شرفان سيف الدين
يعتبر الشعب الكردي من أكبر القوميات في العالم كشعب بدون إطار الدولة، رغم بصمة الكرد في المنطقة عبر التاريخ وامتلاك أسلافهم للحضارة والإمبراطورية الكردية التي كانت على حساب غيرهم ومن ثم اضاعوها لحساب آخرين بحسب الدورة الكونية القائمة على هذه الفلسفة، بعيداً عن الخوض في الزمن البعيد وبعد انهيار السلطنة العثمانية كآخر الخلافات الإسلامية وتقسيم تركتها على النحو الحديث من دول وقوميات على أساس توزيع حديث للجغرافية السياسية في المنطقة وهندسة المنطقة من قبل دول الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى وعلى رأسهم بريطانيا وفرنسا فيما بات يعرف بتقسيم سايكس – بيكو لجغرافية المنطقة وترسيخ كل ما تلاها من اتفاقيات ومعاهدات في لوزان كنقطة نهائية وتثبيت ذلك في المحافل الدولية، ربما يعتبر الشعب الكردي هو الحلقة الأضعف في كل ما سبق إذا ما اضفنا لهم باقي شعوب المنطقة من تشرذم وتقسيم وخصخصة صغيرة تركز على المنفعة الشخصية الضيقة على حساب تاريخ ومستقبل المنطقة على حد سواء، بطبيعة الحال لم يكن الشعب الكردي يوماً راضياً عن هذا التقسيم وعليه تتالت الثورات الكردية بقيادات حسب ما تواجد ومقتضيات المرحلة لكنها ولظروف موضوعية وذاتية لم تكن بحسب مقتضيات مرحلتها مع وجود المصالح والتحالفات الدولية الموجودة أصلاً على الأساس المنفعي لكلٍ حسب أهدافه ومصالحه.
ظهور حزب العمال الكردستاني:
امتازت الثورات الكردية ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية بشعبيتها وقياداتها التقليدية المعتمدة أساساً على المشايخ والأغوات ورجال الدين وحصرها في جغرافيات ضيقة بحسب الممكن وقتها بطبيعة الحال، لكن بعد الحرب العالمية الثانية والاحتكاك المباشر مع الشيوعية والاشتراكية العالمية المتمثلة بالاتحاد السوفيتي وتوافد الشباب الكردي لدول أوروبا الشرقية وذلك بسبب سهولة السفر والاحتكاك المباشر مع مجتمعاتها ونقل تلك الأفكار للمجتمعات الكردية التي تتأقلم أساساً مع كل ما هو جديد، لإن الشعب الكردي معروف بانفتاحه وعدم تزمته الديني أو المذهبي …الخ، تقبل هذه الأفكار لما لها من بريق يعكس على الحالة المجتمعية وخاصةً الكردية.
مع بداية السبعينيات من القرن الماضي انخرط الشباب الكردي مع هذا التوجه الجديد البعيد عن الدين واللاهوتية ووجد نفسه محتوى فيه فكان الكرد في شمال كردستان وتركيا من السباقين للانخراط في هذا التيار اليساري العالمي الأممي، بعد أقل من عقد من الزمن حاولت هذه الفئة الشابة التوجه للعمل بمفردها مع اخراط الطابع القومي والخصوصية الكردية ودمجها مع الأممية في محاولة لخلق نموذج جديد وتجربة جديدة، فكان انطلاق حزب العمال الكردستاني سنة 1978م قفزة نوعية في تاريخ حركات التحرر الكردستانية وانطلاقة غير تقليدية أو عادية خاصةً مع وجود قيادة شابة كانت تعرف (بالطلبة)، ومع الحماس الشبابي الغير مسبوق الذي أدى بعد فترة وجيزة إلى اطلاق الكفاح المسلح سنة 1984م، والذي أصبح نقطة تحول جذرية ومحورية في تاريخ تركيا الحديث، تركيا التي تعتبر نفسها الوريث الشرعي للإمبراطورية العثمانية مع العلم إنها دولة منبثقة عنها كما باقي الدول التي انبثقت عنها إذا ما استثنينا عامل الجغرافية التي كانت تدير هذه الإمبراطورية من إسطنبول، لا يمكن لأي أحد أن ينكر فضل حزب العمال الكردستاني على كرد تركيا خصوصاً وكرد باقي الأجزاء عموماً لما قدمه من طرح قومي وأممي وخلق حالة من التوازن فيما بينهم ويثبت كل ذلك من خلال الاحتكاك المباشر مع باقي الحركات الثورية في المنطقة واحتضان الثوار الأمميين ضمن صفوفها وتبوئهم لمناصب قيادية بعيداً عن القومية الضيقة أو المحسوبية.
نقطة التحول في بداية التسعينات كان الاعتراف التركي بالقضية الكردية في المدة القريبة الماضية ويعتبر الرئيس التركي الأسبق تركت اوزال من الأوائل في الاعتراف الرسمي بإقرار الوجود الكردي في تركيا وحقوقه الثقافية والاجتماعية واللغوية والتحدث بها، لكن كان هذا الاعتراف بمثابة رصاصة التصفية الشخصية له ولتشهد ساحة شمال كردستان بعد ذلك حالة توتر ما بين الحكومات التركية المتعاقبة وحزب العمال الكردستاني والتي نتجت عنها أسر زعيم الحزب السيد عبدالله اوجلان في شباط من عام 1999م، وتلى ذلك نكسات للحزب وربما يعتبر أقواها التخبط الذي حصل في القيادة ما بين عامي 2002م وحتى 2004م، تاريخ انطلاقة الحزب بقيادات جديدة وتحت فكر الزعيم الأوحد بدون أي قيد او شرط.
الحالة الثورية بين الدكتاتورية والديمقراطية أو دكتاتورية الثورة:
ربما توصل السيد عبد الله أوجلان إلى حقيقة عملية خلال دراسته لتاريخ الثورات التحررية العالمية والثورات التي تقف في وجه المحتل في العالم بشكل عام والشرق الأوسط على وجه الخصوص، فكان الاستنتاج الأول هو خلق رجل واحد وإلغاء أي دور للرجل الثاني، فمثلاً في إحدى مقابلاته مع الصحفي نبيل ملحم يتجرد من دوره على إنه الرجل الأول ولا يعترف بتصنيف الأرقام ويبرر ذلك بأن وجود الرجل الأول سيؤدي بالضرورة إلى خلق الرجل الثاني وبالتالي فان هذا الرجل الثاني سيكون هدفه أن يصبح الأول وهكذا، وبالتالي يبرر أن وجود حالة الدكتاتورية الثورية ضرورة مرحلية للحفاظ على وهج الثورة لا تجزئتها وتقسيمها وبالتالي تمييعها وتشتيتها عن أفكارها السامية، وعليه يمكننا القول أننا أصبحنا أمام النموذج الاستاليني في القيادة أي الفرد القوي الذي يدور في فلكه الثورة والثوار.
انطلق السيد أوجلان من شعار تحرير وتوحيد كردستان في زمن كانت في هذه هي ابرز شعارات الثورات في العالم، خلق الدولة والمؤسسات على أساس قومي النموذج الأوروبي أو البريطاني المعتمد، لكن بعد ثلاثة أعوام من سجنه وقراءته لأدبيات معينة بدأت البوصلة تتوجه نحو المنيفستو الثاني الذي بدأ بطرحه تحت مسمى (المجتمع الديمقراطي) أو (الأمة الديمقراطية) والتي تبنتها حركته بعد البناء الجديد ما بعد عام 2004م وعليه بدأ العمل في الطباعة والنشر والترويج لهذا المفهوم خاصةً بعد تقوية الإتحاد الأوربي وانطلاقة العملة المشتركة ما بين دولها مع بداية الألفية الحالية كدليل اثبات إضافي على حتمية وصحية هذا المفهوم في التعايش ما بين الأمم والشعوب مع التطور التكنولوجي المتسارع والقفزات النوعية السريعة في مجال التواصل وتحويل العالم برمته إلى غرفة صغيرة يمكن من خلالها قراءة الأفكار وتبادلها بكل بساطة وسهولة.
تسارع تغيير الجغرافيا السياسية بعد 2020م:
رغم أن ثورات ما بات يعرف بالربيع العربي انطلقت بعد عقد واحد فقط من الألفية الحالية إلا إنها لم تكن وخلال عقد كامل حسب تطلعات الغرب المهيمن ولم تستطع التحديث والتطوير كما يجب، فهي لم تخرج من نطاق اسقاط قادة وجلب آخرين أكثر تزمتاً إما أيديولوجياً أو دينياً، وربما يعتبر عام 2020م أو عام كورونا الذي توقف فيه العالم عن الحركة عاماً مفصلياً لتحريك الملفات السياسية والاقتصادية العالمية المجمدة، ويعتبر الانسحاب الأمريكي من أفغانستان من أبرز القفزات النوعية، تلتها حرب روسيا – أوكرانيا ومن ثم السابع من أكتوبر وتبعاتها ما بين إسرائيل – وحركة حماس، وأذرع إيران في المنطقة من حزب الله والنظام السوري وصولاً لحرب الإثني عشر يوماً ما بين إسرائيل وإيران في تموز من العام الماضي وصولاً لما يجري حالياً على الساحة.
كل ما سبق كان له الأثر المباشر على الحالة الكردية في المنطقة من شعب وحركات سياسية وبطبيعة الحال يلعب حزب العمال الكردستاني دوراً محورياً في عدة أجزاء من كردستان، وعليه فقد كان روج آفا (غرب كردستان) ضمن البازارات السياسية لإعادتها إلى الحضن السوري كما يقال على حساب التنازلات في الجنوب والشمال الغربي، وبالتالي وضع انصار الحزب والحركة الكردية بالعموم بالإضافة إلى الشعب الكردي تحت الاختبار الأصعب خلال الشهرين الأولين من العام الحالي والذي ما زال تبعاته مستمراً، في فبراير من العام المنصرم اطلق السيد عبد الله أوجلان المبادرة الثالثة للسلام مع تركيا والمصالحة العامة للكرد مع الدول التي يعيشون فيها في خطوة أخرى خلقت الكثير من الجدل حولها ومدى تقبل الطرف التركي لها وتبنيها، رغم إن زعيم الحركة القومية التركي والذي يعتبر الأكثر تطرفاً وتشدداً بالنسبة للقضية الكردية قد تبناها وتكفل شخصياً في إنجاحها إلا أن خطوات الدولة التركية لا تقارن مع خطوات حزب العمال الكردستاني الذي حلَ نفسه وأحرق سلاحه في حالة رمزية لإنهاء الصراع المسلح والجلوس إلى طاولة السياسة، ما هو غير مفهوم لغايته ربما يعتبر التقارب الأمريكي الحذر من هذه الحركة من خلال أنصاره في سوريا الذين هم حلفاء منذ أكثر من عقد ضمن التحالف الدولي لمحاربة داعش ويمكن تلخيص هذا الحذر ضمن بعض النقاط على سبيل المثال لا الحصر:
- أمريكا تبحث عن كرد يفكرون مثلها لا نقيض عنها.
- أمريكا تنظر إلى هذه الحركة على أنها ذات خلفية يسارية شيوعية اشتراكية اممية وافكارها لا تتناسب معها.
- أمريكا تبحث عن حلفاء لها في المنطقة كعرب الخليج يكون صندوق نقدي أو جنود تحت الطلب.
- أمريكا لا تحبذ أي صوت نشاز يغرد خارج الإستراتيجية الأمريكية وعليه تحبذ خلق توابع بدل ترويض الموجود.
- أمريكا تنظر دائماً للتشاركية على أساس التبعية، في حين العمال الكردستاني يريد التشاركية على أساس الندية.
بحسب كل ما سبق تحاول الولايات المتحدة الأمريكية استمالة الحزب والاستفادة منه قدر الإمكان لتحقيق مصالحها في حين ان الحزب بين فكي كماشة فمن جهة الدول المحتلة لكردستان لا تبدي أي نوايا جدية أو حقيقية لحل المعضلة الكردية ومن جهة أخرى القوى الدولية العظمى تحاول خلق بيادق منهم دون أي اعتبار أخلاقي أو إنساني لحقوق الشعوب والأوطان في تقرير مصيرها.
ما بين الدوغمائية الثورية والمبادئ التي أنشئ عليها الحركة وما بين البراغماتية السياسية التي يجب مراعاتها بحسب المصالح الدولية والدول العظمى التي تدير دفة العالم حسب اهوائها، يحاول حزب العمال خلق نوع من التوازن المرن، بكل تأكيد قيادات الحزب ليست بأقل خبرة وحنكة لكن أبرز العقبات التي تواجهه هي وضعه لجميع قراراته في سلة قائده المسجون منذ أكثر من سبع وعشرون عاماً وفي ظل ظروف غامضة عن حالته الصحية خاصةً مع تضارب التصريحات ما بين الحين والآخر ما بين اللقاءات الدبلوماسية الرسمية والعائلية.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=85412
مقالات قد تهمك











