بقلم: غارسيا ناصح
كثيرًا ما نرى بعض الناس يبتعدون عن التجمّعات، ينسحبون بهدوء من ضجيج المجالس، ويتوارون عن صخب العلاقات اليومية.
يسارع البعض إلى تفسير ذلك بالضعف، أو الخوف، أو الشعور بالنقص، وكأن الإنسان لا يكون كاملًا إلا إذا كان محاطًا بالحشود.
غير أن الحقيقة أعمق من هذا الحكم السريع.
فالعُزلة، في كثير من الأحيان، ليست انسحابًا من الحياة، بل إعادة تعريف لها. ليست رفضًا للناس، بل إعادة ترتيب للمسافات. هناك من جرّب الضجيج حتى ملّ تكراره، وخاض العلاقات حتى اكتشف هشاشتها، ووقف طويلًا في ساحات النقاش حتى أدرك أن كثرة الأصوات لا تعني كثرة المعاني.
بعض المنعزلين ليسوا باردين ولا متعالين، بل هم أناس خاضوا تجارب كثيفة، تعلّموا من الخيبات أكثر مما تعلّموا من التصفيق، واكتشفوا أن السلام الداخلي لا يُمنح في الأسواق، ولا يُوزّع في الولائم الاجتماعية.
العزلة قد تكون مرحلة نضج.
حين يدرك الإنسان أن الحضور الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارف، بل بعمق العلاقة. وأن الصمت أحيانًا أصدق من ألف حديث عابر.
هناك فرق بين الوحدة القسرية والعزلة المختارة.
الوحدة ألم حين تُفرض على القلب،
أما العزلة فصفاء حين يختارها العقل.
في العزلة يولد الفكر.
في العزلة يراجع الإنسان نفسه دون مرايا الآخرين.
في العزلة تُرمَّم الروح من ضجيج المقارنات والتوقعات.
ولعلّ أكثر الناس فهمًا للحياة هم أولئك الذين عرفوا متى يقتربون… ومتى يبتعدون.
ليست كل مسافة جفاء،
وليست كل عزلة حزنًا.
أحيانًا يكون الابتعاد فعل احترام للنفس، ومحاولة للحفاظ على ما تبقّى من نقاء داخلي.
العزلة ليست إعلان هزيمة،
بل قد تكون إعلان استقلال.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=83385






