حين يبتلع الولاء الحقيقة: من إنكار القناعات إلى تعطيل التجديد باسم الديمقراطية

تكبير الصورة

م. أحمد زيبار
في سياق الظلم التاريخي الذي عانى منه الشعب الكردي، نشأت حركات سياسية حملت مشروع الخلاص والحرية، وسعت إلى تمكينه من العيش كسائر الأمم ونيل حقوقه القومية. غير أنّ مسيرة هذه الحركات، على الرغم من مشروعية أهدافها وعدالتها، أفضت إلى تحوّلات عميقة لم تكن جميعها في صالح هذا المشروع؛ إذ كرّس بعضها أنماطاً من التفكير المغلق، وأعاق تشكّل وعيٍ نقدي متجدّد، بل وأعاد إنتاج قيود داخلية حدّت من قدرة المجتمع على مراجعة ذاته وتطوير مساره.
إن أخطر ما قد تفعله أي حركة سياسية ليس قمع خصومها، بل إعادة تشكيل وعي أنصارها بحيث يشعرون بالذنب إن قالوا الحقيقة. عند هذه النقطة، لا يعود الصراع على السلطة أو الحقوق فحسب، بل يتحول إلى صراع أعمق: صراع على تعريف الحقيقة ذاتها—من يملكها، ومن يحق له قولها، ومتى.
في التجربة الكردية الحديثة، لم تكن “المسؤولية الجماعية” مجرد آلية لتنظيم العمل الحزبي، بل تحوّلت تدريجياً إلى منظومة أخلاقية بديلة أعادت تعريف مفهومي الصدق والخروج عن الخط العام. لم يعد الانضباط التزاماً تنظيمياً فحسب، بل أُعيد إنتاجه كمعيار للحكم على الضمير الفردي؛ حيث جرى سحب الحقيقة من مجالها الشخصي، وإعادة تشكيلها كملكية جماعية تُدار بقرار حزبي. في هذا السياق، لم يعد يُطلب من الرفيق الصمت فقط، بل التماهي العلني مع خطاب قد يتعارض مع قناعاته، بوصف ذلك تعبيراً عن “الوفاء” للتنظيم، فيما يُعاد توصيف أي تحفظ أو اختلاف باعتباره خروجاً يستوجب الضبط.
لم يكن هذا التحول وليد نزوة أيديولوجية، بل نتاج سياق تاريخي ضاغط. فقد وجدت الحركات الكردية نفسها، على مدى عقود، في حالة دفاع مستمر عن الوجود، محاصرة بقوى إقليمية متفوقة ومهددة بالتفكك الداخلي. في مثل هذه البيئة، يُنظر إلى الاختلاف بدايةً باعتباره غير مرغوب فيه، ثم لا يلبث أن يتحول إلى تهمة. ومع استلهام مفهوم “المركزية الديمقراطية” وتحويره، انتقل الانضباط من كونه آلية تنظيمية إلى ما يشبه نظاماً أخلاقياً يعيد ترتيب العلاقة بين الفرد والجماعة.
ضمن هذا الإطار، لم تعد تُقاس قيمة الرفيق بقدرته على التفكير النقدي، بل بقدرته على التماهي مع الخطاب الرسمي حتى حين يتعارض مع قناعته. وهنا تتشكل إحدى أخطر الظواهر: وعي مزدوج يعيش فيه الفرد بين قناعة داخلية وخطاب علني مُؤمَّم. ومع الزمن، لا يعود هذا الانفصام عبئاً نفسياً فقط، بل يتحول إلى معيار للولاء؛ إذ يُكافأ من يجيد إنكار قناعاته، بينما يُنظر إلى من يتمسك برأيه بوصفه تهديداً لوحدة الصف.
ولا تُفرض هذه الحالة دائماً بالقمع المباشر، بل تُغلّف بخطاب أخلاقي كثيف؛ إذ يُقنع الكادر بأن تمسكه برأيه شكل من “الأنانية”، وأن التضحية برؤيته الشخصية واجب نضالي تفرضه “المصلحة العليا”. وهكذا، لا يصبح قول ما يخالف القناعة انحرافاً، بل يتحول إلى فضيلة وظيفية، وإلى ما يشبه التزاماً صامتاً في سبيل الجماعة. إنها عملية إعادة هندسة للضمير، يُستبدل فيها الصدق بالولاء، والحقيقة بالانسجام التنظيمي.
تتجلى هذه الظاهرة بوضوح أكبر في الحالة الكردية السورية، حيث تداخل القمع التاريخي مع تحولات ما بعد عام 2011. ففي مرحلة ما قبل الثورة، فرضت الملاحقة الأمنية على الأحزاب الكردية العمل ضمن بيئات مغلقة، جعلت من الانضباط الصارم شرطاً للبقاء. وكان إخفاء الخلافات الداخلية يُنظر إليه كضرورة أمنية، فيما يُشتبه بأي صوت مختلف بوصفه اختراقاً محتملاً.
غير أن أثر تلك المرحلة لم يتوقف عند حدود الصمت الظرفي، بل أعاد إنتاج نفسه في صورة “خطوط حمر داخلية” استقرت في الوعي الحزبي كقناعات. وبذلك، لم يعد الحذر ظرفاً مؤقتاً، بل تحول إلى بنية ذهنية تُقيّد قول الحقيقة حتى في غياب الخطر، في ظل أنماط تنظيمية يغلب عليها الطابع التنفيذي مع محدودية في المبادرة النقدية.
ومع التحولات التي أعقبت عام 2011، لم تتراجع هذه الثقافة، بل أعادت إنتاج نفسها في سياق مختلف. فقد انتقلت بعض القوى من موقع الحزب الملاحَق إلى موقع الفاعل السياسي المنخرط في شبكات تحالف معقدة، إقليمية ودولية. وفي هذا التحول، لم تعد الحقيقة تُدار بدافع الخوف وحده، بل بدافع “المصلحة” أيضاً؛ فما كان يُبرَّر سابقاً بالأمن، بات يُبرَّر لاحقاً بمقتضيات المرحلة.
وفي موازاة ذلك، تداخلت مصالح قوى إقليمية، وأحياناً فاعلين كرد من خارج السياق السوري، في صياغة القرار والخطاب بصيغ غير مباشرة تُدرج ضمن منطق “الضرورة السياسية”، ما أسهم في توجيه النقاش وتحديد سقوفه وفرض قيود غير معلنة على ما يمكن طرحه.
هنا يبرز ما يمكن تسميته بـ“فقه المصلحة”، حيث تتحول المصلحة من أداة لاتخاذ القرار إلى مرجعية تعيد تعريف الحقيقة ذاتها. لم يعد السؤال: “هل هذا صحيح؟” بل: “هل قوله مناسب الآن؟”. وبذلك، تصبح الحقيقة مورداً سياسياً يُدار بعناية—يُكشف منه ما يخدم الخطاب، ويُخفى ما قد يخلّ بالتوازنات، فيما يشبه “اقتصاداً للحقيقة” تُوزّع فيه الوقائع وفق ميزان القوة لا معيار الصدق.
في ظل هذا الواقع، يجد المناضل نفسه محاصراً بين خيارين: إما أن يبرر سياسات يعلم في قرارة نفسه أنها إشكالية، أو يُتَّهم بعدم الالتزام وتهديد وحدة الصف. ومع الوقت، لا يُقصى المختلفون فقط، بل تُعاد صياغة بنية النخبة نفسها؛ حيث يتقدم “الموافقون دائماً” إلى الواجهة، بينما تتراجع الأصوات النقدية أو تنسحب كلياً، فتفقد التجربة تدريجياً قدرتها على التصحيح الذاتي.
النتيجة لا تقتصر على خلل تنظيمي، بل تمتد إلى عطب عميق في البنية الفكرية والسياسية. حين تُؤمَّم الحقيقة، يذبل النقد؛ وحين يُفرَّغ من مضمونه، تدخل التجربة في حلقة تكرار مغلقة تعيد إنتاج أخطائها دون مراجعة. ينشأ خطاب سياسي منفصل عن الواقع، وتتسع الفجوة بين ما يُقال في العلن وما يُعاش فعلياً، ومع تراكم هذا التناقض، لا تتآكل ثقة الشارع بالنخب فحسب—لا لأنها تخطئ، بل لأنها لا تقول الحقيقة—بل يُعاد تشكيل هذه النخب نفسها؛ إذ تتساقط الكفاءات الصادقة والأصوات المخلصة، بينما يتقدّم الأكثر امتثالاً للخطاب السائد. ومع الزمن، يغدو الامتثال بديلاً عن الكفاءة، والتصفيق بديلاً عن النقد، فتعلو أصوات المصفّقين، ويتصدّر المشهد من يجيدون قول ما يُطلب منهم، لا ما يؤمنون به.
قد يمنح هذا النموذج من “المسؤولية الجماعية” قدراً من التماسك المؤقت، ويخلق انطباعاً بوحدة صلبة في لحظات التفاوض أو الصراع، لكنه يحمل في داخله بذور ضعفه؛ فالتماسك القائم على الصمت لا يصمد طويلاً، والوحدة التي تُبنى على إلغاء الفرد تنتهي إلى فراغ داخلي.
في المحصلة، لا تكمن الإشكالية في الانضباط بحد ذاته، بل في تحوّله إلى أداة لمصادرة الوعي. فالحركة التي تخشى الحقيقة بدعوى حمايتها، تنتهي إلى خسارتها؛ والقضية التي تُبنى على إنكار ما يؤمن به أبناؤها قد تنجح في فرض الانسجام، لكنها تعجز عن بناء الحرية—وهي الغاية التي وُجدت من أجلها. هنا يصبح التساؤل ضرورة سياسية: متى نكسر هذا النمط الذي يعيد إنتاج الخوف ويخشى التجديد تحت عناوين الاستقرار والحذر؟ ومتى يفرض جيل متنور نفسه، يرى في الحقيقة والشفافية أساس الشرعية، لا تهديداً لها؟
بريمن – 26.05.2026

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

× Zoomed Image
Scroll to Top