رودي إبراهيم اليزيدي
اللغة الإنسانية لا تجعل من أي نظرية مشروعاً عادلاً أو منطقياً.
فالكلمات، مهما بدت نبيلة، لا تكتسب قيمتها من مفرداتها، بل من الواقع الذي تُطبّق فيه، ومن موقع الطرف الذي يُطلب منه الالتزام بها.
ليست كل دعوة إلى أخوة الشعوب دعوة أخلاقية، ولا كل نظرية تتجاوز القومية تعبيراً عن تقدم سياسي. حين يُطرح هذا الخطاب على شعب لا يملك دولة، ولا سيادة، ولا قراراً حراً، تتحول الأخوة من قيمة إنسانية إلى عبء سياسي يُفرض على الطرف الأضعف.
الشعب الكوردي لم يكن شريكاً حراً حين طُلب منه تجاوز قضيته القومية باسم مشاريع كبرى. كان ولا يزال شعباً محروماً من أبسط حقوقه السياسية، بلا دولة تحميه، وبلا ضمانات تصون لغته وهويته ووجوده. وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن تنازل أخلاقي أو شراكة متكافئة، لأن الإنسان غير الحر لا يملك ترف الاختيار.
مقالات قد تهمك
الإنسان الحر وحده هو القادر على التنازل. ومن يمتلك دولة وجيشاً وحدوداً ولغة رسمية هو وحده من يملك الحق الأخلاقي في الدعوة إلى ما فوق القومية. أما مطالبة شعب مسلوب الإرادة بتقديم التضحيات باسم الأخوة، فذلك قلب للمنطق وليس سموّاً إنسانياً.
ما امتلكه الكورد جزئياً في روجافايه كوردستان (إقليم شمال وشرق سوريا) لم يكن نتاج سيادة مكتملة، بل مساحة هشة وُضعت في قلب صراعات ومقايضات. جرى التعامل معها كورقة تفاوض، ودخلت في صفقات سياسية ذات أهداف مادية وحزبية، وكان الثمن المدفوع من دم الناس واستقرارهم وهويتهم ومستقبلهم.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل حقيقة أن هناك اليوم من يحاول إعادة تدوير الفشل ذاته مرة أخرى. لسنا أمام جهل بالدرس، بل أمام أشخاص يعرفونه جيداً، ومع ذلك يؤدون دور الأداة الرخيصة للتنفيذ. تتبدل المسميات، وتُستحدث وجوه جديدة، لكن الهدف يبقى واحداً: دفع الشعب الكوردي مجدداً لخدمة مصالح تفاوضية، على حساب ما تبقى بين يديه من أرض وقرار ووجود. هذا المسار، مهما تغيّر شكله أو لغته، سيُواجَه بموقف حازم من شعب كوردستان.
وعلى من يظن اليوم أنه أبرم صفقات، أو أنه قادر على تسويق مشروع جديد تحت عناوين مختلفة، أن يفهم الأمر بوضوح تام: لا بديل، ولا قبول، ولا شرعية لأي مشروع لا يؤدي بشكل صريح إلى وحدة الشعب الكوردي والكوردستاني. هذه الوحدة يمكن فهمها سياسياً، أو جغرافياً، أو فيدرالياً، كما يشاؤون، لكن جوهرها واحد لا يتغير. الوحدة الكوردية هي الهدف الأساسي، سواء على مستوى روجافايه كوردستان (إقليم شمال وشرق سوريا) أو على مستوى كوردستان ككل.
أما ما يُراد تسويقه مرة أخرى باسم الأخوة، أو التعايش، أو أي شعار إنساني منزوع من شرط الحرية والسيادة، فلن يكون مقبولاً بعد اليوم. هذا المسار لم يعد قابلاً للنقاش، وسيُواجَه بالرفض الشعبي الصريح، لأن الشعب الكوردي لم يعد مستعداً لدفع ثمن الأوهام مرة أخرى.
اليوم، وبعد كل ما جرى من كوارث وتجارب مريرة، لم يعد ممكناً مطالبة الشعب الكوردي بتصديق أي مشروع لا يقود بوضوح إلى نتيجة سياسية ملموسة. أي مشروع لا يضع دولة كوردستان، أو على الأقل وحدة سياسية كورديّة ذات قرار مستقل، في صلب أهدافه، هو مشروع غير قابل للتصديق مرة أخرى، مهما تغيّرت لغته أو تبدلت تسمياته.
الأخوة الحقيقية لا تُفرض على الضعفاء. والشراكة لا تُبنى بين أطراف غير متكافئة. ومن يريد العيش المشترك فعليه أولاً الاعتراف بحق الآخر في الحرية والسيادة والدولة.
ما عدا ذلك ليس تقدماً سياسياً، بل تأجيلاً منظماً للحق، وإعادة إنتاج للخسارة بلغة جديدة.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=83569






