غارسيا ناصح
تُعدّ خيانة الوطن من أخطر الأفعال التي يمكن أن يرتكبها الفرد أو الجماعة، لما لها من تأثير مباشر على استقرار المجتمعات ومستقبلها. غير أن الأخطر من الخيانة نفسها، هو تكرارها في المشهد العام، وكأنها لم تعد حدثًا صادمًا، بل سلوكًا مألوفًا يمرّ دون ما يستحق من محاسبة أو وعي.
المثير للدهشة أن بعض الشخصيات التي ارتبط اسمها بمواقف مشبوهة أو أفعال أضرت بالمصلحة العامة، تعود إلى الواجهة مرة بعد أخرى، وتحظى أحيانًا بدعم فئات من المجتمع، رغم وضوح سجلها. وهنا يبرز تساؤل مشروع: هل المشكلة في من يخون، أم في من يمنحه الفرصة ليفعل ذلك مجددًا؟
لا يمكن الحديث عن “وراثة” الخيانة بالمعنى البيولوجي، لكن يمكن ملاحظة نوع آخر من “الوراثة” السلوكية أو الثقافية، حيث تنتقل أنماط التفكير والتبرير من جيل إلى آخر. فحين يُربّى الفرد على تبرير الأخطاء، أو على التغاضي عن التجاوزات، فإنه يصبح أكثر قابلية لتقبّلها، بل وربما الدفاع عنها.
كما تلعب الذاكرة الجمعية دورًا مهمًا في هذه الظاهرة. فالمجتمعات التي لا توثّق أخطاءها، ولا تُحاسب عليها، غالبًا ما تجد نفسها تعيد التجارب ذاتها. النسيان هنا لا يكون مجرد ضعف، بل يتحول إلى عامل يُسهّل تكرار الخطأ. ومع مرور الوقت، يصبح التفريق بين الصواب والخطأ أقل وضوحًا، خاصة في ظل خطاب إعلامي أو اجتماعي يخلط الأوراق أو يبرّر المواقف.
من جهة أخرى، لا يمكن إغفال تأثير العاطفة والانتماء الضيق، سواء كان قبليًا أو طائفيًا أو أيديولوجيًا، في تشكيل مواقف بعض الأفراد. فقد يدفع هذا الانتماء البعض إلى دعم شخص أو جهة، ليس بناءً على الكفاءة أو النزاهة، بل بدافع الولاء، حتى وإن كان ذلك على حساب المصلحة العامة.
المشكلة إذن ليست في وجود الخائن فقط، فالتاريخ مليء بالنماذج السلبية في كل المجتمعات، بل في البيئة التي تسمح له بالاستمرار. حين يغيب النقد، وتضعف المساءلة، ويُستبدل الوعي بالتبعية، تصبح الخيانة قابلة للتكرار، وربما مقبولة لدى البعض.
إن بناء مجتمع واعٍ لا يتحقق بالشعارات، بل بترسيخ ثقافة المسؤولية والمحاسبة، وتعزيز التفكير النقدي، وعدم الانجرار خلف الأشخاص دون تقييم حقيقي لأفعالهم. فالوطن لا يُحمى بالعواطف وحدها، بل بالوعي الذي يميّز بين من يخدمه ومن يستغله.
في النهاية، يمكن القول إن أخطر ما في الخيانة ليس وقوعها، بل اعتيادها. وحين يصل المجتمع إلى مرحلة يرى فيها الفعل ويتجاهله، أو يعرف الحقيقة ويتبع عكسها، فإن المشكلة لم تعد في الأفراد فقط، بل في الوعي الجمعي الذي يحتاج إلى مراجعة حقيقية.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=85691
مقالات قد تهمك









![الولايات المتحدة والكرد [1]](https://kurd-online.com/wp-content/uploads/2025/05/kurd544444444444444444.jpg)

