ثورة أيلول… ذاكرة النضال ومسيرة بناء المستقبل

تكبير الصورة

د. ضياء عبد الخالق المندلاوي

ليست ثورة أيلول مجرد صفحة من صفحات التاريخ الكوردي، ولا حدثاً عسكرياً يمكن اختزاله في تاريخ اندلاعها في الحادي عشر من أيلول عام 1961، بل هي واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في تشكيل الوعي السياسي والقومي للشعب الكوردي. فقد كانت، قبل أن تكون مواجهة في الجبال، تعبيراً عن إرادة سياسية واجتماعية رافضة للتهميش والإقصاء، وعن تطلع مشروع إلى بناء علاقة جديدة بين الشعب الكوردي والدولة العراقية، تقوم على الاعتراف بالحقوق والشراكة الوطنية.

 

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

وعندما نستعيد اليوم ذكرى ثورة أيلول، فإننا لا نستحضر الماضي لمجرد الاحتفاء به، وإنما نقرأه باعتباره تجربة سياسية ونضالية غنية بالدروس. فالأمم التي تعرف تاريخها لا تعيش أسيرة الماضي، وإنما تجعل من ذاكرتها قوة لبناء المستقبل، ومن تضحيات من سبقوها أساساً للحفاظ على ما تحقق ومواصلة مسيرة البناء.

 

جاءت ثورة أيلول في مرحلة كان العراق فيها يعيش مخاضاً سياسياً كبيراً. فبعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، برزت آمال واسعة لدى مختلف مكونات الشعب العراقي في بناء دولة جديدة تتجاوز إرث التمييز والاستبداد، وكان الشعب الكوردي يتطلع بصورة خاصة إلى أن تكون المرحلة الجديدة بداية حقيقية للاعتراف بحقوقه القومية والثقافية والسياسية.

 

وكان الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بقيادة الزعيم الخالد ملا مصطفى بارزاني، جزءاً أساسياً من هذا الحراك السياسي. ولم يكن هدف الحركة الكوردية في بدايتها الصدام مع الدولة، بقدر ما كان السعي إلى الوصول إلى صيغة سياسية تضمن الحقوق المشروعة للشعب الكوردي. غير أن الفجوة بين الوعود والممارسة أخذت تتسع، وتصاعدت سياسات التضييق والملاحقة، وأغلقت صحيفة «خه‌بات»، وتعرض الحزب وكوادره وأنصاره للضغط، في وقت اتسعت فيه العمليات العسكرية ضد المناطق الكوردستانية.

 

وهنا بدأت المعادلة تتغير؛ فحين تُغلق أبواب السياسة، وتُقابل المطالب بالحوار بالقوة، يصبح استمرار المطالبة بالحقوق شكلاً من أشكال الدفاع عن الوجود السياسي والاجتماعي. ومن هذه البيئة انطلقت ثورة أيلول بقيادة الزعيم ملا مصطفى بارزاني، لتدخل القضية الكوردية مرحلة تاريخية جديدة، لم تعد فيها المطالبة بالحقوق شأناً سياسياً محدوداً، بل تحولت إلى قضية ذات حضور شعبي واسع.

 

وقد أدرك ملا مصطفى بارزاني أن الثورة لا يمكن أن تقوم على القوة العسكرية وحدها، وأن استمرارها يحتاج إلى حاضنة شعبية، ورؤية سياسية، وقدرة على إدارة العلاقات الداخلية والإقليمية والدولية. ولهذا تحولت جبال كوردستان إلى فضاء للمقاومة، لكنها في الوقت نفسه أصبحت منبراً سياسياً لقضية تجاوزت حدود الجغرافيا لتصبح حاضرة في النقاش العراقي والإقليمي والدولي.

 

وكانت قوة الثورة الحقيقية في قدرتها على الصمود؛ فالإمكانات المحدودة لم تمنعها من الاستمرار أمام جيش يمتلك تفوقاً في العدد والسلاح، لأن المعركة لم تكن في جوهرها مواجهة عسكرية متكافئة، وإنما كانت صراعاً حول الحقوق والاعتراف وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. ولذلك ارتبط استمرار الثورة بقدرتها على المحافظة على التأييد الشعبي، وإعادة تنظيم صفوفها، والتكيف مع المتغيرات السياسية والعسكرية.

 

ومن هنا يمكن فهم استمرار ثورة أيلول أربعة عشر عاماً؛ فقد كانت أكبر من معركة عسكرية، وأوسع من قيادة أو مجموعة مقاتلين، إذ تحولت إلى حالة شعبية ارتبطت بوجدان الشعب الكوردي، وبقيت قادرة على تجديد نفسها رغم الحصار والتهجير والعمليات العسكرية والضغوط السياسية.

 

كما قدمت ثورة أيلول درساً مهماً في العلاقة بين السياسة والنضال؛ فقد أثبتت التجربة أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع حلاً دائماً، كما أن السياسة من دون قوة اجتماعية وسياسية تستند إليها قد تفقد قدرتها على التأثير. ولذلك ظل النضال الكوردي يتحرك بين المسارين السياسي والميداني، بحثاً عن صيغة تحقق الحقوق وتمنع العودة إلى سياسات الإقصاء.

 

وشكلت الثورة محطة مفصلية في تاريخ الحزب والحركة التحررية الكوردستانية، وأسهمت تضحياتها في الوصول إلى اتفاق الحادي عشر من آذار عام 1970، الذي مثل آنذاك خطوة مهمة نحو الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكوردي، وفتح الباب أمام إمكانية بناء علاقة جديدة بين بغداد وكوردستان. وقد أظهرت تلك التجربة أن الحوار السياسي، عندما يستند إلى الاعتراف المتبادل والإرادة الجادة، قادر على تحقيق نتائج لا يمكن الوصول إليها بالقوة وحدها.

 

غير أن انهيار الاتفاق لاحقاً وتصاعد الخلافات وتنصل حكومة بغداد عن بنوده، وصولاً إلى اتفاق الجزائر عام 1975، مثّلا انتكاسة مؤلمة للحركة الكوردية، وأظهرا مرة أخرى أن الاتفاقات السياسية تحتاج إلى إرادة حقيقية لتنفيذها وضمانات تحول دون تحويلها إلى تسويات مؤقتة. وكانت تلك المرحلة من أكثر المراحل قسوة في تاريخ الحركة الكوردية، لكنها لم تكن نهاية النضال.

 

فبعد توقف ثورة أيلول، لم تتوقف القضية، ولم تنتهِ الإرادة التي صنعتها. ففي عام 1976 جاءت ثورة كولان لتؤكد أن القضايا الراسخة تستطيع إعادة تنظيم صفوفها والانطلاق من جديد. وفي هذه المرحلة برز الدور القيادي للشهيد إدريس البارزاني والرئيس مسعود البارزاني في مواصلة المسيرة النضالية في ظروف بالغة الصعوبة، مؤكدين أن إرث أيلول لم يكن مرتبطاً بمرحلة زمنية محددة، وإنما تحول إلى أساس لاستمرار الحركة السياسية والنضالية الكوردستانية.

 

ومع بروز الدور القيادي للرئيس مسعود البارزاني في المراحل اللاحقة، دخل الحزب والحركة الكوردية مرحلة جديدة اتسمت بتعزيز العمل السياسي والدبلوماسي إلى جانب الدفاع عن الحقوق والمكتسبات. وتميز نهجه بالجمع بين صلابة الموقف ومرونة السياسة، وبين التمسك بالثوابت والانفتاح على الحوار، بما جعل حضوره عاملاً مؤثراً في مسار القضية الكوردية على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي.

 

ثم جاءت انتفاضة عام 1991 لتفتح الباب أمام تحول تاريخي جديد؛ فقد انتقلت القضية الكوردية تدريجياً من مرحلة الثورة المسلحة إلى مرحلة بناء المؤسسات. وأجريت الانتخابات وتأسس برلمان كوردستان عام 1992، وتشكّلت حكومة الإقليم، لتدخل الحركة الكوردية مرحلة مختلفة أصبح فيها بناء المؤسسات والحكم والإدارة والعمل السياسي والدبلوماسي جزءاً أساسياً من المشروع الكوردي.

 

وكان للرئيس مسعود البارزاني دور محوري في هذه المرحلة، في ترسيخ العمل السياسي والمؤسساتي، وتعزيز مكانة الحزب، والدفاع عن المكتسبات التي تحققت بعد عقود من التضحيات. وهنا تتجلى إحدى أهم نتائج المسيرة التي بدأت مع أيلول؛ فالنضال الذي انطلق دفاعاً عن الحقوق والهوية تحول، عبر مراحل متراكمة، إلى مشروع سياسي ومؤسساتي يمتلك أدوات الحكم والتمثيل السياسي.

 

وبعد عام 2003، لعب الرئيس مسعود البارزاني دوراً كبيراً في المشاركة في إعادة بناء العراق الجديد، والمساهمة في العملية السياسية والدستورية، والدفاع عن مبادئ التعددية والشراكة والتوازن. وفي الوقت نفسه، ظل الدفاع عن الحقوق الدستورية لإقليم كوردستان ومكتسباته جزءاً أساسياً من الأولويات السياسية، في إطار العلاقة بين الإقليم والدولة الاتحادية.

 

وفي مواجهة تنظيم داعش الإرهابي، دخل العراق وكوردستان والمنطقة مرحلة شديدة الخطورة، وأثبتت قوات البيشمركة قدرتها على التصدي للإرهاب والدفاع عن الأرض، وقدمت تضحيات كبيرة في ساحات القتال. وفي تلك المرحلة كان الرئيس مسعود البارزاني قريباً من المؤسسة العسكرية ومن المقاتلين، ومتابعاً لتطورات المواجهة، في وقت أصبحت فيه كوردستان طرفاً رئيسياً في الحرب على الإرهاب. وقد عززت تضحيات البيشمركة مكانتها بوصفها قوة أساسية في مواجهة تنظيم داعش وحماية السكان والأرض.

 

وفي عام 2017، شكّل استفتاء تقرير المصير محطة بارزة في تاريخ الحركة السياسية الكوردستانية، بقيادة الرئيس مسعود البارزاني، الذي اضطلع بدور محوري في التعبير عن إرادة الشعب الكوردي وتطلعاته إلى تقرير مستقبله. وقد عبّر ملايين الكورد عن إرادتهم في الاستفتاء، ورغم التعقيدات والضغوط الإقليمية والدولية التي رافقت تلك المرحلة، ظل الرئيس البارزاني متمسكاً بموقفه، مؤكداً أن إرادة الشعب وحقوقه المشروعة لا يمكن تجاهلها.

 

وعندما ننظر إلى المسيرة الممتدة من أيلول إلى كولان، ومن الانتفاضة إلى بناء المؤسسات، ومن الدفاع عن الوجود والهوية إلى المشاركة في بناء العراق الجديد ومواجهة الإرهاب، ندرك أنها لم تكن مراحل منفصلة، بل مساراً نضالياً متراكماً. وما يشهده إقليم كوردستان من برلمان ومؤسسات ومكتسبات سياسية وقانونية واقتصادية يمكن النظر إليه بوصفه إحدى النتائج المتراكمة لهذه المسيرة الطويلة من النضال والتضحيات. وقد أسست هذه التجربة لوعي سياسي، ورسخت ثقافة الحقوق والشراكة، ومهدت الطريق لبناء تجربة الإقليم ومؤسساته، الأمر الذي يجعل الحفاظ على هذه المكتسبات وتطويرها مسؤولية قومية ووطنية وسياسية مستمرة.

 

وفي قلب هذا المسار ظل الحزب الديمقراطي الكوردستاني حاضراً بوصفه أحد أهم الفاعلين في الحركة السياسية الكوردية. وظل اسم ملا مصطفى بارزاني مرتبطاً بمرحلة تأسيسية تركت أثراً عميقاً في الذاكرة السياسية الكوردية، فيما ارتبط اسم الرئيس مسعود البارزاني بمرحلة أخرى من مراحل التحول السياسي والمؤسساتي والدبلوماسي. وتكمن أهمية هذه المسيرة في قدرتها على التعامل مع مرحلة انتقلت فيها القضية من ساحات الثورة إلى فضاءات السياسة والمؤسسات والعلاقات الدولية، مع المحافظة على حضور الثوابت الوطنية في صلب الخطاب السياسي.

 

ومن هنا، فإن المرحلة الراهنة تفرض على القوى السياسية مسؤولية الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء حلول مستدامة، ومن منطق التنافس السياسي إلى ترسيخ الشراكة الوطنية. وفي هذا السياق، يظل للحزب الديمقراطي الكوردستاني دور مهم في تحقيق التوازن بين الحقوق الدستورية والمصالح الوطنية، وبين خصوصية إقليم كوردستان ودعم الدولة الاتحادية، ولا سيما في مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية، وتعزيز مؤسسات الدولة، وترسيخ مبدأ حصر السلاح بيد الدولة. وهذه القضايا تحتاج إلى رؤية سياسية هادئة وواقعية، تحمي المكتسبات وتعمل في الوقت نفسه على تطويرها.

 

وختاماً، إذ نستحضر اليوم إرث ملا مصطفى بارزاني، والشهيد إدريس البارزاني، وتضحيات الشهداء والبيشمركة، فإننا نستحضر كذلك المسيرة السياسية للرئيس مسعود البارزاني، الذي واصل حمل راية القضية في مراحل مختلفة، وأسهم في انتقالها من ميادين الثورة إلى فضاءات السياسة والدبلوماسية وبناء المؤسسات. ومن هذا الإرث تستمد المسؤولية الوطنية معناها في مواصلة المسيرة، والحفاظ على المكتسبات، وترسيخ المؤسسات، وتحويل تضحيات الماضي إلى قوة لبناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً.

 

تلك هي ثورة أيلول؛ ذاكرةٌ حيّة لا تنطفئ، وتجربةٌ تاريخية رسّخت في الوعي الكوردي معنى الصمود والتمسّك بالحقوق، وأثبتت أن إرادة الشعوب قادرة على تحويل المحن إلى قوة، والتضحيات إلى مشروع للمستقبل. ومن جبال كوردستان التي احتضنت الثورة وانطلقت منها مسيرة النضال، واصل البارتي مسيرته في بناء المؤسسات وترسيخ الاستقرار، لتبقى ثورة أيلول حاضرةً في الذاكرة، ودرساً في النضال، وجسراً يصل تضحيات الأمس بآمال الغد.

 


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top