الضحية والجلاد: حين يصبح البقاء امتحاناً للإنسان

تكبير الصورة

ئاريان كركوكي

تاديوش بوروفـسكي وأوشفيتز والمنطقة الرمادية في السلوك الإنساني

لا يمكن أن يكون هناك جمال إذا كان ثمنه الظلم الإنساني، ولا حقيقة تتجاوز الظلم بصمت، ولا فضيلة أخلاقية تتغاضى عنه.
تاديوش بوروفـسكي

 

ليست كل الكتابات عن المآسي الكبرى متشابهة. فبعضها يبحث عن التعاطف، وبعضها عن الإدانة، وبعضها يحاول أن يمنح الضحية صوتاً أمام التاريخ. لكن تاديوش بوروفـسكي، الكاتب والصحفي والشاعر البولندي والناجي من أوشفيتز، اختار طريقاً أكثر قسوة وإزعاجاً. لم يكتب عن المعسكر بوصفه مكاناً ينقسم فيه البشر بوضوح إلى ضحايا وجلادين، بل حاول أن يكشف ما يحدث للإنسان عندما يصبح الموت جزءاً من الحياة اليومية، ويصبح البقاء نفسه مرتبطاً بقواعد عالم لا يعترف بالأخلاق.

تكمن أهمية بوروفـسكي في أنه لا يكتفي بوصف ما فعله الجلاد بالضحية، وإنما يضع القارئ أمام سؤال أصعب: ماذا يحدث للضحية عندما تضطر إلى العيش داخل النظام الذي يسحقها؟

أوشفيتز: حين يصبح الموت نظاماً للحياة

اعتُقل بوروفـسكي عام 1943 ورُحّل إلى أوشفيتز، حيث عاش تجربة الاعتقال والعمل القسري، ثم نُقل لاحقاً إلى معسكرات أخرى، قبل أن يُحرَّر في داخاو في نهاية الحرب. وبعد عودته إلى بولندا، كتب عدداً من القصص التي أصبحت من أبرز الأعمال الأدبية التي تناولت تجربة معسكرات الاعتقال، ومن أشهرها «هذا الطريق إلى الغاز، سيداتي وسادتي».

في عالم بوروفـسكي، لا يأتي الموت دائماً في صورة حدث استثنائي؛ إنه جزء من نظام يومي متكرر، حتى يصبح الإنسان قادراً على تناول الطعام أو العمل أو الحديث بينما يُساق آخرون إلى الموت. وهنا تكمن صدمة الكتابة: المأساة لا تعود حادثة منفصلة، وإنما تتحول إلى جزء من الروتين.

برودة السرد وصدمة القارئ

أكثر ما يلفت في كتابة بوروفـسكي أسلوبه البارد والجاف أحياناً. فهو لا يندفع إلى البكاء أمام القارئ، ولا يمنحه دائماً المسافة الأخلاقية السهلة التي تفصل بين من يستحق التعاطف ومن يستحق الكراهية.

قد يبدو ذلك ابتعاداً عن الضحية، لكنه ربما يكون العكس. فحين يصبح الشر يومياً، فإن المبالغة في الانفعال قد تجعله يبدو استثناءً، بينما تكشف البرودة عن رعب أكثر عمقاً: قدرة الإنسان على التكيف مع الشر عندما يصبح جزءاً من حياته اليومية.

وهنا يتحول أسلوب بوروفـسكي من مجرد طريقة في السرد إلى سؤال أخلاقي: هل يستطيع الإنسان أن يحتفظ بحساسيته الإنسانية عندما يعيش طويلاً في عالم يسلبه كل أسبابها؟

 

حين يصبح البقاء امتحاناً أخلاقياً

في الحياة الطبيعية يبدو الفرق بين الضحية والجلاد واضحاً. هناك من يمارس العنف، وهناك من يقع عليه. لكن معسكر الاعتقال كان نظاماً معقداً جعل بعض السجناء يؤدون أعمالاً تخدم الآلة التي تقمعهم. لم يكن ذلك اختياراً حراً بالمعنى المعتاد، بل كان جزءاً من نظام صُمم لإجبار الإنسان على التكيف من أجل البقاء.

وهنا تظهر إحدى أكثر أفكار بوروفـسكي إزعاجاً: قد يضطر الإنسان إلى التعاون مع النظام الذي يدمّره لكي يحافظ على حياته.

لكن هذا لا يعني أن الضحية تصبح مساوية للجلاد. فالفرق بين من يملك السلطة ويصدر أوامر القتل، وبين من يحاول النجاة داخل نظام مفروض عليه، فرق أخلاقي لا يجوز محوه. الإكراه ليس حرية، والبقاء ليس اختياراً عادياً، والمسؤولية لا تتوزع بالتساوي بين القاتل ومن أُجبر على التكيف مع عالم القتل.

ومع ذلك، تبقى المأساة الأخلاقية قائمة؛ فالإنسان قد ينجو بجسده، لكنه يحمل معه سؤالاً مؤلماً: ماذا فعلت لكي أبقى؟

 

المنطقة الرمادية في الإنسان

 

هنا تتجاوز تجربة بوروفـسكي حدود أوشفيتز لتصبح سؤالاً عن الإنسان نفسه.ليست المشكلة أن الضحية يمكن أن تصبح جلاداً ببساطة، فهذه صياغة تختصر المأساة أكثر مما ينبغي. المشكلة الأعمق هي أن النظام القمعي يستطيع أن يدفع الإنسان إلى منطقة رمادية، حيث لا تعود الخيارات التي أمامه تشبه الخيارات الأخلاقية التي يعرفها في حياته الطبيعية.قد يختار الإنسان الطعام بدل الجوع، والعمل الذي يضمن بقاءه بدل العمل الذي يعرّضه للموت، أو الصمت بدل الاحتجاج الذي قد يؤدي إلى نهايته. وفي كل اختيار يظهر سؤال الضمير.وهنا يصبح البقاء نفسه امتحاناً: هل يمكن للإنسان أن يحافظ على إنسانيته كاملة في عالم صُمم لتجريده منها؟

 

عبء النجاة

 

ربما يكون أصعب ما في تجربة المعسكر أن التحرر الجسدي لا يعني بالضرورة التحرر النفسي. فالناجي يغادر المكان، لكن المكان قد لا يغادره.

عاد بوروفـسكي إلى الحياة بعد الحرب، وواصل الكتابة والعمل الصحفي، وظلت تجربة المعسكر حاضرة بقوة في أدبه. وفي عام 1951 أنهى حياته في وارسو، وهو في الثامنة والعشرين من عمره.

لا يمكن اختزال حياته أو موته في تفسير واحد، لكن مسيرته تجعل سؤال النجاة أكثر إيلاماً: هل يكفي أن يخرج الإنسان حياً من الجحيم كي يكون قد نجا فعلاً؟

 

ماذا يفعل الشر بالإنسان؟

 

تكمن قوة بوروفـسكي في أنه لا يقدم الإنسان بوصفه خيراً خالصاً أو شراً خالصاً، وإنما بوصفه كائناً يمكن أن يتغير تحت ضغط الظروف. ومع ذلك، فإن فهم هذا التغير لا يعني تبرير الجريمة، ولا إلغاء مسؤولية الجلاد، ولا مساواة الضحية بمن يملك القوة.إنما يعني أن الشر لا يعمل دائماً بالقوة المباشرة وحدها؛ أحياناً يعمل من خلال إجبار الإنسان على التكيف معه.ولهذا لا تبقى أوشفيتز مجرد ذكرى تاريخية. إنها تحذير من اللحظة التي تتحول فيها القيم إلى رفاهية، ويصبح البقاء هو القانون الوحيد، ويبدأ الإنسان في النظر إلى معاناة الآخرين باعتبارها جزءاً عادياً من يومه.وربما لهذا بقي أدب بوروفـسكي حاضراً حتى اليوم. فهو لا يسألنا فقط: ماذا فعل الجلاد بالضحية؟ بل يترك لنا سؤالاً أكثر قلقاً: ماذا يمكن أن يفعل الشر بالإنسان عندما يجعله يعيش داخله؟ فالخطر الأكبر ليس أن يُقتل الإنسان فحسب، بل أن يُجبر على الحياة في عالم تصبح فيه إنسانيته نفسها ثمناً للبقاء.

 


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top