الكورد: (سؤال الأخلاق المؤجل في تاريخ السلطة)

بقلم  جمال جاف

لم يولد الكورد على هامش الجغرافيا ، بل دُفعوا إليه ، ولم يكونوا خارج التاريخ ، وضع التاريخ في مواجهتهم كقوة صماء ، لا كذاكرة عادلة .

هكذا صار وجودهم سؤالاً لا ترغب السلطة في سماعه ، لأن الاجابة عليه تقتضي ما لاتطيقه الاعتراف  .

 

السلطة لاتخطىء حين تظلم ، بل حين تصر على أن ظلمها ضرورة .

وحين تفعل ذلك لاتحتاج الى القسوة وحدها ، بل إلى اخلاق مزيفة تُجمل القمع  الى لغة تقول الدولة حين تقصد القوة

وتقول الوحدة حين تمارس الإلغاء  ,

 

الكورد في سرديات هذه السلطة ليسوا بشراً كاملين بل فائض معنى ، زيادة غير مرغوب فيها على نص قومي مغلق ،

وكل فائض في منطق الدولة الخائفة ، يجب أن يُمحى أو يُعاد تشكيله قسراً .

 

التاريخ حين يُكتب من الاعلى ، لا يرى الدم ،

يسمي المقابر إجراءات ،

والمدن المدمرة تصحيحاً ،

والصمت الطويل استقراراً .

 

في هذا التاريخ لاترتكب الجرائم ، تدار ، ولا يُقتل الإنسان ، بل يُختصر .

 

عمليات الانفال ذائعة الصيت لم تكن لحظة انفجار ، بل لحظة وضوح ، وضوح الفكرة حين تنفصل عن الرحمة ، وضوح الدولة حين تختار البقاء على حساب الإنسان ، لم تنته الأنفال بل تعلمت أن تغير أقنعتها .

 

كل مرة يُقال بأن الزمن تغير ، لكن اللغة ذاتها تعود …

الخطر ، الأمن ، السيادة ، الضرورة ، كأن الاخلاق رفاهية مؤجلة ، وكأن العدالة حلم لا يليق بالواقع .

 

اما العالم فيقف بعيداً ، ينظر الى المأساة كما يُنظر الى خريطة مصالح .

يمد يده حين يحتاج ،

ويسحبها حين يكتفي .

ليس في هذا خيانة ، بل منطقاً بارداً لايعرف الإنسان إلا بوظيفته .

غير أن العنف لا يعيش في القرار وحده ، بل في الوعي الذي يبرره ، في العقول التي تعلمت أن ترى الآخر تهديداً ، وفي القلوب التي اعتادت أن تسمي الصمت حكمة .

هناك قبل السلاح تبدأ المأساة .

 

الدولة التي تخاف من الاعتراف تخاف لأنها تعلم أن وحدتها ناقصة ، وأن قوتها لا تعوض غياب العدالة .

ولهذا تحارب المرآة لا لانها تكذب ، بل  لانها تقول الحقيقة .

 

الكورد لم يطالبوا بالمستحيل ، بل بما يجعل الإنسان إنساناً ،

 

أن يُرى ،

أن يُسمى باسمه ،

أن لا يكون خطأ في نص غيره .

لربما تكمن المأساة كلها هنا …

أن السؤال لم يكن يوماً بلا إجابة ، بل كان رغبة في الإصغاء .

 

فما دام الاخلاق مؤجلة ، سيبقى العنف مؤجلاً أيضاً ، ينتظر لحظته التالية .

والكورد في هذا الانتظار الطويل ليسوا فقط ضحايا التاريخ بل شهوده الصامتين .

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top