العراق والشروط الأمريكية … وإلا فلا !

 مهند محمود شوقي

منذ انتخابات تشرين الثاني 2025، يقف العراق على مفترق طرق حاد. لم تعد الانتخابات شأنًا داخليًا فقط، بل صارت ساحة مواجهة نفوذ مباشر بين واشنطن وطهران، وبين من يسعى لاستقلال القرار الوطني ومن يفرض أجنداته الخارجية على بغداد. حتى الآن، لم تُشكّل الحكومة الجديدة، والبلاد تتأرجح بين ضغوط دولية متصاعدة وخطر استمرار التدخل الإيراني في كل مفصل من مؤسسات الدولة.

العراق بعد عام 2003 مر بثلاث مراحل حاسمة. المرحلة الأولى شهدت بعد 2005 تشكيل أول حكومة وسط أحداث دامية وعجز في تطبيق الدستور، مما أضعف مؤسسات الدولة وزاد الانقسامات الطائفية والمناطقية، وكان التدخل الخارجي واضحًا حين دعمت واشنطن بعض التشكيلات الأمنية والسياسية، بينما حاولت إيران بناء شبكة نفوذ عبر أحزاب وميليشيات محلية. المرحلة الثانية حملت تحديات جديدة مع صعود تنظيم داعش والصراع الداخلي على السلطة، مما عمّق الانقسامات وأضعف قدرة الدولة على حماية مصالح الشعب، بينما تدخلت الولايات المتحدة لدعم القوات العراقية ضد التنظيم، واستمر النفوذ الإيراني في الحشد الشعبي والبرلمان. أما المرحلة الثالثة الحالية، فقد أعادت الظروف العراق إلى دائرة النفوذ الأمريكي مقابل تراجع نسبي للنفوذ الإيراني، مع تدخل مباشر للولايات المتحدة في مراقبة تشكيل الحكومة والتوازنات السياسية والاقتصادية، وهي تمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة واستعادة سيادتها وتحقيق توازنها الداخلي والخارجي.

الولايات المتحدة لم تعد صامتة، فقد أبلغت القوى السياسية العراقية، بحسب تسريبات دبلوماسية تناقلتها وسائل الإعلام ، أن أي حكومة تضم عناصر مرتبطة بفصائل موالية لإيران لن يتم التعامل معها، وأن العراق مطالب بالإسراع في تشكيل حكومة مستقلة وفاعلة. تشمل الشروط نزع السلاح غير الرسمي من الميليشيات ودمجها ضمن القوات الرسمية، مواجهة الفساد بلا استثناء مع مراقبة دولية لبعض القطاعات الحيوية، إصلاح القضاء وفصله عن أي تأثير سياسي أو ميليشيوي، إنهاء التدخل الإيراني في مؤسسات الدولة، تحديد دور الحشد الشعبي ضمن المنظومة العسكرية الرسمية، تشكيل حكومة مسؤولة أمام الشعب، وبناء شراكات أمنية واقتصادية دائمة مع الولايات المتحدة، بما يشمل برامج دعم الطاقة والبنى التحتية.

وعلى غرار ذات الموضوع ، قال هوشيار زيباري، السياسي الكردي ووزير الخارجية  العراقي الأسبق، إن الإطار التنسيقي استقبل رسالتين مباشرتين من البيت الأبيض ترفضان ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء، وأضاف أن واشنطن أوضحت أن اعتراضها ليس شخصيًا بقدر ما يتعلق بـ «السياسات والاتجاهات» التي يمثلها المالكي، وأن ذلك قد يشمل تحذيرًا من عقوبات واسعة تشمل مؤسسات حيوية مثل البنك المركزي، شركة تسويق النفط، وعائدات الدولار.

هذا و تلعب شخصيات أخرى في الإطار التنسيقي وحلفاء المالكي دورًا رئيسيًا في المفاوضات، ما يجعل تشكيل الحكومة تحديًا داخليًا معقدًا حتى قبل تدخل واشنطن المباشر.

التأخير في تشكيل الحكومة قد يحمل العراق إلى أزمات متعددة، أبرزها الأزمة المالية نتيجة تجميد الميزانية أو تحويلات الدولار، ما يهدد رواتب الموظفين ويزيد التضخم، وأزمة أمنية بسبب تصاعد نفوذ الميليشيات وغياب التنسيق العسكري الرسمي، مما قد يؤدي لفوضى داخلية أو تصعيد على الحدود، وأزمة سياسية تتمثل في شلل مؤسسات الدولة وتفكك التحالفات وضعف القرار الوطني أمام الضغوط الخارجية. تظهر هذه المخاطر بوضوح عند النظر إلى مرحلة ما بعد 2005 و2014، حيث أثر التدخل الخارجي والسياسات الداخلية المتأثرة به على صعوبة تطبيق القوانين ومواجهة التحديات الأمنية بفعالية.

كما يلعب الاقتصاد والموارد الوطنية دورًا محوريًا في الضغط الأمريكي. العقوبات المحتملة على البنك المركزي أو شركة تسويق النفط تعني تجميد عائدات النفط بالدولار، مما يضعف قدرة الحكومة على تمويل المشاريع الحيوية ودفع الرواتب. لذلك، الشروط الأمريكية مرتبطة مباشرة باستقرار الاقتصاد ورفاهية المواطنين، وليس فقط بالسياسة.

هذه المرحلة النادرة تمثل فرصة لإعادة تأسيس الدولة على أسس دستورية قوية، توحيد المؤسسات واستعادة الثقة بين السلطة والمواطن، ووضع العراق في موقعه الطبيعي كدولة مستقلة تمتلك القرار وتحدد مصالحها دون وصاية خارجية. إذا نجحت الحكومة الجديدة، ستكون بداية لعراق قوي ومستقل ومتوازن، قادر على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية معًا.

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top