حوار مع المناضل شيخ مسلم قادر

مجلة الحوار – العدد /84/ – السنة 32 – 2025م.

المحور الأول: النشأة والبدايات

السؤال: لو بدأنا من حياتك الشخصية قليلاً… من هو شيخ مسلم قادر؟ وأين كانت بداياتك الأولى في الحياة والدراسة؟

الجواب: وُلدت عام 1946 لوالدين كرديين من عشيرة قركيجي في قرية علبلور التابعة لكوباني. وبعد أن بلغت الثالثة من عمري، انتقلت عائلتنا إلى مدينة كوباني، وهناك بدأتُ بتعلّم تلاوة القرآن الكريم على أيدي رجال الدين. وبعد أن ختمته التحقتُ بالمدرسة ودرستُ حتى الصف السادس، ثم واصلتُ دراسة علم الشريعة.

توفي والدي في حادثٍ مؤسف، ونتيجةً للظروف الصعبة اضطررتُ إلى العمل في سنٍّ مبكرة لإعالة أسرتي.

في عام 1986، وبتشجيع من بعض الرفاق الحزبيين ودعمهم، حصلتُ على الشهادة الإعدادية، ثم نلتُ الشهادة الثانوية عام 1989.

الجميل في العمل التنظيمي آنذاك أننا كنا كعائلة واحدة، فعندما كنت أقدّم امتحانات الصف التاسع والبكالوريا ساعدني العديد من الأصدقاء في الدراسة، مثل الرفيق أحمد جتو ومحمد دلي وغيرهما من الرفاق.

السؤال: ما الذي شكّل وعيك القومي والسياسي في تلك المرحلة المبكرة؟

الجواب: في سنٍّ صغيرة تولّد لدي الشعور القومي من خلال أحد أبناء عمومتي، الشهيد عبدي نعسان قادر، الذي كان يدرس في حلب. عندما كان يأتي إلى كوباني كنت أجلس معه، فيحدثني عن الحركة الكردية ويعطيني أعدادا من الجريدة الحزبية للبارتي. لقد كان للشهيد عبدي نعسان تأثيرا كبيرا في حياتي، وكان هو السبب في انضمامي إلى صفوف الحركة الكردية في بداية الستينيات، وكنت من المؤيدين للبارزاني الخالد.

المحور الثاني: البدايات السياسية والانضمام إلى الحركة الكردية

السؤال: كيف كانت الأجواء السياسية حين انضممتَ إلى الحركة الكردية؟ وهل كان العمل الحزبي سهلًا في تلك الفترة؟

 الجواب: كانت تلك السنوات صعبة جدا، فممارسة الأنشطة السياسية كانت ممنوعة، خاصة على الكرد. كنا نعقد اجتماعاتنا بسرية تامة ونتخذ تدابير احترازية دقيقة لحماية أنفسنا. ومع ذلك كنا نؤمن أن النضال من أجل الحقوق الكردية يستحق كل التضحيات. في تلك المرحلة كان كل من ينضم إلى حزب كردي يضع نصب عينيه أنه يضحي بكل شيء (حياته، عائلته، ماله) في سبيل قضيته العادلة.

كنا لا ننادي بعضنا بأسمائنا الحقيقية بل بألقابنا مثل (أبو شيار – أبو آزاد…). وكانت الكونفراسات الحزبية تُعقد بسرية شديدة؛ لم نكن نعلم موعدها ولا مكانها مسبقًا، بل كان أحد الرفاق المكلّفين يأخذنا إليها في اللحظات الأخيرة.

أتذكر الصديق العزيز عمر عفدكي (أبو تيمور) الذي كان مسؤولنا التنظيمي، وكان يأتي من مدينة سري كانيه إلى كوباني لإدارة اجتماعاتنا. لم يكن هناك تذمر أو تراجع من أي رفيق، مهما كانت المهام صعبة أو بعيدة.

كما أتذكر أن الجريدة الشهرية كانت تصلنا نسخة واحدة عن طريق أحد أبناء كوباني الذين يدرسون في حلب، فكنا ننسخ أعدادا منها سرا ونوزعها على الرفاق. الآن، وأنا أستعيد تلك الذكريات، أستغرب كيف كنا نُقدم على كل تلك المخاطرات، لكن الحقيقة أننا كنا نرى قضيتنا تستحق كل ذلك وأكثر.

السؤال: شاركتَ في مؤتمر ناوبردان عام 1970، كيف تتذكر تلك التجربة؟

الجواب: نعم، حضرتُ مؤتمر ناوبردان بدعوة من البارزاني الخالد في محاولة لرأب الصدع بين الأطراف الكردية في سوريا. لكن للأسف، ذهبنا بحزبين وعدنا بثلاثة، لأن الخلاف لم يكن فكريا أو سياسيا بقدر ما كان صراعا على المناصب. أتذكر أنني التقيتُ هناك بالملا مصطفى البارزاني، وطلبتُ منه السماح لي بالبقاء في كردستان والانضمام إلى صفوف البيشمركة، لكنه قال لي: «شعبكم في سوريا أحوج إليكم، وإذا احتجنا إليكم سندعوكم لمساندتنا.»

السؤال: كيف تصف لنا لحظة رؤيتك للبارزاني الخالد؟

الجواب: البارزاني الخالد شخصية لن تتكرر مهما طال الزمن، رجل حفر اسمه في ذاكرة البشرية، وقف في وجه أعتى الأنظمة الاستبدادية بإمكانيات بسيطة، لكنه امتلك إرادة صلبة وقلبا مؤمنا بقضيته.

كان محبوبا من العدو قبل الصديق، ولذلك كانت رؤيته بالنسبة لي حدثا لا يُنسى. حين نقول إننا رأينا البارزاني وقاتلنا إلى جانبه، فهذا يعني أننا قاتلنا في سبيل قضية شعب مظلوم تحت راية قائد عظيم.

السؤال: هل ذهبتَ لاحقا إلى كردستان العراق؟

الجواب: نعم، ذهبت مرات عديدة وشاركت إلى جانب قوات البيشمركة في معاركها ضد نظام صدام حسين. أذكر أننا في إحدى المرات ذهبنا لرؤية طائرة عراقية أسقطتها قوات البيشمركة غرب ناوبردان، وكانت تجربة لا تُنسى.

المحور الثالث: الملاحقة والنشاط الحزبي

السؤال: هل تعرضتَ للملاحقة أو الاعتقال بسبب نشاطك السياسي؟

الجواب: نعم، بعد سنوات من العمل الحزبي أصبحتُ ملاحقا من قبل سلطات حزب البعث، واضطررتُ لترك عائلتي في كوباني واللجوء إلى حلب، حيث بقيتُ متخفيا عشر سنوات.

وفي إحدى المرات اعتقلتني قوات الأمن السورية ونقلتني إلى منبج، وتعرضتُ للضرب والتعذيب لعدة أيام قبل أن يُفرج عني. كنت مطمئنا دائما لأن عائلتي بخير رغم غيابي، بفضل الرفاق الذين لم يتركوهم لحظة واحدة. أتذكر منهم المرحوم إسماعيل عمو، ومحمد دلي، وعلي بشار (أبو آزاد)، وعمر عفدكي. هؤلاء لم يكونوا مجرد رفاق حزبيين، بل إخوة حقيقيون، وكان هذا الشعور هو ما يدفعني للاستمرار في النضال.

السؤال: بعد تلك التجارب، شاركتَ في تأسيس حزب جديد. حدّثنا عن تلك المرحلة.

الجواب: في بداية الستينيات انتسبت للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا وكنت وقتها عضوا في اللجنة الفرعية ثم في السبعينيات اصبحت عضوا في اللجنة المنطقية. بعد الانشقاقات التي حدثت في البارتي، قررنا نحن مجموعة من الرفاق تأسيس حزب العمل في بداية الثمانينيات وكنت وقتها عضوا في اللجنة المركزية وكنا نصدر جريدة شهرية باسم (كار) التي كانت تطبع وتنسخ في قرية اسمها سركت من قبل رفاقنا حنيفي وأبو علي وكنت أضع الجريدة في حقائب أبنائي محمود وأحمد وارسلهم إلى منازل رفاقنا ليسلموها لهم. ثم سعينا لاحقًا إلى تأسيس حزب جديد يقوم على مبادئ الوحدة ونبذ الانقسامات، ونجحنا في بداية التسعينيات بتأسيس حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا بقيادة المرحوم إسماعيل عمر، من خلال دمج عدة أحزاب كردية، وأيضا كنت عضوا في اللجنة المركزية لكن مؤخرا تركت العمل الحزبي إلى أن جاءني السيد كمال أحمد وطلب مني العودة لصفوف البارتي فعدت وقتها للممارسة العمل التنظيمي وبعد الانشقاق أيضا بقيت ضمن صفوف البارتي بقيادة الاستاذ نصر الدين ابراهيم حتى العام ٢٠٠٧ ووقتها تركت العمل السياسي بشكل نهائي.

السؤال: تأسيس حزب من اندماج عدة أحزاب كردية في وقت كانت تسود فيه ظاهرة الانشقاقات، ماذا كان تأثير ذلك على الحركة الكردية والشعب الكردي؟

الجواب: كان لتأسيس حزب الوحدة حينها صدى واسع في الساحتين الكردية والسورية، لأنه كان أول تجربة دمج حقيقية بين الأحزاب الكردية، كما أن مبادئه الجريئة دفعت الآلاف من الشباب والشابات للانضمام إليه.

السؤال: هل استطاع حزب الوحدة أن يلعب دورا مختلفا عن باقي أحزاب الحركة الكردية؟

الجواب: نعم، بالتأكيد. تميّز الحزب بقيادة المرحوم إسماعيل عمر، الذي كان محبوبا ومقبولا من جميع الأطراف الكردية. كانت أنشطتنا، كحملات الملصقات في التسعينيات، نقلة نوعية في العمل السياسي الكردي. ورغم كثرة الاعتقالات التي طالت أعضاء الحزب، إلا أننا نقلنا النضال إلى مرحلة جديدة وأجبرنا السلطات على إعادة حساباتها. اتذكر وقتها أن الاجتماع الذي جرى فيه توزيع المهام والملصقات على رفاقنا كان في منزلي. كما أن تجربة الاندماج نفسها تركت أثرا إيجابيا لدى أبناء الشعب الكردي عامة، ومنهم أبناء كوباني، فازداد عدد المنتسبين من فئة الشباب والطلبة، واستعادت الحركة شيئا من ثقة الناس بها.

السؤال: متى قررتَ ترك العمل الحزبي، ولماذا؟

الجواب: قررتُ ترك العمل الحزبي عام ٢٠٠٧ بعد تكرار الانشقاقات داخل الحركة، حفاظا على تاريخي ومسيرتي، لأنني لم أرغب أن أكون جزءا من أي انقسام جديد بعد أن كنت أحد المساهمين في توحيد عدة أحزاب. أؤمن أن النضال ليس في العمل الحزبي فقط، رغم أهميته، بل في بناء الأسرة على القيم الصحيحة والأخلاق النبيلة، وفي تربية الأبناء على العلم والمعرفة.

المحور الرابع: كوباني – المجتمع والسياسة

السؤال: حدثنا عن مدينة كوباني، كيف كانت في الماضي؟

الجواب: كوباني لم تكن كما هي اليوم مدينة كبيرة، بل كانت بسيطة في شكلها، لكنها غنية بأهلها. كان الجميع يعرف بعضهم البعض كأنهم عائلة واحدة، يتألمون لمصاب أي فرد ويقفون إلى جانب المحتاج.

اعتمدنا على الزراعة والرعي وحفر الآبار كمصدر رزق، لكن رغم بساطة الحياة كان في كوباني العديد من أصحاب الشهادات والمثقفين والفنانين مثل رشيد صوفي وباقي خدو وغيرهم. تاريخ كوباني وأهلها شاهد على حجم التضحيات التي قدموها في سبيل حرية الشعب الكردي ومواجهة سياسات النظام الاستبدادي، ووقف أبناؤها بوجه مشاريع مثل “الحزام العربي” وغيرها من السياسات الشوفينية.

كوباني صمدت في وجه أعتى التنظيمات الإرهابية وقدّمت خيرة أبنائها في سبيل الكرامة والحرية. لقد أصبحت رمزًا عالمياً للصمود والإصرار.

المحور الخامس: الحاضر والمستقبل

السؤال: كيف تقيّم واقع الحركة الكردية في سوريا اليوم؟

الجواب: رغم أنني لا أنتمي حاليا لأي حزب، فإنني أدعم جميع أطراف الحركة الكردية وأدعوهم إلى الوحدة والعمل المشترك. لكن إن أردنا وصف الواقع الحالي، فهو مأساوي؛ ففي حين تُحل الخلافات بين الأحزاب في دول العالم بالحوار، تجاوزت الحركة الكردية مرحلة الخلاف إلى القطيعة والتجييش والعداء، وهذا ينعكس سلبًا على المجتمع الكردي ككل.

السؤال: ما رأيك بالكونفرانس الكردي الذي عُقد في قامشلو في 26 نيسان الماضي؟

الجواب: أعتبر عقد الكونفرانس إنجازا كبيرا يجب البناء عليه وتنفيذ مخرجاته. إنها خطوة مهمة نحو تجاوز الانقسامات وتحقيق وحدة الصف الكردي. منذ ستينيات القرن الماضي، والشعب الكردي في سوريا ينتظر مثل هذه الخطوة، وأنا من الداعمين لها مهما كانت نتائجها، لأن الأهم هو الانتقال من الخلاف إلى الحوار والعمل المشترك.

السؤال: ما الرسالة التي توجهها إلى الجيل الجديد من الشباب الكرد؟

الجواب: أدعو شبابنا وشاباتنا إلى التمسك بالعلم والمعرفة، فهما السلاح الحقيقي إلى جانب من يضحّون بأرواحهم في سبيل الحرية. نحن نعيش اليوم عصر التكنولوجيا، ومن واجب الأجيال الجديدة إتقانها وتسخيرها لخدمة الذات والمجتمع والشعب الكردي بالطريقة الصحيحة.

السؤال: برأيك، ما السبيل إلى حلّ القضية الكردية في سوريا؟

الجواب: حلّ القضية الكردية مرتبط بمستقبل سوريا الديمقراطية. فلا بد أن تتحول البلاد إلى دولة ديمقراطية ينال فيها جميع المكونات حقوقهم التي أقرتها المواثيق الدولية، عندها فقط تنعم سوريا بالاستقرار والأمان. كما يجب أن يكون للكرد ممثلٌ واحد يتحدث باسمهم، بدلاً من تعدد الأطراف والمطالب. وجود وفدٍ موحّد هو الطريق الأمثل، وسندعمه مهما كانت مطالبه.

في ختام هذا اللقاء، تتوجه مجلة «الحوار» بالشكر الجزيل إلى المناضل مسلم شيخ قادر على ما قدّمه من ذكريات وتفاصيل نضالية قيّمة، متمنين له دوام الصحة والعمر المديد.

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top