د. محمود عباس
الحلقة السادسة من سلسلة تحليلية
لم يعد العالم يُدار اليوم بالخرائط وحدها، ولا تُعاد صياغة الشرق الأوسط بالجيوش فقط، بل بخوارزميات الأسواق، وذكاء البيانات، ومنطق السيطرة الناعمة التي تسبق القوّة وتُرافقها. ففي زمن الطفرة التكنولوجية المتسارعة، لم تعد الدولة العميقة الأميركية بنية جامدة تستند حصريًا إلى ترسانة عسكرية، بل تحوّلت إلى منظومة عصرية هجينة، تمزج بين أدوات الهيمنة الكلاسيكية وأدوات السيطرة الخوارزمية، وتعيد عبرها ترتيب الجغرافيا السياسية بما ينسجم مع مصالح الإمبراطورية في طورها الجديد.
ضمن هذا التحوّل، لا تُعاد هندسة الشرق الأوسط بوصفه ساحة صراع عقائدي أو ديني بقدر ما يُعاد تشكيله كمجالٍ وظيفي للاختبار والإدارة، حيث تُستبدل الأنظمة، وتُعاد تسمية الخصوم، وتُصاغ التحالفات وفق معيار واحد: القدرة على إنتاج استقرارٍ قابلٍ للاستثمار. في هذا السياق، جرى تحويل العراق من دولة ذات بنية سنّية حاكمة إلى عراقٍ شيعيّ النفوذ، ويُراد لسوريا العلوية–الشيعية أن تُدفع نحو نموذج سنّي تكفيري، كما تحوّلت تركيا من الكمالية إلى الأردوغانية السنّية، وقبلها انتقلت إيران من علمانيتها إلى دولة دينية شيعية، وتكرّرت التحوّلات ذاتها في لبنان ومصر وليبيا وتونس، بينما تطرق ارتداداتها اليوم أبواب الخليج، إيذانًا بمرحلة مراجعة شاملة للجغرافيا السياسية والقومية للشرق الأوسط.
وفي قلب هذا المشهد المعاد تشكيله، لا تظهر كوردستان كطارئ سياسي أو مطلبٍ مؤجَّل، بل كإحدى النتائج البنيوية لتحوّل النظام العالمي نفسه، وكفاعلٍ يتماهى موضوعيًا مع منطق الدولة العميقة العصرية أكثر مما يتصادم معه. فهي تتقدّم من الهامش إلى القلب، لا عبر الخطاب، بل عبر الوظيفة، السياسية، والاقتصادية، والأمنية.
من هنا، يأتي هذا النص بوصفه محاولة لقراءة هذا التحوّل من منظور بنيوي أوسع، لا من زاوية الحدث العابر أو القرار الآني، رابطًا بين الإمبراطورية الأميركية في طورها الخوارزمي، وإعادة هندسة الشرق الأوسط، ومكانة كوردستان في هذا المشهد الجديد، حيث تُعاد صياغة النفوذ لا بالقوة وحدها، بل بمنطق الاستقرار القابل للإدارة في زمن الخوارزميات.
قريبًا، لن يكون السؤال المطروح أمام الولايات المتحدة هو من يحكم الشرق الأوسط، بل أي شرق أوسط يمكن إدارته ضمن منطق الإمبراطورية الخوارزمية. فالعالم يتجه سريعًا نحو مرحلة لا تُقاس فيها القوة بعدد القواعد العسكرية، بل بمدى السيطرة على سلاسل التكنولوجيا، والبيانات، والطاقة، وممرات الاستقرار. وفي هذا السياق، تبدو إدارة دونالد ترامب، في ولايتها الثانية، جزءًا من هذا التحوّل لا استثناءً عنه، مهما بدت مواقفها متناقضة أو صادمة على السطح.
الدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة لم تعد معنية بإنتاج «حلفاء أيديولوجيين»، بل بشركاء قادرين على ضمان الاستقرار، ومنع الفوضى، وتأمين المصالح بأقل كلفة ممكنة. ومن هنا، فإن محاولات تعويم قوى متطرفة، أو إعادة تدوير تنظيمات ذات خلفيات تكفيرية تحت عناوين سياسية مؤقتة، لن تصمد طويلًا أمام اختبارات الواقع. فالتجربة أثبتت، مرارًا، أن الاستثمار في الفوضى يعود دائمًا بنتائج عكسية، وأن الإرهاب، مهما تغيّر اسمه أو شكله، لا يتحول إلى شريك مستدام.
في المقابل، تبرز كوردستان، بشطريها السوري والعراقي، بوصفها أحد النماذج القليلة في الشرق الأوسط التي أثبتت قدرتها على التكيّف مع منطق العصر، ليس لأنها «مفضّلة» أخلاقيًا، بل لأنها مفيدة استراتيجيًا. فالمجتمع الكوردي، بقواه السياسية والعسكرية، قدّم نموذجًا مختلفًا، مقاومة عملية للإرهاب، انفتاح على الاقتصاد العالمي، قبول بالتعددية، واستعداد للاندماج في منظومة إقليمية لا تقوم على الإلغاء.
قريبًا، ستدرك واشنطن، إن لم تكن قد بدأت تدرك بالفعل، أن تقليص دور القوى الكوردية لصالح ترتيبات هشة، خاضعة لضغوط إقليمية أو لإغراءات مالية قصيرة الأمد، ليس سوى مقامرة خاسرة. فالكورد لم يكونوا حليفًا ظرفيًا في الحرب على داعش فحسب، بل خط دفاع متقدم ضد عودة الإرهاب بأشكاله الجديدة، وضامنًا لاستقرار نسبي في منطقة تعاني من فراغ الدولة وانهيار البنى التقليدية.
أما دونالد ترامب، فسيُقرأ، في نهاية المطاف، لا بوصفه رئيسًا أحدث فوضى، بل كأحد رموز المرحلة الانتقالية بين إمبراطوريتين، إمبراطورية السلاح، وإمبراطورية الخوارزميات. وفي هذه المرحلة الانتقالية، تُخطئ الإمبراطوريات حين تخلط بين الربح السريع والمصلحة بعيدة المدى. وكوردستان، في هذا المعنى، ليست عبئًا على الاستراتيجية الأميركية، بل أحد شروط نجاحها.
إن المشهد القادم لن يُدار بمنطق الشعارات، ولا بالخطابات الشعبوية، بل بقدرة الشركاء على إنتاج الاستقرار، وضمان المصالح، ومنع الانهيار. وفي هذا المشهد، لن يكون السؤال،
هل تحتاج أمريكا إلى الكورد؟
بل، هل تستطيع الاستغناء عنهم دون أن تدفع الثمن؟
الولايات المتحدة الأمريكية
2/1/2026م
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=83143






