النافذة إلى الغياب

تكبير الصورة

خليل عثمان

أوشك الشتاء على الرحيل من القرية كما يرحل رسولٌ يحمل في عباءته أخبار الخراب.
لم يكن هذه المرّة ليمنح البيوت دفئه الرمادي، بل ليوقظ في الجدران ذاكرة العواصف، وفي القلوب وجع السنوات التي لم تندمل.
في الغرفة الصغيرة، كانت المدفأة تلتهم الحطب ببطءٍ مهيب، كما تلتهم الذاكرة أعمار البشر.
تتصاعد من أكواب الشاي أبخرة خفيفة، تشبه أرواح أحاديثٍ قديمةٍ تركها الراحلون معلّقةً في الهواء.
جلس قرب النار، محدّقاً في ألسنتها المتراقصة، كأنّه لا يراقب احتراق الخشب، بل احتراق ما تبقّى منه.
كانت رائحة الحطب المحترق ترتفع في الغرفة كاعتراف ٍ متأخّر، وفي الخارج كانت الريح تعصف بشجرة الكينا الوحيدة، تلك التي بقيت واقفةً كجنديٍ متعب، شاهدةً على موت البيوت، وعلى رحيل الأصدقاء، وعلى الصمت الثقيل الذي يسكن المقابر.
طرق الحنين قلبه كما يطرق الرعد أبواب السماء.
تدفّقت في ذاكرته وجوهٌ كانت تسكن الضحكات، وأسماءٌ كانت تعيش في تفاصيل النهار:
في رائحة الخبز، في ضجيج المقاهي، في نداءات الأمهات عند الغروب…
ثم ذابت كلها، مثل دخانٍ خفيف، في هواء الزمن.
تمتم في نفسه:
الغائبون لا يموتون…
إنهم يتحوّلون إلى طقس ٍ داخليٍّ دائم،
إلى غيمةٍ تقيم في الصدر ولا تمطر.
في تلك اللحظة، غامت السماء.
ارتفعت السحب السوداء حتى بدا العالم كأنه جنازةٌ هائلة بلا مشيّعين.
شعر بثقل معطفه على كتفيه.
لم يكن ثقل الصوف…
بل ثقل السنين التي مرّت من فوقه ولم تمنحه تفسيراً واحداً للحياة.
نهض ببطء، واقترب من النافذة.
كان المطر ينهمر بعناد، كأنه يريد أن يغسل العالم من ذاكرته.
وضع كفّه على الزجاج البارد، كأنّه يحاول أن يخترق تلك المسافة الشفافة، ويعود إلى زمنٍ لم يكن فيه الفقد قانوناً للحياة.
ثم رآه.
انعكاس وجهٍ على الزجاج.
لكنّه لم يكن وجهه.
كان وجه أبيه، يوم وقف صامتاً ينتظر خبر الحرب.
وكان وجه أمّه، حين كانت ترتجف من طرقات الليل الغامضة.
وكان وجهه هو، طفلاً صغيراً، يسأل ببراءةٍ موجعة:
لماذا يغيب الناس… ولا يعودون؟
في تلك اللحظة فهم.
فهم أن الحنين ليس حبّاً للماضي،
بل خوفٌ عميق من الفراغ الذي نعيش فيه الآن.
وأن الإنسان لا يشتاق إلى الأشخاص أنفسهم،
بل إلى النسخة التي كانها حين كانوا موجودين.
ابتسم ابتسامةً باهتة، تشبه ضوء مصباحٍ يحتضر.
أطفأ المدفأة.
فتلاشت ألسنة النار كما تتلاشى الحكايات حين يفقدها الرواة.
فتح النافذة.
اندفعت الريح إلى الغرفة ككائنٍ بريٍّ هائج،
بعثرت الأوراق، وأسقطت الصور، وحرّكت ستائر الذكريات التي ظلّت ساكنة سنوات طويلة.
وقف هناك لحظة، كمن يسلّم الغرفة للغياب.
ثم همس بصوتٍ بالكاد وُلد:
“أنا لست حزيناً لأنهم رحلوا…
بل لأنني بقيت.”
في الصباح، حين مرّ الجيران، كانت النافذة ما تزال مفتوحة.
الليل البارد كان قد دخل الغرفة واستقرّ في كل شيء.
المدفأة صامتة.
والكوب لم يُشرب.
كان الرجل ممدوداً على سريره، مبتسماً ابتسامة خفيفة، كأنّه أخيراً وجد جواب السؤال القديم.
تجمّد جسده كما تتجمّد الذكريات حين تفقد صاحبها.
لكن شيئاً غريباً لفت انتباههم.
على الزجاج البارد للنافذة، لم يكن هناك انعكاس واحد…
بل انعكاسان.
وجه الرجل الميت…
ووجهٌ آخر يقف خلفه مباشرةً،
وجهٌ يشبهه تماماً…
لكنّه أصغر سنّاً بكثير.
أما السماء في الخارج فكانت صافيةً تماماً.
كأن العاصفة لم تكن في الخارج قط…
بل كانت تسكنه هو وحده.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top