الكرد والإدارة الذاتية بين الادعاءات والواقع

نورالدين عمر

يصر البعض على تكرار الاسطوانة المشروخة التي تدعي أن الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وكذلك قوات سوريا الديمقراطية ومجلس سوريا الديمقراطية، لا علاقة لهم بالكرد ولا بالقضية الكردية. بل يذهبون أبعد من ذلك عبر الادعاء بأن مسؤولين في هذه المؤسسات يصرحون بمثل هذا الكلام.

وأمام هذا الكم من التضليل المتعمد، يصبح من الضروري توضيح الحقائق التالية:
1- من المسلم به أن الشعب الكردي، شأنه شأن بقية الشعوب الحية، يمتلك طيفاً واسعاً من التوجهات والتيارات السياسية المتباينة في رؤاها وأهدافها وأساليب عملها. فهناك التيارات القومية التي تطالب بإقامة دولة مستقلة أو تحقيق الفيدرالية أو الحكم الذاتي أو تثبيت الحقوق السياسية والثقافية. وهناك تيارات يسارية وديمقراطية تطرح رؤى اجتماعية وسياسية مختلفة، وتسعى إلى بناء إدارات ذاتية أو كونفدراليات غير قائمة على أسس قومية. كما توجد تيارات دينية، لن نتوقف عندها كثيراً، تعتقد بأن الحل يكمن في إقامة دولة بمرجعية دينية.
وتختلف هذه التيارات أيضاً في أدوات العمل بين من اختار الكفاح المسلح ومن فضل النضال السلمي والسياسي.
2- تعمل معظم تيارات الإسلام السياسي على تصوير القضية الكردية كقضية دينية وليست قومية، ومحاولة دمج مطالب الكرد في مشروع دولة دينية تتجاوز الهويات القومية. في المقابل، ترى التيارات القومية أن الحل يكمن في بناء كيانات قومية مستقلة أو على الأقل حكم ذاتي واضح الصلاحيات. أما التيار الذي تمثله الإدارة الذاتية، فينطلق من قناعة بأن حل القضية الكردية يمر عبر نموذج ديمقراطي لامركزي، يقوم على إدارات ذاتية متساوية لجميع المكونات، ومن ضمنهم الكرد، دون المساس بحدود الدول القائمة.
3- لم يصرح أي مسؤول في الإدارة الذاتية أو قوات سوريا الديمقراطية أو مجلس سوريا الديمقراطية بأن لا علاقة لهم بالكرد أو أنهم لا يمثلونهم. بل يؤكدون دائماً أنهم لا يمثلون الكرد وحدهم، بل يمثلون جميع مكونات المنطقة. وهذا لا يعني التنصل من الهوية الكردية أو من القضية الكردية، وإنما يعكس رؤية سياسية تتجاوز القومية الضيقة نحو مشروع ديمقراطي شامل يحمي حقوق الجميع، ويمنع تكرار نماذج الإقصاء القومي التي عانى منها الكرد لعقود طويلة.
4- من الصحيح أن بعض المسؤولين في الإدارة الذاتية أو حزب PYD يستخدمون أحياناً مصطلحات فلسفية أو فكرية بصورة غير دقيقة أو غير مفهومة للشارع، ما يؤدي إلى التباس عند البعض ويفتح الباب أمام اتهامات غير منصفة. إلا أن هذا الغموض في الخطاب لا يعني معاداة الحقوق القومية، بل يعكس ضعفاً في التعبير السياسي أو قصوراً في إيصال الفكرة، ولا يمس جوهر موقفهم من القضية الكردية.

وباعتباري أحد المساهمين في تأسيس حزب الاتحاد الديمقراطي PYD عام 2003، وعلى الرغم من عدم وجود أي علاقة تنظيمية لي مع الحزب منذ أكثر من عشرين عاماً، فإنني على قناعة بأن الحزب كردي أولاً وأخيراً، تماماً مثل حزب الشعب الجمهوري في تركيا الذي يمثل الأتراك دون أن يحمل كلمة “تركي” في اسمه، وكذلك حزب الاتحاد الديمقراطي الذي لا يحمل كلمة “كردي” في اسمه لكنه يعبر عن تمثيل كردي واضح.

5- يبقى حق تقرير المصير للشعب الكردي حقاً ثابتاً وغير قابل للمساومة، وتتفق عليه معظم التيارات السياسية الكردية رغم اختلافها في الوسائل والرؤى. ومن الخطأ الفادح تصوير العلاقة بين “الأخوة بين المكونات” والقضية الكردية كمعادلة صفرية أو خيارين متناقضين. فالحقوق القومية الحقيقية لا تتعارض مع العيش المشترك، بل تتكامل معه. ولا يمكن لأي مشروع كردي أن ينجح دون شراكة فعلية مع باقي المكونات، كما لا يمكن لأي صيغة تعايش مستقرة أن تترسخ دون الاعتراف الكامل والصريح بحقوق الشعب الكردي السياسية والثقافية والقومية.

Scroll to Top