إنكار قضية الكرد بعد اعترافٍ رسمي بها، وترسيخُ اتفاقية سايكس بيكو التي قسّمتهم في أربع دول، وبداية عمليات ترحيلٍ قسري جماعية، شملت الملايين، والتخلّي عن العدالة، وإطلاق يد تركيا لارتكاب مجازرَ تاريخيةٍ جديدة، في وقائعَ تُنافي ما تم الترويج له حينها، عن سلامٍ في الشرق الأوسط… هذا باختصار ما جرى في لوزان قبل قرنٍ من الزمن……
مئة عامٍ وعام، هي عمر اتفاقيةٍ وقعتها دولٌ خرجت منتصرةً من الحرب العالمية الأولى، مع “الرجل المريض”، كما كان يحلو للحلفاء تسمية الدولة العثمانية، لتعيد رسمَ الحدود والجغرافيا السياسية، لبلدان عدة في منطقة الشرق الأوسط، وتكتب نهايةً للحرب، عبر رسم خريطة تركيا التي قامت على أنقاض الدولة العثمانية، لكن الاتفاقية أثارت جدلاً وانتقاداتٍ واسعة، على اعتبار أن الحلفاء المُنتصرين رضخوا لتركيا المَهزومة، بما يتماشى مع مقتضيات المصالح وبازارات السياسة، ما اُعتبر خذلاناً، بل خيانةً، لشعوبٍ طالما ناضلت في سبيل تقرير مصيرها بنفسها، وأبرزهم الكرد.
في الرابع والعشرين من تموز يوليو، عام ألفٍ وتسعمئةٍ وثلاثةٍ وعشرين، تم التوقيع على اتفاقيةٍ في مدينة لوزان جنوبي سويسرا، بين وفدِ تركيا برئاسة مصطفى كمال أتاتورك، وعصمت إينونو، ووفودٍ من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، واليابان واليونان، ودولٍ أخرى، هزمت الدولة العثمانية وحلفاءَها في الحرب العالمية الأولى.
تضمّنت الاتفاقية مئةً وثلاثةً وأربعين مادة، لم يأتِ أيٌّ منها على ذكر القضية الكردية، رغم أنها كانت إلى جانب قضية الأرمن، إحدى أهم بنود معاهدة سيفر. ويعزو بعضُ المراقبين موقف الحلفاء الجديد من هذه القضايا الحساسة، إلى خشية الأوروبيين في الغرب، من تقارب الأتراك مع الشرق، ممثلاً بالاتحاد السوفياتي، الذي كان حديثَ العهد حينها، وما قد يترتب على ذلك، من تشكيل حلفٍ شرقي يهدد نفوذ الحلف الغربي، لكن هذه التبريرات لم تشفع لهم تاريخياً، بل كانت بمثابة انتكاسةٍ في مفاهيم وقيم الحضارة والعدالة وحقوق الإنسان، التي كانوا يتشدقون بها ومازالوا.
لوزان التي دخلت حيّز التنفيذ، بعد شهرٍ من التوقيع عليها، تطرّقت أبرزُ بنودها إلى حدودٍ جديدةٍ لتركيا، مع اليونان وبلغاريا ودولٍ عربية، وتنظيم استخدام المضائق البحرية ” البوسفور والدردنيل”، وقتَ السلم والحرب، وحماية المسيحيين اليونانيين الأرثوذكس في تركيا، مقابل حماية المسلمين في اليونان، “وهذا الموضوع أخفى وراءَه ما أخفى”، إضافةً إلى موادَّ تتعلق بتنظيم وضع تركيا الدولي الجديد، وترتيب علاقاتها بالحلفاء.
بالنسبة للحدود التركية – السورية، ظلت مسألةُ لواء اسكندرون، معلقةً في مفاوضات تركيا وفرنسا، إلى أن تم ربطُهُ بسوريا عام ألفٍ وتسعمئةٍ وستةٍ وعشرين، لتمنحه فرنسا بعدها، وضعاً خاصاً أشبهَ بالحكم الذاتي عام ألفٍ وتسعمئةٍ وثمانيةٍ وثلاثين، قبل أن تنسحب وتفسح المجالَ أمام قواتٍ تركية، قامت بسلخه عن الوطن الأم سوريا، وضمِّه إلى تركيا.
وبهذا ألغت اتفاقيةُ لوزان معاهدةَ سيفر، التي وقّعها الحلفاء مع الدولة العثمانية في العاشر من آب أغسطس عام ألفٍ وتسعمئةٍ وعشرين، والتي تضمّنت أربعَمئةٍ وثلاثةً وثلاثين بنداً، بينها الاعترافُ بحق الكرد في الاستقلال، في البند الثاني والستين، بالإضافة إلى ترسيم حدود أرمينيا، كدولةٍ مستقلة، لكن القوى الأوروبية توافقت مع تركيا وروسيا، على صيغةٍ تؤمّن مصالحَ الجميع، في ظل غيابٍ تامٍّ لممثلي الكرد والأرمن والبلاد العربية، ما جعل لوزان محطةً سيئةَ الصيت ومرفوضة، كونها دفنت أحلام وتطلعات الكرد والأرمن، المشروعة في التحرر من الظلم والاستبداد، الذي تعرضوا له تاريخياً.
وبموجب الاتفاقية، أُلحق جزءٌ صغيرٌ من الأراضي الأرمينية، إلى الاتحاد السوفياتي، أما الجزءُ الأكبر، فعاد إلى خريطة تركيا، وكأنَّ ما حدث لهم من مجازرَ بقصد الإبادة الجماعية، على يد العثمانيين، خلال الحرب العالمية الأولى، لم يكن كافياً لإنصافهم وتحقيق العدالة ومحاسبة الجُناة.
غياب الكرد عن خريطة لوزان، فجّر ثوراتٍ وانتفاضاتٍ تُطالب بالهوية الكردية، أبرزها ثورةُ الشيخ سعيد بيران عام ألفٍ وتسعمئةٍ وخمسةٍ وعشرين، والتي انتهت بإعدامه من قبل تركيا، ثم انتفاضةُ آكري في نهاية العشرينات وبداية ثلاثينات القرن الماضي، فيما تفنّنت تركيا بأساليب القمع لإطفاء جذوة الغضب الكردي، وعمدت إلى إضعاف وجود الكرد، وتغيير ديمغرافية مناطقهم، فلجأت إلى تدمير قُراهم، وتهجيرهم إلى أماكنَ نائية، واستبدالهم بالأتراك. أمّا انتفاضةُ ديرسم عام ألف وتسعمئة وستة وثلاثين، بقيادة سيد رضا، فقوبلت بمذابحَ يندى لها جبينُ الإنسانية، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف، وتم إعدام قائدها في الخامس عشر من تشرين الثاني نوفمبر، عام ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعةٍ وثلاثين، ما يمكن أن نسميه، قرناً من المجازر والكوارث على الشعب الكردي، جراء تخلي القوى العظمى عن تعهداتها في سيفر.
ومن بين التداعيات الكارثية لاتفاقية لوزان، تبادُلٌ قسريٌّ للسكان بين تركيا واليونان، لتبدأ عملياتُ الإخلاء القسري والترحيل، التي تسببت في فقدان ملايين الأشخاص لأرضهم، وإحداث عملياتِ تغييرٍ ديمغرافي واسعة، بذريعة حماية المسيحيين والمسلمين، وذلك رغم السلام الذي كان سائداً لقرون، في المناطق التي شهدت تبادلاً، والتي احتضنت مختلف الديانات والأعراق.
لكن، وللأمانةِ التاريخية، وحتى تبدو الصورةُ كاملة، من المهم أن نعلم أن اليونانيين والأرمن، تعرضوا للإبادة في سميرنا “أزمير” الحالية، بعد دخول القوات التركية إليها، عام ألفٍ وتسعمئةٍ واثنين وعشرين، إثر حرائقَ افتعلها الجنود الأتراك، والتهمت الأحياء اليونانية والأرمنية بالكامل.
وهكذا تم تبادل سكانِ الأناضول الأرثوذكس اليونانيين، بالسكان المسلمين الأتراك في اليونان. والغالبية العظمى من هؤلاء الناس، عاشوا في بلدانهم لأجيال، ويتكلمون اللغة المحلية، ولكن ليس لغة البلد الذي تم ترحيلهم إليه. ويصف المؤرخ غابي فيرز ما حدث، بأنه لم يكن تبادلًا، بل ترحيلًا قسريًا، ففي غضون أشهر، تم تبادل نحو مليونٍ ونصفِ مليون شخص، في إطار عمليةٍ لم يكن السكان المحليون مستعدين أو حتى راغبين فيها.
في ذكرى المئوية الأولى لاتفاقية لوزان، شارك آلاف الكرد في مظاهراتٍ ومسيراتٍ راجلة، وصلت إلى قصر رومين في وسط المدينة، حيث وقِّعت الاتفاقية، للتعبير عن غضبهم ورفضهم، لاتفاقيةٍ كانت مجحفةً بحقهم، بعد الاعتراف بالأمة الكردية في سيفر، وبدلاً من تنفيذ بنودها، عمد الحلفاء إلى تقسيم الكرد وبلادهم كردستان، إلى أربعة أقسام، ما تسبب بشكلٍ مباشرٍ في بقاء القضية الكردية حتى الآن بدون حل، وما زال الكرد، وهم أكبر شعوب العالم التي تعيش بدون وطن، يعانون من الإقصاء والتهميش وعدم الاعتراف والقمع، وحتى الإبادة على أساس العِرق.
كثيرٌ من الشائعات وربما الأخطاء، انتشرت في تركيا، حول انتهاء مفعول اتفاقية لوزان بعد قرنٍ من الزمن، وأن هناك بنوداً سريةً لم تُكشف للعلن، خاصةً فيما يتعلق بموضوع تحكم تركيا بالمضائق، أو فيما يتعلق بحدودها الجغرافية، لكن الواقع يؤكد أن الاتفاقية، لم تكن مقيدةً بزمنٍ معين، وأن أحلام تركيا في “ميثاقها الملي”، ذهبت مع الريح، رغم أنها ترفض ذلك وتتحرك بناءً عليه…….
الكرد، وهم أكثر المتضررين من لوزان، تبدو لهم الصورةُ قاتمة، فأوضاعُهم تغيّرت، لكن من سيئٍ لأسوأ، وذنبهم الوحيد أنهم يعيشون بجوار أنظمةٍ ترفض وجود الآخر، وعليه فإن لعنةَ الجغرافيا ما زالت تلاحقهم، وهم يدفعون حتى الآن ثمن صفقاتٍ كان للمصالح فيها القولُ الفصل، في لوزان وغيرها، أما التاريخ فشاهدٌ على عصورٍ أقام فيها الكرد حضاراتٍ نهلَت منها البشرية جمعاء.
المصدر: قناة اليوم
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd.ws/?p=47644