”
لكن الأمان لا يُبنى بالشعارات.
الأمان يحتاج إلى دولة.
والدولة تحتاج إلى مؤسسات.
والمؤسسات تحتاج إلى عدالة.
والعدالة تحتاج إلى مساواة.
والمساواة تحتاج إلى دستور يُحترم.
وإذا تحققت هذه السلسلة، يصبح السلاح أقل حضوراً في حياة المجتمع.
أما إذا انهارت، فلا يمكن أن نلوم الإنسان لأنه يبحث عن وسيلة يحمي بها بيته.
الخاتمة: لا تسألوا الكوردي لماذا يحمل السلاح
ربما آن الأوان لأن نغيّر السؤال.
لا تسألوا الكوردي:
” لماذا تتمسك بسلاحك؟”
اسألوه أولاً: “هل أنت آمن؟”
ثم:
“هل حقوقك مضمونة؟”
ثم:
“هل هناك مؤسسة قادرة على حمايتك؟”
ثم:
“هل تُطبق قاعدة حصر السلاح بيد الدولة على الجميع؟”
ثم:
“ماذا سيحدث بعد رحيل القوة التي كانت توفر لك جزءاً من الردع والحماية؟”
وعندما يجد الكوردي إجابات حقيقية عن هذه الأسئلة، يمكن أن يصبح الحديث عن السلاح أقل توتراً وأكثر عقلانية.
فالانسحاب الأميركي من العراق ليس إعلاناً بأن الكورد سيحملون السلاح.
لكنه، في ظل الظروف الراهنة، “يفتح سؤالاً مشروعاً عن الأمن والردع والفراغ المحتمل، وعن قدرة بغداد على حماية إقليم كوردستان من الهجمات الخارجية والداخلية.”
والقلق الكوردي ليس بالضرورة رغبة في الحرب.
قد يكون العكس تماماً:
“إنه خوف من أن تضطره الحرب إلى حمل السلاح.”
وهنا يكمن الفرق كله.
“الكوردي لا يحب البندقية.
الكوردي يحب البيت الآمن.
لا يحب الحرب.
يحب أن يعود أطفاله إلى المدرسة.
لا يريد أن يعيش مقاتلاً.
يريد أن يعيش مواطناً.”
لكن إذا غابت الدولة، وغاب الردع، وغابت الحماية، وبقي الآخرون مسلحين، فلا يجوز أن يتحول طلب الكوردي للأمان إلى تهمة.
لأن القضية في النهاية ليست:
“لماذا يرفع الكوردي السلاح؟”
بل:
“ماذا فعلنا كي لا يضطر إلى رفعه؟”
” فالسلاح الذي لا يريده الكوردي، قد يصبح أحياناً السلاح الذي يخشى أن يفقده.”
والحل الحقيقي ليس أن يبقى السلاح مرفوعاً إلى الأبد.
” الحل أن تصبح حماية الإنسان أقوى من الحاجة إلى رفعه.”
29/9/2026
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






