برادوست ميتاني
التسمية
كانت “الدرباسية” أرضاً جرداء واسعة، وتعود ملكيتها إلى شخص كردي اسمه درباس، وهو مؤسس وكبير عائلة درباس، التي لا تزال موجودة، وقد قام درباس ببيع هذه الأرض على شكل قسائم، لتُسمى بعدها باسم الدرباسية نسبة لمالكها الأصلي، وتبدو هذه الرواية أقرب إلى المنطق، والتصديق من روايات أخرى كرواية درب آسيا (1) من جانب آخر قيل إن الاسم مأخوذ من معنى “درباسبون” الكردية (عبور) بين سرخت وبنخت في المجتمع الكردي.
ثمة مدينة في الجهة المقابلة لها في سرخت كانت قرية وما زالت تحمل الاسم نفسه. لذا؛ ربما يكون اسم الدرباسية مأخوذ من اسم تلك المدينة القريبة في الجهة الشمالية المقابلة كما أسلفنا الواقعة في باكور كردستان وتحمل الاسم نفسه “الدرباسية” وتُعرفان بدرباسيا بنختى ودرباسيا سرختى ومن المحتمل كانت كلتاهما قرية واحدة ولكن الحدود المصطنعة قسمتهما، إذ أن العديد من مدننا على الحدود صارت ضحية ذلك التقسيم وانشطرت.
الموقع
تقع مدينة الدرباسية في روج آفا في المنطقة المعروفة بالجزيرة في شمال وشرق سوريا وعلى حدود شمال كردستان في تركيا وعلى خط القطار السريع، مقابل محطة القطار التي أُقيمت في عهد الاحتلال العثماني حوالي عام 1908م لقطار الشرق السريع عند قرية في شمال كردستان تسمى أيضاً الدرباسية –كما أسلفنا -حيث يفصل بين المدينتين أي الدرباسية الشمال والدرباسية الجنوب الخط الحديدي، والألغام المزروعة على الحدود.
تتبع الدرباسية إدارياً لمقاطعة الحسكة وتبعد عنها حوالي 85 كم إلى الشمال منها وكانت سابقاً تتبع سرى كانيه. تتوسط مدينة عامودا في الشرق ومدينة سري كانيه في الغرب (2) وتمثل الحد الفاصل بين روج آفا، وشمال كردستان بعد تقطيع كردستان وفق اتفاقية سايكس بيكو المشؤومة والاتفاقيات لرسم الحدود بين النظامين التركي والفرنسي إبان الاستعمار الفرنسي لسوريا. تبعد عن عامودا 26 كم وعن سرى كانيه 60 كم.
التاريخ
تم بناؤها عام 1931 عندما تم حفر بئر وظهر الماء العذب فيها، وهناك قرى سبقت المدينة في وجودها منها “قرية كولا سميلا وكذلك قرية بريفا وتربة كيكان وبيركنسى وهبو وقرمانية وتل ديك. كما تضم العديد من القرى القديمة الأخرى مثل “كرى وأبو جرادة وأبو كالة وقرية السلام التي تُعدُّ من أقدم قرى المنطقة، بالإضافة إلى قرى أخرى مثل قرية الغنامية.
يُذكر إن العديد من هذه القرى عُرّبت على يد الأنظمة العنصرية الشمولية المتعاقبة على سدة الحكم في الجمهورية السوريّة التي عُرّبت بدورها إلى الجمهورية العربية السوريّة منذ 1958م .
من حيث التأسيس والصيرورة
بُنيت الدرباسية أثناء الانتداب الفرنسي لسوريا، بعد استقرار أهلها فيها قادمين من بلدة قرمانية. وقد بُني مخططها على شكل رقعة الشطرنج وتُقدّر مساحتها بـ52 هكتاراً توجد في الدرباسية بعض المعالم، التي بُنيت في العهد الفرنسي، مثل، صوامع الحبوب، والتي بُنيت عام 1943، ولا تزال موجودة حتى يومنا هذا. وتُقسم ناحية الدرباسية إلى قسمين رئيسيين، وهما الحارة الغربية، والحارة الشرقية.
معظم البيوت قديماً كانت تبنى من الطين مع استخدام الحجارة في تقوية أركانها ومن المميز كانت توجد بينها بيوت طينية ذات طابقين وهذا النمط كان يُعرف لدى الكرد في مناطق متعددة باسم “عولي”.
ينقل إلينا أ. عامر أحمد (5) كلام أ.شريف سعدون وهو مدرس تاريخ متقاعد الذي يقول عن تأسيس وتطور الدرباسية: “تم بناء مطحنة حديثة لـ “أنطون قره زيوان”، وأحدثت بلدية “الالدرباسية” عام 1934 ونتيجة التوسع الكبير تم إعداد أول مخطط تنظيمي للمدينة عام 1967، وراعى مخططها التنظيمي التوضع الشطرنجي للبيوت القديمة، وتطور واقع المدينة الخدمي حيث تضاعف عدد المدارس وأحدثت فيها العديد من الدوائر الخدمية”.
أما عن بدايات انتقال السكان إلى “الالدرباسية” يقول أ.السعدون: “انتقل إليها السكان من قرية “قره مانية” التي كانت تمثل الناحية في هذه المنطقة وهي تقع غرب الدرباسية بحوالي (خمسة كم” وبنيت في البلدة ثكنة عسكرية للفرنسيين وكان داخل الثكنة قلعة على شكل برج فيها فتحات بشكل دائري للرمي بالأسلحة النارية على المهاجمين عليهم وهي محاطة بالأسلاك الشائكة وقد بقيت آثارها حتى السبعينيات من القرن الماضي وكذلك بُنيت بناية البلدية عام 1936م وهي باقية حتى الآن حيث تم تخطيط المدينة على شكل رقعة الشطرنج وتضم حديقة حولها والأسواق التجارية وعن التقسيمات الإدارية “للالدرباسية “. يقول أ. السعدون: “كانت تقسم المدينة قديماً إلى قسمين: “الحي الغربي”: ويضم الإخوة المسيحيين ومعظمهم من المهاجرين من مدينة “ماردين” وقراها بعد الانتداب الفرنسي على سوريا عام1920م ومع الأرمن المهجرين من مذابح الأتراك العثمانيين وكان المسيحيون سبّاقون في تجارة السوق ومعظم الصناعات والمهن اليدوية، من حدادة وتجارة وصباغة القش والأقمشة وصياغة الذهب والفضة والحلاقة وصناعة الأحذية وغيرها. أما الحي الشرقي فيضم الكرد وبعض العرب الذين قدِموا أيضاً من منطقة “ماردين” ومن القرى المجاورة ويعمل معظمهم عمال بناء وعتالة والقليل منهم في التجارة”.
عن الذاكرة السياسية الماضية للمدينة يقول أ. شريف سعدون: “انتشرت الحركات الوطنية والوعي السياسي في الدرباسية وقامت مظاهرات في الساحة الرئيسة في المدينة شاركت فيها أحزاب عديدة في الثلاثينيات والأربعينيات، واعتقلت السلطات الفرنسية الكثيرين منهم وأرسلت بعض زعمائهم إلى المنافي وقامت مقاومة مسلحة قوية في البلدة ضد الفرنسيين، وتبادلوا إطلاق النار مع الثكنة والجيش الفرنسي، ومرات عديدة في الأربعينيات كان سكان البلدة ويدعمهم بعض سكان الريف يشتركون طواعية وبأسلحتهم وذخيرتهم الخاصة بهم لقتال الفرنسيين، وتم إرغام الجنود الفرنسيين على الهروب من الثكنة باتجاه الحدود الشمالية إلى تركيا، حيث تم ترحيلهم بالقطار عام 1945-1946 وإنزال العلم الفرنسي ورفع العلم السوري على سارية الثكنة من قبل بعض شباب البلدة”.
وعن مبنى مجلس المدينة يردف أ.السعدون قائلاً: “عاد بعض الازدهار للمدينة نتيجة تحسّن المواسم الزراعية في الستينيات والسبعينيات، وبعض الركود في الثمانينيات نتيجة غلاء وفقدان بعض المواد الأساسية للمعيشة نتيجة محاربة الغرب لسوريا، ومن بداية التسعينيات انتشر حفر الآبار الارتوازية في ريف “الدرباسية” التي تضم (165) قرية ومزرعة وتم حفر حوالي ثلاثة آلاف بئر بحري، وتعتبر الدرباسية من أشهر المدن في زراعة القمح والشعير والقطن، بالإضافة إلى بعض المحاصيل الأخرى”.
ألف أ. إسحق قومي كتاباً عن مدينة الدرباسية وقد نشر موقع الحوار المتمدن بحثاً من مضمونه، نقتطف ما يفيد بحثنا ما يلي (6): أول مدرسة تُبنى في أرض الالدرباسية كانت مدرسة البيطرية للفرنسيين، حيثُ كانوا يعلّمون فيها اللغة الفرنسية وبعدها العربية، وهذا كان منذ بداية بناء الالدرباسية، وحين توافد الناس للبناء فيها، ومن ثم تبعها مدارس للطوائف المسيحية. فهناك مدرسة للسريان الأرثوذكس، وقبلها بنى السريان الكاثوليك مدرسة، والأرمن، والأرمن الكاثوليك، والبروتستانت وأما مدرسة السريان الأرثوذكس فقد أغلقتها الدولة السوريّة، عن طريق مديرية التربية بالحسكة بالإضافة لكثير من المدارس الخاصة، وأُعيد افتتاحها تحت اسم مدرسة الأمل، وزارها المثلث الرحمات المطران قرياقس تنورجي، وكان ذلك عام 1982م. كما بنيت فيها مدارس ابتدائية وإعدادية وثانوية وأفران مثل فرن آكوب يوسف أبو أوهان، فرن يعقوب بيكندي (أبو أرتين)، فرن بيت رزي يعقوب، فرن أدور سرجان، فرن محمد شريف، وفرن أبو خضرة، وفرن محمد علوز، فرن بيت غنطو”.
وأضاف: “وفي عام 1960م تم افتتاح أول دار سينما وكانت صيفية وقد سُميت بسينما سلوى على اسم ابنة صاحبها ومالكها جليل قره زيوان وموقعها كان في الشارع القادم من عامودا بجانب بيت قره زيوان نفسه، وأما السينما الثانية بمدينة الالدرباسية فكانت سينما فؤاد وكانت لصاحبها فؤاد لولي وبعد حريق سينما عامودا نجد يوسف سبتي يُنشئ دار سينما صيفي وخلفها سينما مغلقة شتوية، لقد تأثر وجود السينما بعد حريق سينما عامودا في عام 1960م. ولكن شكري مرجي من عامودا افتتح سينما الزهراء واستأجر سينما سبتي الصيفية والتي بقيت تعمل حتى انتشار البث التلفزيوني عام 1976م. حيث كان أول من أدخل التلفزيون إلى مدينة الالدرباسية موظف جاء من طرطوس وتلاه شراء تلفزيونات كروندينك من حلب من قبل: جمعة أبو عمر. وجرجس إبراهيم وسعيد إبراهيم وكريم عمسيح ويامين عبد الأحد، وهؤلاء أول من امتلك تلفزيونات”.
يردف أ.قومي قائلاً: “وعندما نذكر الدرباسية لابد أن نذكر كتّاب وشعراء عاشوا في الالدرباسية. منهم الشاعر سعد سعدي (القصيدة العمودية)، والكاتب والباحث إبراهيم يامين، إدريس الهلالي، رشيد الذيب، خضرة العرب، إسحق عبدو العيسى، كاميليا بحو الدرة، ومن الفنانين التشكيليين العالميين يعقوب إبراهيم عيسو وماهين شاهين وبشار العيسى وهناك أسماء كثيرة. أما الطواحين فإن أقدم طاحونة بناها عبد المسيح قرزيوان عام 1923م، والطاحونة الثانية كانت لبيت أصبهان، وكانت كروم العنب واللوز، تنتشر حول مدينة الدرباسية وأغلب مالكيها كانوا منصوراتية، من بين تلك الكروم: غرس بيت عبد النور، غرس سعيد توما، غرس بيت أدا، وغروس بيت المنصوراتي، وغرس عبدي، وغرس بطرس، وغرس سلو، وغرس بيت سعد”.
وتذكر إحصائية عام 1936م. بأن عدد سكان الالدرباسية ثمانية آلاف نسمة والقرى التابعة لها مئتي قرية. أما بالنسبة للمكتبات وما زال الكلام للأستاذ إسحق قومي: “فأقدم مكتبة في الالدرباسية، مكتبة داوود الوزير التي آلت بملكيتها إلى الأستاذ جورج إيغو. ومن الشخصيات الهامة في مدينة الالدرباسية غير المؤسسين الأولين ومن بنى فيها دوراً للعلم والمهن اليدوية نذكر شخصية كردية لها أيادي بيضاء وهو عبد المجيد حاج محمد عبد القادر الملقب بـ (أبو ملول). وهو من الشخصيات الوطنية المعروفة، ولد في قرية (سلاخ) 1900م. كان قد هجرها إلى قرية (القرمانية) التي كانت مبنية قبل بلدة الدرباسية وتقع إلى غربها وعندما بدأ العمار في مكان سكة القطار والثكنة العثمانية جاء قرزيوان وبنى طاحونة هناك وبعده جاء الناس وبدأت ملامح القرية تكبر. حتى غدت بلدة وعاشت العهد الفرنسي، وعين كأول مختار للطائفة المسلمة فيها في الثلاثينيات في الفترة نفسها التي كان المرحوم (عيسى الكيسو) قد عيّن مختاراً للسريان و(خورين ديرخورنيال) مختاراً للأرمن. لقد كان المرحوم من الوطنيين الأحرار. لذلك؛ نهب الفرنسيون بيته عدة مرات ونفي إلى دير الزور حيث بقي فيها ثلاث سنوات ثم عاد إلى البلد، وفي عام 1950م عُيّن رئيساً للبلدة لمدة ثلاث سنين حيث حل محله المرحوم الحاج عبد القادر كمختار للطائفة المسلمة، والمرحوم بحدي عيسى مختاراً للطائفة المسيحية.
توفي في عام 1973 وكان رجلاً محبوباً من قبل أهالي البلدة وريفها بمختلف طوائفهم وقومياتهم الذين أحبوه أيضاً بدورهم وقدروا أعماله الحسنة في الدرباسية ومن الرجال الذين ستبقى الدرباسية تذكرهم المختار والمصور وبائع الألبسة الجاهزة الأرمني إنترانيك فرمانيان نيشان المولود ببلدة سرى كانيه عام 1928م، والذي عاش في الدرباسية وتسلم المختارية من عمه خورين فرمانيان سنة 1953م، وفي سنة 1969م سافر إلى حلب وقد توفي عام 2013م”.
صحيفة روناهي
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=81384






