العملة السورية الجديدة بين الواقع والطموح

شرفان سيف الدين

يُعَدّ الثامن من ديسمبر/ كانون أول عام 2024م يوماً مفصلياً في التاريخ السوري الحديث، فممّا لا شكّ فيه أنّ سقوط نظام الأسد وحزب البعث اللذَين حكما البلاد لأكثر من ستة عقود هو نصر للمطالبين بالحرية والكرامة، فطوال أربع عشرة سنة الماضية ضرب فيه النسيج الاجتماعي والقطاع الاقتصادي والبنية التحتية السورية بشكل قاس، حيث خسرت الليرة السورية 99 % من قيمتها، فقد كان الدولار الأمريكي الواحد يعادل ما يقارب 46 ليرة سورية قبل الأزمة، ليصل ما قبل السقوط إلى أعلى مستوى له بحدود 15000 ألف ليرة سورية، وليعود ويتراجع قليلاً مع شبه استقرار ما بين 10 و 12 ألفاً خلال العام الماضي، وذلك بسبب التدفّقات النقدية الخليجية التي جاءت كنوع من الحالة الاسعافية لمساندة ودعم الحكومة المؤقتة، وغطّت معظم هذه التدفّقات رواتب الموظفين والعاملين في القطاع العام للدولة بعد عدة زيادات لهم كنوع من التشجيع والدفع المعنوي وتعويض عمّا قاسوه في ما مضى.

أسباب وأهداف طرح العملة الجديدة:
بعد أكثر من سبعة أشهر على سقوط النظام السابق، وبالتحديد في شهر آب 2025م أعلنت السلطات المؤقتة في دمشق نيّتَها تغيير العملة وحذف صفرَين منها، وذلك بإصدار المرسوم 293 لعام 2025م وبرّرت ذلك من خلال عدة نقاط أهمها:
– إعادة ثقة المواطنين والمستثمرين وقطاع الأعمال بالليرة السورية.
– خلق نوع من التسهيلات في التعاملات النقدية اليومية.
– تحسين الاستقرار النقدي مقابل العملات الأجنبية، وبالتالي جذب الاستثمارات الخارجية.
– تحسين الرقابة والكفاءة الحكومية على النقل المتداول، وبالتالي استعادة السيادة المالية والاقتصادية.
– بعض الدلالة الرمزية للانتهاء من إرث النظام السابق، خاصةً مع وجود صورة لحافظ الأسد على الورقة النقدية من فئة 1000 ليرة، وصورة لبشار الأسد على الورقة النقدية من فئة 2000 ليرة، وبالتالي التخلّص بشكل نهائي من تلك الفترة في التعاملات اليومية.

تاريخ حذف الأصفار من العملات وآلية طرح العملة الجديدة:
تُعدّ مشكلة كثرة الاصفار في العملات المحلية مشكلة عالمية، وتأتي كنتيجة طبيعية للتضخّم النقدي في بلد ما، وهي حالة اقتصادية سلبية على الاقتصاد والتنمية المحلية، وتأتي نتيجة ظروف الحاجة إلى المزيد من السيولة النقدية التي لا يمكن توفّرها في الأحوال العادية؛ ممّا يضطرّ الحكومات إلى طبع المزيد منها كحالة إسعافية، وبالتالي خلق هذا التضخّم الذي بدوره يحتاج إلى فئات أكبر من هذه العملة لاعتبارات الحمل والتخزين وسهولة وسرعة التداول.
التجربة الفرنسية سنة 1960م، والتي أنشأت وحدة جديدة باسم الفرنك الجديد، والتي كانت تساوي في قيمتها 100 فرنك قديم.
التجربة اليوغسلافية سنة 1994م، والتي تمثّلت في السوبر دينار، بعدما وصل التضخّم لدرجة مليون بالمئة.
التجربة الفنزويلية سنة 2008م، حذفت ثلاثة أصفار، ثم في 2018م حذفت خمسة أصفار، ثم في 2021م حذفت ستة أصفار.
التجربة التركية سنة 2005م، والتي حذفت ستة أصفار من عملتها القديمة، لتعود إلى الليرة التركية الأساسية.
التجربة الإيرانية التي أقرّت فيها خلال العام الحالي اللجنة الاقتصادية في مجلس الشورى قانوناً وافق من خلاله على حذف أربعة أصفار من عملتها الوطنية التي شهدت انخفاضاً كبيراً نتيجة العقوبات الغربية عليها.
وبحسب التصريح الأخير لحاكم مصرف سورية المركزي، عبد القادر الحصرية، فإنّ التعامل الرسمي بالعملة الجديدة سيبدأ مع بداية السنة الميلادية الجديدة، كما أكد الحصرية على إصدار 6 فئات ورقية بشكل مبدئي، مع إمكانية الزيادة في الفترات أو السنوات القادمة بحسب متطلّبات السوق وقتها، وحسب مدى الاستجابة المحلية والدولية للعملة الجديدة ومدى إثبات العملة الجديدة نفسها في الأسواق، وعن سؤال كيفية أو آلية التبديل والتعامل بها، أكّد الحصرية أنّها ستشرح بكل وضوح وشفافية في قادم الأيام القليلة المقبلة، وأنّ هناك 66 شركة و1000 منفذ سيشرفون على هذه الآلية، كما كشف أنّ من ضمن آليات التعامل المزدوج بالعملتين القديمة والجديدة أنّه قد يستمرّ طوال الفترة الانتقالية أو المؤقتة، أي خمس سنوات، لكن الكثير من الاختصاصيين أكّدوا أنّها فترة زمنية طويلة جدّاً، وأنّ التعامل المزدوج بالعملتين طوال هذه الفترة قد يخلق الكثير من المعوّقات والسلبيات، وأنّ مدة سنة كأقصى حد كافية لاستبدال العملة في أي دولة، وبشكل عام تكون آليات تبديل العملات كما يلي:
– عبر رسائل واضحة واللقاءات المباشرة عبر المنصات الاجتماعية والتلفزيونية، لتقديم الشرح المبسّط حول سهولة وتبديل العملة، وكيفية التكيّف مع العملة الجديدة وسهولة وبساطة التعامل بها.
– تحديد مصارف وبنوك ومراكز خاصة لسهولة التبديل ودون أي مصاريف إضافية.
– تخصيص فترة مناسبة، سنة على أقلّ تقدير، للتكيّف مع الوضع الجديد والتأقلم معه.
– مرحلة التداول التدريجي المزدوج، مرحلة التبديل، وثم مرحلة التبديل الحصري عن طريق مصرف سوريا المركزي.
– وبكل تأكيد الدعم الدولي والإقليمي المساند فنياً ولوجستياً وتقديم النصح والمشورة.

أهمية الخطوة في هذه المرحلة وطبيعة تأثيرها:
بكل تأكيد إنّ قرار تبديل العملة الوطنية يجب أن يكون قراراً وطنياً للدفع باقتصاد البلاد نحو الأمام، وبالتالي تتّخذ الحكومات هذا القرار من مبدأ المحافظة على ثبات الاقتصاد لكي لا يتدهور أكثر، وأن يزيد من انتاجيته وبالتالي رفعه وتنميته أكثر، كما أنّ أهمية هذه الخطوة تأتي من مبدا القضاء على التضخم، وذلك عند سحب الكتلة القديمة غير المعروفة أصلاً كمية طباعتهاـ خاصةً أنّ النظام السابق وبالتعاون مع روسيا كان يطبع المزيد من هذه العملات دون وجود رصيد يغطّيها من الذهب أو العملات القوية أو السندات الائتمانية، ولا يعرف بالضبط ولكن تقدّر الكتلة الحالية بحوالي أكثر من 40 تريليون ليرة، ومن أهم فوائد عملية التغيير الحالية هو الكشف الحقيقي عن الرقم المطروح بالفعل، كما أنّه بالتالي سيعزّز الثقة لدى المستثمرين، خاصةً إذا كان التصميم ذا مواصفات عالية وعالمية، كما أنّه سيخلق نوعاً من الثبات أو التقارب ما بين سعر الصرف الحكومي والأسواق الموازية أو السوداء، وبالتالي سيحفّز المستثمرين الأجانب والإقليميين على الاستثمار والاندماج في الاقتصاد السوري، وعليه تعزيز التنمية الاقتصادية، كما أنّه من المأمول من هذه الخطوة تشجيع الأفراد على الإيداع المصرفي بدلاً عن الاكتناز الشخصي، وبالتالي ستزيد من فرصة إعادة هيكلة الاقتصاد وتطبيق سياسات مالية ونقدية مناسبة.
بطبيعة الحال، وبعد شرح كل ما سبق؛ ستكون لعملية التغيير تأثيرات إيجابية وسلبية، فالإيجابية منها ستظهر من خلال تبسيط المعاملات اليومية وتحسين القوة الشرائية، وستدعم النمو الاقتصادي وبالتالي الثقة المطلقة بالنظام المصرفي والبنكي، والتعامل معها على هذا الأساس، أمّا في حال فشل العملية برمّتها وفي حال عدم ترافقها بالكثير من التنمية الإنتاجية والاقتصادية فسيؤدي بشكل أو بآخر إلى نوع من التضخّم الجديد، وبالتالي خلق نوع جديد من عدم الثقة بها، والعودة إلى الهروب منها نحو العملات الأجنبية أو المجوهرات والذهب والأحجار الكريمة أو حتى الأراضي والعقارات بدلاً عن تخزين العملة المحلية. وعليه يجب على الحكومة الجديدة ومَن يساندها من الدول الإقليمية والدولية دعم هذه الخطوة بسياسات مالية جيّدة، وأن يتحلّى البنك المركزي بالاستقلالية المطلوبة، ومحاولة دعم الاحتياطي من الذهب والقطع الأجنبي، والشفافية عن الرقم المصدر بالفعل، وعدم التجاوز بدون موافقات أو اطلاع الخبراء والمختصّين، والدعم الاقتصادي الفعلي، خاصةً القطاعات الإنتاجية التي تزيد من الإنتاجية الوطنية، وخلق نظام مدفوعات إلكتروني قويّ ومرن.

البعد السياسي للخطوة:
تُعَدّ هذه الخطوة أيضاً نوعاً من التفرّد بصناعة أو اتخاذ القرار من قبل السلطة المؤقّتة في دمشق، مثلها مثل مؤتمر النصر والمؤتمر الوطني وتشكيل الحكومة المؤقتة أو الانتقالية وتعيين أعضاء مجلس الشعب …إلخ، وعليه يبدو أنّ هذه الخطوة تأتي لترسيخ وتثبيت أقدام هذه السلطة في الحكم لأطول مدة ممكنة، دون الأخذ بعين الاعتبار كل الأحداث والتغيرات على الساحة الدولية والإقليمية، خاصةً أنّ الشرق الأوسط قد أصبح على صفيح ساخن، وأنّ التحضيرات للتغيير أو التغيّر فيها جارٍ على قدم وساق في ظلّ تعنّت كل طرف بالقضاء على الطرف المقابل، ورفض أي نوع من الحوار أو إيجاد الحلول الوسطية للمعضلات القائمة في المنطقة بشكل عام، كما أنّ هذه الخطوة أحادية الجانب من طرف الحكومة المؤقتة تأتي كنوع من الضغط السياسي على المناطق الجغرافية التي تقع خارج سيطرتها المباشرة، وكورقة ضغط على قبول المركزية كحل، خاصةً أنّ جميع مؤسسات الدولة معطّلة في هذه المناطق، ومنها بشكل طبيعي المصارف والبنوك والشركات الخاصة بنقل الأموال النقدية، وبالتالي التركيز على تمرير هذا المشروع وضخّ العملة الجديدة لهذه المناطق عبر شركات الصرافة الصغيرة أو عبر التبادلات التجارية اليومية المعتمدة على القطاع الخاص لسحب العملة القديمة وطرح الجديدة بدلاً عنها، وبالتالي خلق نوع من الابتزاز وحالة فوضى في الأسواق وبالتالي ضرب الاقتصاد المحلّي.

الخلاصة:
ممّا لا شكّ فيه أنّ خطوة تغيير العملة الوطنية هي خطوة جريئة وتحتاج إلى الكثير من الدعم، سواء على المستوى المحلي الداخلي أو الإقليمي أو الدولي، خاصةً مع وجود كل هذا الدمار للبنية التحتية والفوقية، وما نجم عنه من هروب لرؤوس الأموال، وإنّ حذف صفرين من الورقة النقدية هي خطوة جريئة وتجميلية في الوقت نفسه كما أسلفنا سابقاً، ولكن الأجمل هو التغيير الحقيقي والجوهري للاقتصاد نفسه، لذلك ما هو مطلوب بالفعل هو تكرار التجربة البرازيلية في تحسين الاقتصاد وليس الوقوع في فخّ تجربة زيمبابوي أو فنزويلا، وعليه فإن بناء الثقة ما بين الحكومة والشعب هو المطلب الأساسي، ويتم كل ذلك عبر الشفافية والوضوح والتواصل المباشر مع الشعب وإشراكه الفعلي في القرار في الزيادة الإنتاجية بتحسين بيئة الاستثمارات وجذبها، والتركيز على أسعار الصرف واعتماد المركزي بهذا الخصوص وضرب المضاربين في الأسواق السوداء بيد من حديد، والتركيز على الموظفين والعاملين في مؤسسات الدولة وتحسين رواتبهم كما هو مطلوب لتأمين عيش كريم لهم، والذي ينعكس بالتالي حتى على يومية العامل العادي من خلالها.

المراجع:
– علي المخلافي – سوريا تنوي طرح أوراق نقدية جديدة وحذف صفرين من العملة – DW عن رويترز – 22 آب أغسطس 2025م.
https://www.dw.com/ar
– ياسر محمد – سيناريو تركيا أم زيمبابوي إلى أين يأخذ سوريا حذف صفرين من عملتها – CNN الاقتصادية – 24 آب أغسطس 2025م.
https://cnnbusinessarabic.com/sectors
– أحمد مسعود – الليرة الجديدة في سوريا ماذا نعرف عن شكلها – CNN الاقتصادية – 26 آب أغسطس 2025م.
https://cnnbusinessarabic.com/economic-stories
– حسام العسال – سوريون يحملون نقودهم في أكياس والحكومة تحذف صفرين من الليرة فما التبعات المتوقعة؟ – BBC NEWS عربي – 29 آب أغسطس 2025م.
https://www.bbc.com/arabic/articles/c4gz7dpvjr4o
– مصرف سوريا المركزي يحدد بداية يناير المقبل لإطلاق العملة الجديدة – صحيفة الشرق الأوسط – 25 ديسمبر كانون أول 2025م.
https://aawsat.com

 

NRLS‏

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top