داعش في كوباني مجدداً

تكبير الصورة

بولات جان

في 15 أيلول تحل الذكرى الثانية عشرة للهجوم الكبير الذي شنه تنظيم داعش على كوباني عام 2014. يومها اندفعت أرتال التنظيم من ثلاث جهات، مدججة بالدبابات والمدافع والأسلحة الثقيلة التي استولى عليها في العراق وسوريا، وسقطت عشرات القرى تباعا، وهجر عشرات الآلاف من سكان الريف، قبل أن يصل مقاتلو التنظيم إلى داخل المدينة نفسها تحولت كوباني آنذاك إلى واحدة من أكثر ساحات الحرب على داعش دموية ورمزية، ليس بالنسبة إلى الكورد فقط، بل بالنسبة إلى العالم كله. واليوم، عشية تلك الذكرى، عادت إلى المدينة مشاهد كان أهلها يعتقدون أنهم دفعوا من دمائهم ما يكفي لكي لا يروها مرة أخرى: مسلحون قادمون من خارج المدينة صيحات التكبير، هتافات عنصرية وتحريضية، إطلاق الرصاص على أبناء كوباني اعتقالات وضرب وإهانات، ثم أجساد كوردية محترقة داخل الزنازين تغيرت الرايات والأسماء والزي العسكري، لكن ذاكرة كوباني لا تحتاج إلى كثير من الجهد لكي تتعرف إلى المشهد.

بدأت الفاجعة هذه المرة مع المقاتل الكوردي سيبان حزني كان سيبان واحداً من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية الذين دخلوا ، بعد اتفاقات الاندماج بين قسد والحكومة في دمشق، ضمن تشكيلات الجيش السوري. لم يعد الرجل وفق هذا الترتيب الجديد مقاتلاً في قوة عسكرية مستقلة عن الدولة السورية، بل أصبح عنصرا في الجيش السوري نفسه. ومع ذلك، اختطفته مجموعة عربية من دير الزور، واقتادته إلى هناك، وصورته أسيرا قبل أن تذبحه وتنشر المقطع على وسائل التواصل الاجتماعي بالنسبة إلى الكورد، لم يكن ممكنا النظر إلى الجريمة بوصفها مجرد جريمة قتل عابرة. طريقة الاختطاف والتصوير والذبح ونشر المشهد أعادت فوراً إلى الأذهان اللغة البصرية والسياسية لتنظيم داعش الذي لم يكن يكتفي بقتل ضحاياه، بل كان يحول القتل إلى رسالة عامة موجهة إلى المجتمع الذي ينتمي إليه الضحية والأكثر مرارة أن سيبان كان قد فعل بالضبط ما طالبت به دمشق وأنقرة طوال السنوات الماضية ترك التشكيل العسكري الكوردي المستقل واندمج في الجيش السوري. ومع ذلك، لم تحمه صفته الجديدة، ولا المؤسسة التي أصبح جزءاً منها ، من أن يختطف ويذبح بهذه الطريقة.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

أحدثت الجريمة صدمة هائلة في الشارع الكوردي في روجافا ، واندلعت التظاهرات في مدن الجزيرة وكوباني. لكن فهم ما جرى بعد ذلك يقتضي ألا نبدأ التاريخ من لحظة مقتل سيبان، لأن كوباني كانت تعيش أصلاً حالة متصاعدة من الاحتقان السياسي والقومي خلال الأشهر الماضية عادت السلطات إلى استخدام اسم “عين العرب” في الوثائق والمراسلات الرسمية، وكأن اسم كوباني الذي قاتل تحته أهل المدينة ومات من أجله أبناؤها يمكن محوه بقرار إداري. ثم جاءت قضية التعليم، حين قررت وزارة التربية حصر تدريس اللغة الكوردية في ثلاث حصص أسبوعية، بدلاً من الاعتراف بحق أطفال كوباني في أن يتعلموا بلغتهم الأم في مدينة يشكل الكورد الغالبية الساحقة من سكانها. وإلى جانب ذلك بقيت قضية النازحين الكورد من تل أبيض والرقة ومناطق أخرى ومنع كثيرين منهم من العودة إلى بيوتهم، إضافة إلى الاحتكاكات والاستفزازات المتكررة والشعور المتنامي بأن مرحلة ما بعد حل قسد لا تسير باتجاه الاعتراف بالكورد وخصوصيتهم، بل باتجاه تفكيك كل ما بنوه خلال السنوات الماضية وإعادتهم أفرادا مجردين من أدوات الحماية والقوة إلى سلطة مركزية لم تقدم لهم حتى الآن ضمانات سياسية ودستورية توازي ما طلبت منهم التخلي عنه.

لهذا كانت جريمة ذبح سيبان الشرارة، لكنها لم تكن الوقود كله عندما خرج الناس في كوباني كانوا يحتجون على جريمة وحشية بحق مقاتل كوردي، لكنهم كانوا يحملون معهم أيضاً الخوف على لغتهم واسم مدينتهم وحقوقهم ومستقبلهم، والخوف من أن يتحول “الاندماج” إلى اسم جديد لعودة السياسات القديمة. لم تشهد التظاهرات في بدايتها شعارات طائفية أو عنصرية، وكان الهتاف للشهداء وللكرامة الكوردية. وكان يمكن للأمر أن ينتهي هناك، لو كانت هناك إرادة لاحتواء غضب الناس واحترام خصوصية مدينة خرجت لتحتج على ذبح واحد من أبنائها. لكن ما حدث كان العكس تماماً ، وهنا تبدأ المسؤولية المباشرة للعناصر الأمنية التي أرسلت إلى المدينة والطريقة التي قررت بها التعامل مع أهلها .

وبحسب معلومات حصلت عليها مباشرة من مسؤولين أمنيين محليين في كوباني كانوا على اطلاع مباشر على مجريات الأحداث بدأ التصعيد عند نحو الساعة الثانية عشرة ظهرا، حين دخل المدعو شاهين مسؤول أمن الطرق، إلى كوباني مع ثماني مجموعات أمنية، ثلاث منها من أمن الطرق وخمس من قوات المهام الخاصة. وشاهين ليس من كوباني ولا تربطه بالمدينة أية علاقة اجتماعية أو محلية، بل هو قادم من سرمدا في محافظة إدلب، ومع ذلك جاء ليفرض سلطته الأمنية على مدينة شديدة الحساسية وفي لحظة توتر قومي وسياسي غير مسبوقة. قال إن دخوله جاء بتعليمات من أبو عمر، وإن مهمته هي الانتشار تحسبا لأي طارئ توزعت المجموعات في عدد من النقاط داخل المدينة، ثم أبلغ شاهين لاحقاً أن لديه تعليمات بالبقاء حتى العاشرة ليلاً. وفي نحو السادسة مساء أصر على الانتقال مع ثلاث مجموعات إلى دوار المرأة الحرة، حيث كان الأهالي يتجمعون، من أجل تصوير وجود قواته وإرسال الصور إلى أبو عمر. هنا بدأت المواجهة التي كان يمكن تجنبها بالكامل. تجمع شبان ومراهقون حول العناصر، وبدلاً من الانسحاب ومنع الاحتكاك في مدينة غاضبة، أصر شاهين على البقاء وعلى اعتقال من يعتبرهم مخالفين ومع تزايد أعداد المحتجين بدأ بعض الشبان برشق عناصره بالحجارة، فسحبت القوات أسلحتها ولقمتها ، وانسحبت مجموعتان باتجاه حاجز حلب، بينما تراجعت بقية العناصر إلى المركز الأمني داخل المدينة. لحق بهم قسم من الشبان إلى باب المركز، وهناك أطلقت مجموعات شاهين الرصاص الحي مباشرة على المتظاهرين.

تدخلت قوات الأسايش والقوات المحلية الموجودة في كوباني لمنع انفلات الوضع وحماية المركز وإبعاد المتظاهرين وتمكنت بعد أكثر من ساعة من إعادة الناس واعتقال نحو سبعة عشر ممن شاركوا في الاعتداء على القوات أو أعمال الشغب. كان يمكن عند هذه النقطة أيضاً أن ينتهي كل شيء ضمن إطار أمني محدود. لكن في الوقت نفسه كانت أرتال تابعة للأمن العام والمهام الخاصة تنتظر عند مفارق صرين ومنبج، ثم بدأت بالتحرك باتجاه كوباني. ومع انشغال القوات المحلية بتهدئة الوضع دخلت تلك الأرتال إلى المدينة في ساعات الليل، وانتشرت في أحيائها وشوارعها. لم يكن دخولها يشبه قوة أمنية جاءت لتهدئة اضطراب محلي، بل بدا لأهالي المدينة كعملية اقتحام جابت السيارات الشوارع وهي تطلق صيحات التكبير والهتافات التحريضية والعنصرية، وبدأت العناصر باعتقال أشخاص من الطرقات والحدائق والمطاعم، بما في ذلك أشخاص لم تكن لهم أية علاقة بما جرى عند المركز الأمني. تعرض المعتقلون للضرب والإهانات، وطالت الاعتداءات مدنيين داخل المطاعم وفي الشوارع، وانتشرت القوات على مداخل المدينة وحول المؤسسات، فيما طلبت مؤازرات إضافية من حلب ومنبج والرقة.

وهنا يدخل إلى المشهد مجد الدين الشيخ المعروف باسم “أبو عمر”، مدير الأمن الداخلي في منطقة كوباني. وأهمية الرجل لا تتوقف عند موقعه الأمني في المدينة، فهو شقيق جهاد عيسى الشيخ المعروف باسم “أبو أحمد زكور”، القيادي السابق في هيئة تحرير الشام والذي أصبح مستشاراً لأبو محمد الجولاني لشؤون العشائر. هذه الخلفية ليست تفصيلاً هامشيا، لأنها تكشف شيئاً من طبيعة الشبكات التي باتت تدير المناطق الكوردية بعد الاندماج، ومن المسافة الهائلة بين المجتمع المحلي وبين الأشخاص الذين أصبحوا يمتلكون سلطة أمنية مباشرة عليه. بعد حملة الاعتقالات حضر أبو عمر وطالب بأخذ جميع الموقوفين ونقلهم إلى حلب. وعندما اعترض عناصر الأسايش على الطريقة التي أراد بها فرض القرار، قام هو ومرافقوه بإشهار السلاح في وجوههم، ووصل الأمر إلى إشهار السلاح في وجه أحد مسؤولي الأسايش المحليين داخل المركز. وتمكن أبو عمر وقواته بالقوة من أخذ سبعة عشر معتقلاً كانوا قد اعتقلوا من المدينة ونقلهم باتجاه حلب.

لكن سجناء آخرين كانوا موجودين داخل السجن اعترضوا على نقل أبناء كوباني إلى حلب، وبدأ استعصاء داخل الزنزانات لمنع قوات الأمن العام من أخذ المزيد من الموقوفين تصاعد التوتر والفوضى داخل السجن، ثم اندلع الحريق. وفي مساحة مغلقة مكتظة بالسجناء تحولت النار والدخان خلال وقت قصير إلى مجزرة قتل تسعة سجناء وأصيب سبعة عشر آخرون، عدد منهم في حالات خطيرة، فيما كان أربعة منهم يصارعون من أجل حياتهم. هكذا انتهت ليلة بدأت بتظاهرة احتجاج على ذبح مقاتل كوردي بحثث كوردية أخرى محترقة داخل سجن في كوباني. وليس مهما هنا كم سيحتاج البيان الرسمي من كلمات مثل “الشغب” و”الاستعصاء” و”الخارجين عن القانون” لكي يخفي هذه الحقيقة البسيطة هؤلاء الأشخاص دخلوا السجن أحياء وهم في عهدة القوى الأمنية، ثم خرج تسعة منهم جثثا .

المعلومات التي وصلت من قلب كوباني ومن داخل الجهاز الأمني تشير أيضاً إلى أن ما جرى لم يكن مجرد سلسلة أخطاء عفوية تراكمت فوق بعضها. وجود الأرتال خارج المدينة قبل انفجار الوضع، واستدعاء المؤازرات من أكثر من منطقة، والإصرار على انتشار قوات قادمة من خارج كوباني داخلها ، ثم محاولة استغلال الفوضى لفرض حضور أمني أوسع داخل المدينة، كلها تثير سؤالاً أكثر خطورة حول ما إذا كان الشغب نفسه قد استخدم ذريعة لتغيير ميزان السيطرة الأمنية في كوباني هناك معلومات عن وجود أشخاص داخل التجمعات لعبوا دوراً في التخريب والتحريض ودفع الأحداث باتجاه المواجهة، بما يسمح لاحقاً بتقديم دخول قوات الحكومة باعتباره ضرورة لأن القوى الأمنية المحلية عاجزة عن ضبط المدينة. وإذا صح ذلك، فإننا لا نكون أمام سوء تقدير أمني، بل أمام محاولة لإنتاج الفوضى ثم استخدام الفوضى نفسها ذريعة لفرض السيطرة.

لكن اختزال ما حدث في كوباني في سوء إدارة مظاهرة أو حريق داخل سجن سيكون في جميع الأحوال، هروباً من السؤال الحقيقي ما جرى يأتي بعد أسابيع فقط من إعلان مظلوم عبدي رسميا حل قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية واندماجهما في مؤسسات الدولة السورية الكورد تخلوا عن قوة عسكرية بنت خلال أحد عشر عاما واحدة من أهم التجارب العسكرية والسياسية في سوريا، وقاتلت داعش وخسرت الآلاف من مقاتليها ، كما بدأوا بتفكيك مؤسسات الإدارة التي أداروا من خلالها مناطقهم منذ بدايات الحرب. كان المنطق المفترض للاتفاق أن هذا التنازل التاريخي سيقود إلى شراكة تاريخية مقابلة، أي أن تدخل المؤسسات الكوردية في الدولة مقابل أن تصبح الدولة نفسها أكثر قدرة على الاعتراف بالكورد وحقوقهم ولغتهم وخصوصيتهم السياسية والإدارية. لكن سلوك دمشق منذ ذلك الحين يجعل تفسيراً آخر للاندماج أكثر إلحاحاً أن الحكومة ترى الاندماج باعتباره استسلاماً كاملاً للقوة الكوردية، لا تسوية تاريخية مع القضية الكوردية.

بالنسبة إلى الجولاني وحكومته، يبدو أن حل قسد وحل الإدارة الذاتية يجب أن يعني أيضاً نهاية المرحلة التي استطاع فيها الكورد التفاوض من موقع قوة. بعد أن تم حل القوة العسكرية المستقلة، يصبح من الأسهل إعادة اسم “عين العرب”، وتحويل الكوردية من لغة تعليم إلى ثلاث حصص أسبوعية، وإرسال مسؤول أمني من سرمدا إلى قلب كوباني لكي يقرر متى يتظاهر أهلها وكيف، وإرسال أرتال من إدلب ومنبج والرقة عندما يحتج الناس، ثم نقل معتقلي المدينة إلى حلب وكأن كوباني نفسها لا تملك مجتمعا ولا مؤسسات ولا خصوصية ليست المسألة إذا قراراً تعليميا هنا، أو تسمية إدارية هناك، أو خطأ أمنيا في ليلة غضب عندما تتجمع هذه الوقائع معا فإنها تكشف تصوراً سياسياً متكاملاً : تفكيك عناصر القوة الكوردية أولاً ، ثم التفاوض مع الكورد لاحقاً بوصفهم مجتمعاً منزوع القدرة على الرفض.

وهنا تصبح جريمة سيبان حزني أكثر من جريمة مروعة بحق شخص واحد، لأنها تقدم صورة مكثفة لمعضلة الاندماج كلها. سيبان كان مقاتلاً في قسد، ثم اندمج في الجيش السوري كما طلب منه أي أنه لم يعد، وفق خطاب دمشق، عضوا في قوة عسكرية خارج مؤسسات الدولة. ومع ذلك اختطفه رجال من دير الزور، وذبحوه وصوروا موته ونشروه على الملأ وعندما خرج أبناء شعبه يطالبون بالعدالة له، لم يجدوا أمامهم دولة تتعامل معه بوصفه جنديا سوريا ذبح، بل وجدوا قوات من خارج مدينتهم تطلق عليهم النار وتعتقلهم وتسوق بعضهم باتجاه حلب. إذا كان هذا هو المصير الممكن لمن سلم بندقيته واندمج، فما الرسالة التي يفترض أن تصل إلى بقية الكورد ؟

ولا يمكن قراءة كل ذلك بمعزل عن تركيا. ليس لأن كل حادث أمني في كوباني يحتاج إلى أمر مباشر صادر من أنقرة، فهذا تبسيط لا يحتاج إليه التحليل السياسي أصلاً، ولكن لأن السياسة التركية تجاه سوريا لم تفصل في أي وقت بين مصير روجافا والصراع التركي مع حزب العمال الكردستاني. أنقرة دعمت السلطة الجديدة في دمشق، وضغطت باستمرار من أجل تفكيك البنية العسكرية والإدارية الكوردية، ثم اعتبرت حل قسد تطوراً منسجما مع مشروعها الذي تسميه تركيا خالية من الإرهاب”. في المقابل، عبد الله أوجلان لم يسم العملية بهذا الاسم، بل وضعها ضمن تصور السلام والمجتمع الديمقراطي”. الفرق بين التعبيرين يكشف خلافاً أعمق من اللغة. تركيا تريد أن تبدأ العملية من إنهاء ما تعتبره الإرهاب ونزع أدوات القوة المسلحة، بينما يربطها أوجلان بتحول سياسي وديمقراطي يعالج جذور القضية الكوردية. وما دامت هذه الفجوة قائمة، وما دامت المفاوضات التركية الكوردية لم تنتج بعد تسوية سياسية مكتملة، فلا يمكن استبعاد استخدام روجافا والكورد السوريين كساحة إضافية للضغط على الحركة الكوردية الأوسع، ولا يمكن استبعاد أن تستخدم أنقرة نفوذها على حكومة الجولاني وعلى القوى المنحدرة من هيئة تحرير الشام لكي تجعل من الضغط على كورد سوريا جزءا من إدارة ملفها الكوردي داخل تركيا نفسها .

بل إن كوباني تحمل بالنسبة إلى تركيا وإلى القوى التي خرجت من البيئة الجهادية في شمال سوريا رمزية مضاعفة. هذه المدينة لم تهزم داعش عسكرياً فقط، بل حطمت لحظة سياسية كاملة في المنطقة. في خريف 2014 وقف العالم يتابع مقاتلات ومقاتلي وحدات حماية الشعب وهم يقاتلون تنظيما كان قد اجتاح الموصل والرقة ومناطق واسعة من العراق وسوريا خلال أشهر، وكان الاعتقاد السائد أن سقوط كوباني مسألة وقت. لكن المدينة صمدت ثم تحولت المعركة إلى بداية التراجع الكبير لداعش وإلى نقطة الانطلاق للشراكة العسكرية بين الكورد والتحالف الدولي. من تلك المعركة ولدت لاحقا معادلات عسكرية وسياسية جديدة انتهت بقيام قوات سوريا الديمقراطية وتوسع الإدارة الذاتية وهزيمة الخلافة المكانية لداعش ولذلك فإن إخضاع كوباني بعد حل قسد ليس في المخيال السياسي، مثل إخضاع أية مدينة أخرى.

كما أن العلاقة بين هيئة تحرير الشام وداعش لا تحتاج، بالنسبة إلى أهل كوباني، إلى نقاش نظري طويل حول الفوارق التنظيمية بين الفصيلين أهل المدينة يعرفون جيدا أن داعش والنصرة خرجا من البيئة الجهادية نفسها . وأن أبو محمد الجولاني نفسه خرج من العراق ومن تنظيم القاعدة قبل أن يؤسس جبهة النصرة، ثم يغير اسم التنظيم أكثر من مرة وصولاً إلى هيئة تحرير الشام بالنسبة إلى من عاشوا مذابح داعش وهجمات النصرة والجماعات الجهادية على المناطق الكوردية، لا يصبح الماضي بلا معنى لمجرد أن قادة تلك الجماعات ارتدوا البدلات الرسمية ودخلوا القصور الحكومية وأعادوا تسمية تشكيلاتهم الأمنية. تغيير اسم التنظيم لا يمحو ذاكرة ضحاياه، وتغيير اسم قائده لا يفرض على ضحاياه أن ينسوا من كان.

وهذا هو السبب الذي يجعل ما حدث خلال هذه الليلة أخطر من عدد القتلى والمعتقلين على فداحة تلك الأرقام. المسألة تتعلق بالرسالة التي أرسلت إلى مدينة بأكملها. رجال قادمون من خارج كوباني يدخلونها بقواتهم يتعاملون مع أهلها باعتبارهم مشكلة أمنية، يطلقون التكبيرات والهتافات المستفزة في مدينة فقدت آلافا من أبنائها في الحرب ضد الجهاديين يطلقون النار ويعتقلون الناس، ثم يحاول مسؤول أمني أخذ معتقلي المدينة بالقوة إلى حلب، قبل أن تنتهي الليلة بأجساد محترقة داخل الزنزانات. يمكن للسلطة الجديدة أن تغير أسماء التنظيمات والمؤسسات، ويمكن الرجال الأمس أن يرتدوا بزات الأمن والجيش ويضعوا شعارات الدولة على سياراتهم، لكن لا أحد يستطيع مطالبة أهل كوباني بمحو ذاكرتهم حتى تتناسب مع اللغة السياسية الجديدة في دمشق.

أهل كوباني يعرفون داعش جيداً. لا يعرفونه من نشرات الأخبار ولا من الدراسات الأكاديمية ولا من الصور التي كانت تصل إلى العواصم الغربية. عرفوه حين وقف على أبواب بيوتهم، وحين ذبح أبناءهم، وحين فرغ مئات القرى من سكانها، وحين دفن الرفاق والأقرباء واحداً بعد آخر. ولذلك فإنهم يعرفون أيضاً أن داعش لم يكن مجرد علم أسود واسم تنظيمي من ثلاثة أحرف. كان داعش قبل كل شيء تصورا للآخر، وطريقة في التعامل مع المختلف وثقافة تعتبر السلاح والهوية الدينية والقوة مبررا لإذلال من لا يشبهها. وعندما تعود هذه الممارسات إلى شوارع كوباني، فليس مطلوباً من أهل المدينة أن يتظاهروا بأن تغيير الزي والاسم قد محا كل شيء.

بعد اثني عشر عاماً من 15 أيلول 2014 ، تجد كوباني نفسها مرة أخرى أمام رجال غرباء يرفعون السلاح في وجه أهلها ، وأمام معتقلين يُساقون خارج مدينتهم، وأمام صيحات وهتافات تعرفها جيداً، وأمام أجساد كوردية محترقة. في المرة الأولى كان اسم القوة التي جاءت إلى المدينة تنظيم الدولة الإسلامية، وكانت رايتها سوداء. هذه المرة تدخل القوى تحت اسم الدولة السورية والأمن العام، وتحمل علماً مختلفاً. لكن بالنسبة إلى أم تنتظر جثمان ابنها، أو أب يبحث عن ابنه بين المعتقلين، أو مدينة دفنت أبناءها طوال اثني عشر عاما، لا يغير لون الراية كثيرا من معنى المشهد.

الجسد المحترق لا يسأل عن لون الراية، وكوبائي لا تنسى.

داعش في كوباني مجدداً.

 


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top