كشف تقرير لصحيفة “النهار” اللبنانية عن تحول جيوسياسي في مسار التنسيق الأمني بين أنقرة ودمشق، يتمثل في انتقال التركيز من الشمال السوري، حيث كان ينصب تاريخياً على محاربة الفصائل الكردية، إلى الجبهة الجنوبية، بهدف الحد من التمدد الإسرائيلي في الجولان والمنطقة العازلة.
وبحسب التقرير، فإن المباحثات الأمنية الأخيرة بين مسؤولي البلدين تؤشر إلى بدء العمل على تعديل موسع لـ”اتفاقية أضنة” الموقعة عام 1998، بحيث لا يقتصر مفهوم الأمن القومي التركي على ضبط الحدود الشمالية بعمق 15 كيلومتراً، بل يمتد ليشمل تشكيل “حائط صد مشترك” في الجنوب السوري لمنع استفراد جهة محددة بالمنطقة.
وأشار التقرير إلى أن هذا التحول يضع إسرائيل أمام معادلة ميدانية جديدة، تجعل عمق الجنوب السوري خط دفاع استراتيجياً غير مباشر عن تركيا تحت مراقبة روسية، رغم الرفض الأميركي المتوقع لأي تهديد لأمن إسرائيل.
وفي قراءته لهذه التطورات، قال الباحث والكاتب السياسي أحمد فرهاد، في حديثه لـ”النهار”، إن الاندفاعة التركية نحو العمق السوري تحظى بقبول “مصلحي” مؤقت من دمشق وموسكو لمواجهة التمدد الإسرائيلي جنوباً، إلا أنها تصطدم برفض دولي، موضحاً أن الأمم المتحدة تتمسك بمبدأ السيادة السورية وترفض منح غطاء عسكري لهذا التوجه، فيما ترفض واشنطن التوسع التركي حفاظاً على آبار النفط وأمن حليفتها إسرائيل.
وأضاف فرهاد أن المشهد الإقليمي بات يقوم على خطوط حمراء متقاطعة، حيث يمثل الشمال خطاً أحمر لتركيا، والجنوب خطاً أحمر لإسرائيل، في وقت تدفع فيه الحكومة السورية، بحسب تعبيره، “ضريبة الضعف” وسط انتشار الفصائل والعصابات المرتبطة بأجندات خارجية، بما يعيد إنتاج مشهد شبيه بالسيناريو العراقي.
من جانبه، اعتبر الباحث المختص في الشأن التركي والإقليمي محمود علوش، في حديثه لـ”النهار”، أن اتفاقية أضنة تمثل “الركيزة البنيوية لتأسيس علاقة جديدة بين دمشق وأنقرة”، موضحاً أن رغبة تركيا في تحديث التفاهمات “تنطلق من حاجة البلدين لكبح الإرهاب وحماية أمنهما المشترك، وهي ليست موجهة ضد طرف ثالث”.
وأشار علوش إلى أن صياغات دمج “قسد” استوعبت جانباً من القلق التركي، إلا أن الاتفاقية تبقى الضمانة الأطول أجلاً لمعالجة الملف الكردي الذي لم يُحسم بعد.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، رأى علوش أن الوجود الإسرائيلي في الجنوب السوري يعكس استعداداً لصدام نفوذ يمتد من سوريا إلى شرق المتوسط، لافتاً إلى أن أنقرة تسعى إلى استثمار علاقتها الاستراتيجية بإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ يستعد الرئيس رجب طيب أردوغان لطرح ما وصفه بـ”الأهداف التوسعية لإسرائيل ومحاولاتها فرض مناطق عازلة في لبنان وسوريا” على طاولة البيت الأبيض، انطلاقاً من عقيدة أنقرة الأمنية الجديدة: “أمن تركيا يبدأ من بيروت والشام”.
وختم علوش بالإشارة إلى أن إعادة بناء الجيش السوري ما تزال تواجه تعقيدات كبيرة ترتبط بالتوازنات الإقليمية والدولية.











