الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزيرة 3/6

د. محمود عباس

حين تتلاقى البعثية السنية مع الإسلام السياسي، ينكشف المشهد في عريه الكامل، وتتكشّف بنيته الإقصائية العنيفة بلا أقنعة؛ ويغدو الطعن في العائلات والعشائر الكوردية في الجزيرة، وتشويه تاريخها، أحد أكثر تجلّيات هذا التحالف ظلامية وفجاجة.

إن بلوغ القضية الكوردية هذا المستوى من الحضور السياسي والدبلوماسي العالمي، وتأثيرها المتنامي على مصالح الدول الكبرى والإقليمية، هو ما يفسّر هذا الهلع لدى الدول المحتلة لكوردستان. فهي تدرك جيدًا مدى اقتراب الشعب الكوردي من استحقاقاته، وقدرته على قراءة المسارات الأقصر نحو تحقيق أهدافه.

  ولذلك، تبيّن لهم أن المواجهة العسكرية المباشرة، أو السياسية الفجّة، لم تعد مجدية، خاصة في ظل تقاطع مصالح قوى دولية وازنة مع الكورد. فانتقلوا إلى ساحة أخطر: ساحة تشويه التاريخ، وتلفيق السرديات، وبناء «معرفة» زائفة تُسخَّر لضرب المجتمع من داخله، عبر أدوات بحثية وإعلامية تُموَّل بالملايين.

اليوم، لا يخوض الشعب الكوردي معركة عسكرية فحسب في غربي كوردستان وشمالها وشرقها وجنوبها، بل يواجه حربًا مركّبة، سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية في آن واحد. وهذا ما يفرض على الحراك الكوردي، وعلى الشارع الكوردي عمومًا، أعلى درجات اليقظة. فليس كل من يكثر من المديح، أو يدّعي الدفاع عن القضية، أو يتحدّث باسم «تصحيح التاريخ» و«إنقاذ الذاكرة»، صادقًا أو نزيهًا. بل لا بدّ من السؤال الدائم: من يقف خلف هذا الخطاب؟ ما غايته البعيدة؟ كيف يُدار؟ ولصالح من يُنتج؟

إن طرح هذه الأسئلة لم يعد ترفًا فكريًا، بل شرطًا أساسيًا لفهم طبيعة المعركة التي نخوضها، ولحماية القضية الكوردية من أخطر أشكال الاستهداف، الاستهداف الذي يرتدي أقنعة كوردية، ويتسلل إلى الوعي من بوابة الثقة والجهل معًا.

الصراع العسكري والسياسي ضد الإقليم الفيدرالي الكوردستاني بات أكثر من واضح، والمخططات الرامية إلى تقويض مكانته داخليًا وخارجيًا، سياسيًا واقتصاديًا، لم تعد خافية على أحد. غير أنّ الوعي الذي بلغه الإقليم، ومؤسساته، مكّنه من بناء منظومة إنذار مبكر نسبيًا، قادرة على تنبيه المجتمع، والمثقفين، وصنّاع القرار عند كل مواجهة أو محاولة اختراق. هذه الخبرة التراكمية جعلت من ضرب الإقليم مهمة شديدة الكلفة، وإن لم تتوقف المحاولات.

في المقابل، فإن ما يجري اليوم ضد غربي كوردستان، عسكريًا، يُعد كارثيًا بكل المقاييس، رغم وضوح العداء وانكشاف المخططات. غير أنّ الأخطر من البعد العسكري هو ما يتعرّض له المجتمع في أبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية، حيث تبدو الصورة أكثر قتامة. فما تزال شريحة واسعة من المجتمع الكوردي هناك في حالة تشوّش واضطراب، عالقة بين لغة متربصين ملتوية ومنافقة، وبين حقائق تُخفى عمدًا أو تُقدَّم بشكل مشوَّه.

تُطرح شعارات من قبيل «بناء الوطن بالشراكة» و«صياغة الدستور معًا»، لكن تحت شروط قاسية ومسمومة، يُفرض فيها منطق «الفرقة الناجية» و«الأمة الإسلامية» التي تُقصي القوميات كافة، ولا تعترف إلا بالعروبة بوصفها مدعومة بتأويلٍ ديني انتقائي. وفي هذا السياق، تحظى الحكومة السورية بالدعم من القوى ذاتها التي حاربت الشعب الكوردي تاريخيًا، ووصمته بمنطق «الكورد المهاجرين» الذين يُقبل بهم كمواطنين من باب المِنّة، لا من باب الحق. وبهذا، تُلغى، تحت راية «الأمة الإسلامية»، كل المفاهيم السياسية والإنسانية الحديثة، لصالح مركزية مطلقة، وتبعية للإمامة أو الخلافة، بوصفها النموذج الوحيد المسموح به.

الأخطر من ذلك كلّه هو الاستهداف الممنهج للبنية الاجتماعية للأمة الكوردية، تلك البنية التي شكّلت، عبر القرون، صمام الأمان لبقاء الهوية القومية متماسكة رغم العداء الخارجي الهائل. إنّ محاولات خلق الشروخ داخل المجتمع الكوردي ليست جديدة، لكنها في الماضي احتاجت إلى عقود طويلة قبل أن تندمل جراحها وتُنسى آثارها. أمّا اليوم، فإن إعادة إنتاج هذه الشروخ تتم بوتيرة أسرع، وبأدوات أكثر خبثًا.

يتبع…

الولايات المتحدة الأمريكية

14/12/2025م

Scroll to Top