خطاب الكراهية في سوريا بعد سقوط نظام الأسد
الجذور، الأنماط، والآثار في ظل غياب العدالة الانتقالية
مقدمة
لا تتحول المجتمعات إلى ساحات للصراع بسبب اختلاف هوياتها الدينية أو الإثنية أو الفكرية، بل عندما تصبح تلك الهويات أساساً للحكم على الإنسان، ومبرراً لإقصائه أو تحميله مسؤولية أفعال لم يرتكبها. وعبر التاريخ، أثبتت تجارب العديد من الدول الخارجة من النزاعات أن خطاب الكراهية ليس مجرد انعكاس للعنف، بل أحد أهم العوامل التي تُنتجه وتُطيل أمده، إذ يعيد تشكيل الوعي الجمعي، ويؤسس لشرعية اجتماعية تقوم على الخوف، والتعميم، ونزع الإنسانية عن الآخَر.
شهدت سوريا، على امتداد أكثر من خمسة عقود، بنية سلطوية اعتمدت على إدارة الانقسامات المجتمعية أكثر من معالجتها، قبل أن تؤدي سنوات الحرب إلى تعميق الشروخ بين مكوناتها الدينية والإثنية والسياسية. ولم يقتصر أثر النزاع على الخسائر البشرية والمادية، بل امتد إلى إعادة تشكيل العلاقات بين السوريين، وإضعاف الهوية الوطنية الجامعة، وتعزيز الهويات الفرعية بوصفها المرجعية الأساسية للأمن والانتماء. وفي الوقت ذاته، تشكلت لدى كل مكون اجتماعي ذاكرة جمعية خاصة، وسردية مستقلة عن المظلومية والانتهاكات التي تعرض لها، في ظل غياب رواية وطنية جامعة تعترف بمعاناة جميع الضحايا دون استثناء.
ومع سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، كان يُفترض أن تشكل هذه اللحظة بداية لمرحلة جديدة قوامها العدالة وسيادة القانون والمواطنة المتساوية، إلا أن الأشهر اللاحقة شهدت تصاعداً ملحوظاً في خطاب الكراهية والتحريض والإقصاء، واستهدافاً متزايداً لمكونات دينية وإثنية وفكرية، سواء عبر المنصات الرقمية أو بعض المنابر الدينية أو الحملات الشعبية المنظمة.
وهنا تبرز الإشكالية الرئيسة التي ينطلق منها هذا البحث: لماذا ازداد خطاب الكراهية بعد سقوط النظام، في الوقت الذي كان يُفترض أن تتراجع فيه دوافعه؟ وهل كان غياب مسار واضح للعدالة الانتقالية والمحاسبة، واستمرار الإفلات من العقاب، وضعف الخطاب الرسمي الجامع، عوامل أسهمت في تحويل مرحلة الانتقال السياسي إلى بيئة مواتية لإعادة إنتاج الكراهية بدلاً من تفكيكها؟ وكيف تفاعلت هذه العوامل مع الإرث الطويل للتنميط الطائفي، وضعف الهوية الوطنية، والذاكرة الجمعية المتصارعة، لتغذي أنماطاً جديدة من الإقصاء والاستقطاب؟
ينطلق هذا البحث من فرضية مفادها أن خطاب الكراهية في سوريا بعد سقوط النظام ليس ظاهرة عابرة أو نتاجاً آنياً للحرب، بل هو حصيلة تراكمات سياسية واجتماعية وثقافية امتدت لعقود، تفاقمت بفعل النزاع المسلح، ثم ازدادت حدتها في ظل غياب سياسات واضحة لإدارة المرحلة الانتقالية وبناء الثقة بين المكونات.
ولتحليل هذه الظاهرة، يتناول البحث أولاً السياق التاريخي لنشوء الخطاب الطائفي وتعميق التنميط بين المكونات السورية في ظل حكم البعث وحتى يومنا هذا، ثم يستعرض أبرز أشكال خطاب الكراهية التي برزت بعد سقوط النظام، قبل أن يناقش العلاقة بين غياب العدالة الانتقالية وتصاعد هذا الخطاب. كما يتناول الآثار الاجتماعية والسياسية المترتبة عليه، ويقارن الحالة السورية بالتجربة الرواندية التي واجهت تحديات مشابهة، لاستخلاص الدروس التي يمكن أن تسهم في الحد من خطاب الكراهية وتعزيز فرص بناء سلام مستدام يقوم على المواطنة، والمساءلة، وسيادة القانون.
أولاً: السياق والجذور
لماذا انتشر خطاب الكراهية بعد الثامن من كانون الأول 2024؟
مع سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، كان من المتوقع أن تمثل هذه اللحظة بداية انتقال سياسي يفتح المجال أمام بناء عقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون. إلا أن الواقع سار في اتجاه مختلف؛ إذ برزت خلال الأشهر اللاحقة موجة متصاعدة من خطاب الكراهية والتحريض والإقصاء، استهدفت مكونات دينية وإثنية وفكرية متعددة، وانتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبعض المنابر الدينية، والحملات الشعبية المنظمة.
ويطرح هذا الواقع سؤالاً مركزياً يشكل منطلق هذا البحث: لماذا ازداد خطاب الكراهية بعد سقوط النظام بدلاً من أن يتراجع؟
لا يمكن تفسير هذه الظاهرة بعامل واحد، بل بتفاعل مجموعة من العوامل؛ أبرزها غياب مسار واضح للعدالة الانتقالية، وعدم وجود آلية مستقلة للمحاسبة تكفل للضحايا الاعتراف بما تعرضوا له وجبر ضررهم، الأمر الذي جعل الضحية والجلاد يلتقيان في الفضاء العام دون إطار قانوني يحدد المسؤوليات الفردية. وفي الوقت نفسه، لم يترافق الانتقال السياسي مع خطاب رسمي جامع يؤكد المساواة بين المواطنين ويرفض التعميم والتحريض بصورة واضحة، وهو ما فتح المجال أمام استمرار الخطابات التي تُفسَّر على أنها تمنح شرعية لفاعلين اجتماعيين أو سياسيين دون التأكيد بالقدر نفسه على حماية جميع المكونات من أعمال الانتقام أو الإقصاء. وقد أثارت بعض التصريحات الرسمية، ومنها الإشادة بدور العشائر في أعقاب أحداث السويداء، نقاشاً عاماً حول طبيعة الرسائل السياسية التي ينبغي أن ترافق إدارة الأزمات، ومدى إسهامها في تعزيز الاحتواء أو في تعميق الاستقطاب.
كيف زرع نظام الأسد بذور خطاب الكراهية؟
على الرغم من أن الخطاب الرسمي للدولة السورية كان يقدّم نفسه بوصفه خطاباً قومياً وعلمانياً يرفض الطائفية، فإن بنية السلطة اعتمدت لعقود على شبكات الولاء السياسي والأمني والعائلي أكثر من اعتمادها على المؤسسات. ومع مرور الوقت، نشأ في الوعي العام تداخل بين السلطة وبعض المكونات الاجتماعية، بحيث أصبح كثير من السوريين ينظرون إلى النظام من خلال عدسة الانتماء الطائفي أكثر من كونه منظومة سياسية وأمنية.
واعتمد النظام على استراتيجية تقوم على إدارة المجتمع عبر التخويف المتبادل بين مكوناته؛ فصُوّر أي تغيير سياسي باعتباره تهديداً وجودياً لبعض الأقليات، وفي المقابل جرى تصوير تلك الأقليات لدى قطاعات من المعارضة باعتبارها المستفيد الرئيس من استمرار النظام. وأسهم هذا النهج في إضعاف الثقة المتبادلة بين السوريين، وفي تآكل الهوية الوطنية الجامعة لصالح هويات فرعية تقوم على الطائفة أو الإثنية أو المنطقة.
دور الحرب في تعميق التنميط بين المكونات
لم تقتصر آثار الحرب السورية على الدمار البشري والعمراني، بل أعادت تشكيل إدراك السوريين لبعضهم البعض. فمع سنوات العنف الطويلة، أخذت الصور النمطية تحل محل المعرفة المباشرة، وأصبح الانتماء الطائفي أو الإثني أو المناطقي يُستخدم في كثير من الأحيان باعتباره مؤشراً على الموقف السياسي أو الأخلاقي للفرد.
ومع استمرار النزاع، ترسخت في الخطاب العام عملية التنميط الجماعي؛ إذ جرى اختزال جماعات كاملة في أفعال أفراد أو فصائل أو قيادات سياسية. وتحول السؤال من “من ارتكب الجريمة؟” ليصبح “إلى أي جماعة ينتمي؟”، وهو انتقال بالغ الخطورة لأنه ينقل المسؤولية من الفرد إلى الجماعة، ويحوّل الهوية إلى أساس للإدانة أو التبرئة.
وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع هذه العملية عبر إعادة إنتاج مقاطع وصور وشهادات منفصلة عن سياقها، وتداولها بوصفها أدلة على “طبيعة” جماعة بأكملها، مما عزز دوائر الخوف والكراهية وأضعف فرص التعارف والحوار بين السوريين.
ومن العوامل التي غذّت هذا المسار أيضاً ضعف الهوية الوطنية السورية. فقد أدى انهيار مؤسسات الدولة، والانقسام الجغرافي، وتعدد السلطات المحلية، إلى تراجع الشعور بالانتماء إلى دولة واحدة، مقابل تصاعد الولاءات الطائفية، والإثنية، والعشائرية، والمناطقية. وفي غياب مشروع وطني جامع يعيد تعريف المواطنة على أساس المساواة، أصبحت الهويات الفرعية المرجع الأساسي للأمن والانتماء، وهو ما وفر بيئة خصبة لانتشار خطاب الكراهية.
كما لعبت الذاكرة الجمعية دوراً محورياً في تكريس هذا الواقع. فكل مكون اجتماعي خرج من الحرب وهو يحمل سرديته الخاصة عن الضحية والجلاد، وذاكرته الخاصة عن المجازر والاعتقالات والتهجير والانتهاكات التي تعرض لها. ولم تعد هناك رواية وطنية جامعة تعترف بآلام جميع السوريين، بل تعددت الذاكرات وتنافست فيما بينها على الشرعية والاعتراف. وفي غياب آليات رسمية لكشف الحقيقة والاعتراف المتبادل، أصبحت هذه الذاكرات المتوازية أرضية خصبة لاستمرار الشك والكراهية وإعادة إنتاجها بين الأجيال.
وتشير أدبيات العدالة الانتقالية إلى أن المجتمعات الخارجة من النزاعات تحتاج إلى بناء ذاكرة وطنية مشتركة لا تقوم على محو الذاكرات المختلفة، وإنما على الاعتراف بها ضمن إطار جامع يرسخ المسؤولية الفردية ويمنع تحويل المظلومية إلى مبرر لإقصاء الآخرين أو التحريض ضدهم.
ولا يمكن فهم تصاعد خطاب الكراهية في سوريا بمعزل عن تفكك العقد الاجتماعي الذي أصاب المجتمع السوري خلال عقود من الاستبداد ثم سنوات الحرب. فالعقد الاجتماعي لا يقتصر على العلاقة بين الدولة والمواطن، بل يشمل أيضاً مجموعة القيم المشتركة التي تجعل أفراد المجتمع ينظرون إلى بعضهم بوصفهم شركاء متساوين في الحقوق والواجبات، مهما اختلفت انتماءاتهم الدينية أو الإثنية أو السياسية. ومع انهيار مؤسسات الدولة، وتراجع الثقة بالمؤسسات العامة، وغياب مرجعية وطنية جامعة، تآكل هذا العقد تدريجياً، وحلّت محله علاقات تقوم على الشك والخوف والانتماءات الفرعية.
وفي ظل هذا التفكك، لم يعد كثير من السوريين ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم مواطنين تجمعهم هوية وطنية واحدة، وإنما باعتبارهم أعضاء في جماعات متنافسة، لكل منها سرديتها الخاصة، وذاكرتها الجمعية، وشعورها بالمظلومية، ومخاوفها الوجودية. وعندما يغيب الإطار الوطني الجامع، تصبح الهوية الطائفية أو الإثنية أو المناطقية المرجعية الأساسية في تفسير الأحداث، وفي تحديد من هو “الضحية” ومن هو “العدو”، الأمر الذي يهيئ البيئة المناسبة لانتشار خطاب الكراهية، ولتحويل المسؤولية الجنائية الفردية إلى اتهامات جماعية تستهدف مكونات اجتماعية بأكملها.
ثانياً: خطاب الكراهية ما بعد سقوط الأسد
تعريف خطاب الكراهية
رغم عدم وجود تعريف قانوني دولي واحد وملزم يحظى بإجماع جميع الدول، فقد وضعت الأمم المتحدة وعدد من الآليات الدولية تعريفات ومعايير تُشكل الإطار المرجعي لفهم هذا المفهوم والتمييز بينه وبين حرية التعبير. حيث تعرف استراتيجية الأمم المتحدة وخطة العمل بشأن خطاب الكراهية الصادرة عام 2019خطاب الكراهية بأنه «أي نوع من أنواع التواصل، سواءٌ أكان شفهياً أو كتابياً أو سلوكياً، يهاجم أو يستخدم لغة ازدراء أو تمييز في الإشارة إلى شخص أو مجموعة أشخاص على أساس هويتهم، بما في ذلك الدين، أو الإثنية، أو الجنسية، أو العرق، أو اللون، أو الأصل، أو الجنس، أو أي عامل آخر من عوامل الهوية.»
وتبعاً لهذا التعريف، فلا يقتصر خطاب الكراهية على الدعوة المباشرة إلى العنف، وإنما يشمل أيضاً الخطابات التي تقوم على الإهانة أو الوصم أو نزع الكرامة الإنسانية عن الأفراد بسبب انتمائهم إلى جماعة معينة، باعتبارها قد تشكل أرضية تمهد لاحقاً للتمييز أو العنف.
ولأن التمييز بين الخطاب المحمي بموجب حرية التعبير والخطاب الذي يستوجب التقييد يثير إشكاليات قانونية، وضعت خطة عمل الرباط، التي اعتمدها مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان عام 2012، إطاراً معيارياً لتقييم ما إذا كان خطاب معين يرقى إلى مستوى التحريض المحظور. ويقوم هذا الإطار على ستة معايير مترابطة هي: السياق، وصفة المتحدث والنية، ومضمون الخطاب وشكله، ومدى انتشاره، واحتمال أن يؤدي إلى وقوع ضرر أو عنف. ويُعد هذا الاختبار اليوم من أهم الأدوات المرجعية التي تعتمدها الهيئات الدولية عند تقييم خطابات الكراهية والتحريض.
وفي الإطار نفسه، ترسي المادة (2/20) من العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية أساساً قانونياً ينص على أن «تحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف.». حيث يُظهر هذا النص أن القانون الدولي لا يحظر الآراء أو المعتقدات في حد ذاتها، وإنما يحظر الدعوة إلى الكراهية عندما تتجاوز حدود التعبير المشروع لتصبح تحريضاً على التمييز أو العداء أو العنف ضد جماعة محمية بسبب هويتها.
وبناءً على هذه المرجعيات الدولية، يعتمد هذا البحث تعريفاً إجرائياً يعتبر خطاب الكراهية كل تعبير شفهي أو مكتوب أو بصري، أو أي شكل من أشكال التواصل، يقوم على تحقير جماعة أو وصمها أو تجريدها من إنسانيتها، أو تحميلها مسؤولية جماعية، أو التحريض على التمييز أو الإقصاء أو العداء أو العنف ضدها بسبب انتمائها الديني أو الإثني أو الطائفي أو القومي أو الفكري. ويُستخدم هذا التعريف بوصفه الإطار التحليلي الذي يستند إليه البحث في دراسة أنماط خطاب الكراهية التي برزت في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، مع التمييز بين النقد السياسي المشروع والخطاب الذي يستهدف الأفراد والجماعات على أساس هويتهم.
التمييز بين خطاب الكراهية وحرية التعبير
يُعد التمييز بين خطاب الكراهية وحرية التعبير من أكثر القضايا تعقيداً في القانون الدولي لحقوق الإنسان، إذ يقوم النظام الدولي على مبدأ حماية حرية الرأي والتعبير باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للمجتمعات الديمقراطية، وفي الوقت ذاته يفرض قيوداً على الخطابات التي تتحول إلى أداة للتحريض على التمييز أو العداء أو العنف ضد الأفراد والجماعات.
وقد نصت المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل إنسان في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي حرية التعبير وتلقي المعلومات ونقلها. وتشمل هذه الحماية الحق في انتقاد الحكومات، والسياسات العامة، والمسؤولين، والأحزاب السياسية، كما تمتد إلى نقد الأفكار والمعتقدات والأديان، طالما بقي هذا النقد موجهاً إلى الأفكار أو الممارسات ولم يتحول إلى استهداف الأشخاص بسبب هويتهم.
وعلى النقيض من ذلك، لا يحمي القانون الدولي الخطابات التي تستهدف جماعة معينة بسبب انتمائها الديني، أو الإثني، أو القومي، أو الطائفي، عندما تتضمن تحريضاً على التمييز، أو الإقصاء، أو العداء، أو العنف. فالفرق الجوهري بين النقد المشروع وخطاب الكراهية لا يكمن في حدة اللغة أو قسوتها فقط، وإنما في موضوع الخطاب وأثره؛ إذ يظل انتقاد السياسات أو المؤسسات أو الشخصيات العامة جزءاً من حرية التعبير، بينما يصبح الخطاب محظوراً عندما ينقل المسؤولية من الأفراد إلى جماعة كاملة، أو يصورها باعتبارها عدواً أو خطراً وجودياً، أو يدعو إلى حرمانها من حقوقها أو ممارسة العنف ضدها بسبب هويتها.
وللتفريق بين هذين النوعين من الخطاب، وضعت خطة عمل الرباط اختباراً معيارياً يتكون من ستة عناصر مترابطة، ينبغي تقييمها مجتمعة قبل اعتبار أي خطاب تحريضاً محظوراً:
1. السياق: ويقصد به الظروف السياسية والاجتماعية والأمنية التي صدر فيها الخطاب، إذ تزداد خطورته في المجتمعات الخارجة من النزاعات أو التي تشهد توترات طائفية أو إثنية.
2. صفة المتحدث: فكلما كان المتحدث يتمتع بنفوذ سياسي، أو ديني، أو اجتماعي، أو إعلامي، ازدادت قدرته على التأثير في الجمهور، ومن ثم ارتفعت خطورة الخطاب الصادر عنه.
3. النية: أي ما إذا كان الهدف من الخطاب مجرد التعبير عن رأي أو نقد مشروع، أم التحريض على الكراهية أو التمييز أو العنف ضد جماعة محددة.
4. مضمون الخطاب وشكله: ويشمل طبيعة اللغة المستخدمة، وما إذا كانت تتضمن أوصافاً مهينة، أو تجريداً من الإنسانية، أو تعميماً، أو دعوات صريحة، أو ضمنية للإقصاء، أو العنف.
5. مدى انتشار الخطاب: ويُقصد به حجم الجمهور الذي وصل إليه الخطاب، ووسائل نشره، ومدى تكراره، وقدرته على الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع.
6. احتمال وقوع الضرر: ويتمثل في مدى احتمال أن يؤدي الخطاب، في ضوء السياق السابق، إلى التمييز أو العداء أو العنف ضد الجماعة المستهدفة.
ويكتسب هذا الاختبار أهمية خاصة في الحالة السورية، حيث تتداخل حرية التعبير المشروعة مع خطابات سياسية ودينية وإعلامية تُستخدم أحياناً لتعميم المسؤولية على جماعات كاملة أو لنزع الشرعية عنها بسبب انتمائها الطائفي أو الإثني أو الفكري. ولذلك لا يعتمد هذا البحث على مضمون الخطاب وحده، وإنما يستند إلى معايير خطة الرباط في تحليل الأمثلة الواردة، بما يسمح بالتمييز بين النقد السياسي المشروع والخطاب الذي يرقى إلى مستوى خطاب الكراهية وفق المعايير الدولية.
أنماط خطاب الكراهية في سوريا بعد سقوط نظام الأسد
لم يتخذ خطاب الكراهية في سوريا بعد سقوط نظام الأسد شكلاً واحداً، بل تعددت الجهات المنتجة له ووسائل نشره والفئات المستهدفة. ورغم اختلاف الفاعلين، فإن كثيراً من هذه الخطابات تشترك في سمات أساسية، أبرزها تعميم المسؤولية على جماعات كاملة، ونزع الشرعية عنها، وتصويرها بوصفها تهديداً وجودياً، وهو ما يمكن تقييمه وفق المعايير الستة التي وضعتها خطة عمل الرباط. ويستعرض هذا القسم أبرز أنماط الخطاب التي برزت في المرحلة الانتقالية، مع تحليلها في ضوء تلك المعايير.
أولاً: الخطاب شبه الرسمي
من أبرز الظواهر التي برزت بعد سقوط النظام ظهور شخصيات ومنصات إعلامية لا تشغل مناصب رسمية في الدولة، لكنها تتمتع بقرب من السلطة الجديدة أو تحظى بحضور واسع في الفضاء العام، الأمر الذي يمنح خطابها أثراً يتجاوز كونه رأياً فردياً. وقد لعبت بعض هذه المنصات دوراً في التعبئة الشعبية، وفي حملات التشهير والاغتيال المعنوي بحق معارضين أو منتقدين للسلطة، كما رافقت بعض الأحداث الأمنية بخطابات تعبئة ذات طابع هوياتي.
ومن الأمثلة التي تداولها الرأي العام الحملات الإعلامية التي رافقت أحداث الساحل والسويداء، أو حملات التشهير التي استهدفت شخصيات معارضة عبر اتهامات بالخيانة أو الارتباط بالنظام السابق دون الاقتصار على نقد مواقفها السياسية.
وبالاستناد إلى اختبار الرباط، فإن تقييم هذا النوع من الخطاب يتوقف على مضمونه وسياقه. فإذا اقتصر على انتقاد أداء شخص أو مؤسسة، فإنه يدخل في نطاق حرية التعبير. أما إذا انتقل إلى تصوير جماعة اجتماعية أو دينية بأكملها باعتبارها عدواً أو شريكاً في الجريمة، أو منح شرعية ضمنية لاستهدافها، فإنه يقترب من خطاب الكراهية، خاصة عندما يصدر عن متحدثين ذوي تأثير واسع، وفي سياق يشهد توترات أمنية واحتمالاً مرتفعاً لوقوع أعمال انتقامية.
ثانياً: خطاب الكراهية الشعبي عبر المؤثرين ومنصات التواصل
أصبح الفضاء الرقمي بعد سقوط النظام الساحة الأكثر نشاطاً لإنتاج خطاب الكراهية. وأسهم مؤثرون وصناع محتوى من اتجاهات سياسية مختلفة في إعادة إنتاج صور نمطية تقوم على التعميم وتحميل جماعات كاملة مسؤولية الجرائم والانتهاكات.
فمن جهة، برزت منشورات وحملات من مؤثرين محسوبين على البيئة المؤيدة للسلطة الجديدة، استخدمت لغة ساخرة أو مهينة تجاه جماعات محددة، كما حدث في حملات مثل “قشور الموز” وغيرها، والتي تجاوزت في بعض الحالات نقد أفراد أو مرتكبي جرائم إلى السخرية من هوية جماعية أو ربطها بصفات مهينة. ومن جهة أخرى، واصل بعض المؤثرين المحسوبين على النظام السابق استخدام خطاب يصور جميع خصومهم بوصفهم “دواعش” أو “تكفيريين”، بما يؤدي أيضاً إلى اختزال جماعات واسعة في صورة نمطية واحدة. وتشير دراسات حديثة حول الفضاء الرقمي السوري إلى أن خطاب الكراهية أصبح متبادلاً بين منصات ذات توجهات مختلفة، واستهدف مجموعات دينية وسياسية متعددة.
ومن منظور خطة الرباط، لا يكفي وجود ألفاظ جارحة لتوصيف الخطاب بأنه خطاب كراهية، بل ينبغي النظر إلى عناصر أخرى، مثل حجم الجمهور، وتأثير المتحدث، وطبيعة الرسائل، وإمكانية أن تؤدي إلى تمييز أو عنف. فعندما تُستخدم وسائل التواصل لتعميم المسؤولية على جماعة دينية، أو إثنية، أو لتبرير استهدافها، أو السخرية من معاناتها، فإن الخطاب يتجاوز حدود النقد السياسي المشروع، ويتحول إلى خطاب يقوم على الهوية، وهو ما يتعارض مع المعايير الدولية.
ثالثاً: المنابر الدينية
تمثل المنابر الدينية إحدى أكثر وسائل التأثير حساسية في المجتمعات الخارجة من النزاعات، لما يتمتع به رجال الدين من مكانة اجتماعية وأخلاقية. وفي الحالة السورية، تزامنت بعض الأحداث الأمنية مع خطب أو تصريحات دينية استخدمت لغة تعبئة تستند إلى الهوية الدينية أو الطائفية، الأمر الذي أسهم في زيادة الاستقطاب الاجتماعي في بعض المناطق.
ولا يعني ذلك أن الخطاب الديني في ذاته يشكل خطاب كراهية، إذ يبقى الوعظ الديني أو الدعوة إلى الالتزام الديني جزءاً من حرية الدين والتعبير. غير أن الخطاب يفقد هذه الحماية عندما يدعو إلى معاداة جماعة دينية أو طائفية، أو يضفي شرعية أخلاقية أو دينية على إقصائها أو ممارسة العنف ضدها.
وتكتسب هذه الفئة أهمية خاصة عند تطبيق اختبار الرباط، لأن صفة المتحدث تعد أحد أهم معايير التقييم. فكلما كان المتحدث يتمتع بسلطة دينية أو رمزية واسعة، ازدادت قدرته على التأثير في الجمهور، وارتفع احتمال تحول الخطاب إلى سلوك جماعي، ولا سيما في بيئة تتسم بضعف مؤسسات الدولة، وغياب العدالة الانتقالية، وتصاعد التوترات الطائفية.
ثالثاً: آثار خطاب الكراهية وتداعياته
توضح الأدبيات المتعلقة ببناء السلام أن أخطر آثار خطاب الكراهية لا تتمثل في اللغة المستخدمة بحد ذاتها، وإنما في قدرته على تحويل التصورات السلبية تجاه جماعة معينة إلى ممارسات اجتماعية وسياسية قد تتطور إلى التمييز والعنف الجماعي. وقد بينت تجارب رواندا والبوسنة وميانمار أن انتشار الخطاب المحرض يسبق غالباً موجات العنف، لأنه يعيد تشكيل الإدراك الجمعي ويخفض الحواجز الأخلاقية أمام استهداف جماعات كاملة بسبب هويتها.
وفي الحالة السورية، يصعب إثبات علاقة سببية مباشرة بين كل خطاب وكل حادثة عنف، إلا أن تزامن تصاعد الخطاب التحريضي مع تكرار أعمال العنف ذات الطابع الطائفي، ومع أنماط التعميم الجماعي في الخطاب العام، يسمح بتحليل العلاقة بينهما في ضوء الأدبيات الدولية المتعلقة بالتحريض وخطاب الكراهية.
من الوصم إلى العنف الجماعي
إن العلاقة بين خطاب الكراهية والعنف الجماعي ليست علاقة سببية مباشرة بالضرورة، وإنما علاقة تفاعل وتراكم؛ إذ يؤدي انتشار الخطابات التي تقوم على التعميم وتجريد الجماعات من إنسانيتها إلى خفض الحواجز الأخلاقية أمام استهدافها، وهو ما أثبتته دراسات النزاعات المختلفة. فأكثر آثار خطاب الكراهية خطورة تكمن في قدرته على تهيئة البيئة الاجتماعية والنفسية التي تجعل التمييز والعنف ضد جماعة معينة أكثر قبولاً لدى الرأي العام. فوفق خطة عمل الرباط، لا يُقيَّم الخطاب بمعزل عن السياق الذي يصدر فيه، أو مكانة المتحدث، أو حجم انتشاره، أو احتمال أن يؤدي إلى أفعال ضارة.
وفي الحالة السورية، تزامنت عدة موجات من العنف التي أعقبت سقوط نظام الأسد مع انتشار حملات واسعة من التحريض والتعميم على أساس الهوية الطائفية أو الدينية. فقد شهدت أحداث الساحل في آذار 2025، التي اندلعت عقب هجمات نفذتها مجموعات مسلحة مرتبطة بالنظام السابق، عمليات قتل واسعة خارج نطاق القانون استهدفت مدنيين، معظمهم من أبناء الطائفة العلوية، في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة. ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 803 أشخاص خارج نطاق القضاء خلال الأيام الأولى من الأحداث، مؤكدة أن عدداً كبيراً من الضحايا كانوا مدنيين، وأن عمليات القتل نُفذت على يد أطراف متعددة في سياق انهيار الضبط الأمني. كما خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا إلى وجود أدلة على وقوع انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، شملت عمليات قتل خارج القانون وعنفاً ذا بعد طائفي استهدف مدنيين.
ورغم أن اندلاع العنف ارتبط بعوامل أمنية وعسكرية معقدة، فإن الفضاء الإعلامي والرقمي سبق الأحداث ورافقها بخطابات حملت في كثير من الأحيان طابعاً تعميمياً، إذ جرى تحميل الطائفة العلوية، بصفتها جماعة، مسؤولية جرائم النظام السابق أو المجموعات المسلحة المرتبطة به، بدلاً من حصر المسؤولية في مرتكبي الانتهاكات. ووفقاً لمعايير خطة الرباط، فإن هذا النوع من الخطاب يثير القلق لأنه ينقل المسؤولية من الفرد إلى الجماعة، ويهيئ مناخاً اجتماعياً يسمح بتبرير أعمال الانتقام الجماعي.
وتكرر النمط ذاته في أحداث السويداء خلال عام 2025، حيث وثقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة انتهاكات خطيرة ارتكبتها أطراف متعددة، شملت عمليات قتل خارج نطاق القانون، واعتقالات تعسفية، وأعمال عنف ذات طابع تمييزي رافقتها إهانات وخطابات تستهدف الهوية الدينية للمجتمع الدرزي. وأكد التقرير أن الخطاب الطائفي المتبادل كان عاملاً في تصعيد العنف وتوسيع نطاقه. كما وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل أكثر من ألف شخص، من مدنيين ومقاتلين، خلال أحداث السويداء، في واحدة من أكثر موجات العنف دموية منذ سقوط النظام.
وتعزز هذه القراءة نتائج عدد من الدراسات المحلية، من بينها تقارير مركز سين للسلم الأهلي، التي وثقت ارتفاعاً في حوادث العنف ذات الطابع الطائفي، وعمليات القتل خارج نطاق القانون، وانتشار أنماط من الوصم الجماعي في الخطاب العام، ولا سيما في محافظات مثل حمص. وتبين هذه الدراسات أن استمرار الخطاب القائم على الهوية، في ظل غياب مسار واضح للمساءلة والعدالة، أسهم في تعميق الانقسام المجتمعي وإضعاف الثقة بين المكونات، بما يهدد فرص بناء سلام مستدام.
تجريم الجماعات بدلاً من محاسبة الأفراد
يقوم القانون الجنائي الوطني والدولي على مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية: مساءلة الشخص عن أفعاله لا عن انتمائه. وعلى النقيض، يمثّل تجريم الجماعات أحد أخطر أنماط خطاب الكراهية، حيث تُنسب جرائم أفراد إلى جماعة اجتماعية بأكملها فيصبح الانتماء بحد ذاته أساساً للإدانة.
تكرر هذا النمط في أحداث صحنايا وجرمانا في ربيع عام 2025، عقب انتشار تسجيل صوتي تبيّن لاحقاً أنه مفبرك، نُسب إلى أحد أبناء الطائفة الدرزية وتضمن إساءات إلى النبي محمد والصحابة. وقبل التحقق من صحة التسجيل أو تحديد المسؤول عن إنتاجه، انتشرت دعوات تحريضية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ونُظمت مظاهرات في عدد من المحافظات رُفعت خلالها شعارات عدائية استهدفت الطائفة الدرزية بصورة جماعية، وترافقت مع دعوات إلى “الثأر” و”الانتقام. وقد أعقب ذلك مواجهات مسلحة وأعمال عنف أوقعت قتلى وجرحى. ويظهر هذا التسلسل كيف يمكن للمعلومات المضللة، عندما تقترن بخطاب ديني وطائفي تعبوي، أن تسهم في تأجيج العنف المجتمعي، خاصة في ظل غياب استجابة رسمية سريعة لتفنيدها.
ويُلاحظ أن هذا النمط لم يقتصر على طائفة بعينها، بل طال أيضاً مكونات قومية وإثنية أخرى. فقد سبق الاشتباكات التي شهدها حي الشيخ مقصود في مدينة حلب انتشار خطاب تحريضي استهدف الأكراد، وقدمهم في بعض المنصات الإعلامية والرقمية بوصفهم كتلة سياسية أو أمنية واحدة، وربطهم بمشاريع انفصالية أو بجهات عسكرية محددة، بما أدى إلى طمس الفروق بين المدنيين والفاعلين العسكريين أو السياسيين. وأسهم هذا الخطاب في تكريس صور نمطية اختزلت مكوناً قومياً بأكمله في مواقف أو ممارسات بعض القوى المسلحة، وهو ما وفر بيئة أكثر قابلية للاستقطاب، وأضعف فرص التعامل مع الخلافات بوصفها نزاعات سياسية قابلة للحل، لا صراعاً بين جماعات متمايزة على أساس الهوية.
ومن منظور خطة عمل الرباط، لا يكمن الخطر في استخدام لغة حادة أو هجومية فحسب، بل في اجتماع عدد من العناصر في آن واحد: صدور الخطاب في سياق يتسم بالتوتر، ومن قبل شخصيات ذات تأثير سياسي أو إعلامي أو ديني، وتوجيهه ضد جماعة محمية بسبب هويتها، مع احتمال أن يؤدي إلى التمييز أو العداء أو العنف. وبهذا المعنى، فإن العبارات التي تعمم المسؤولية على جماعات بأكملها لا تندرج ضمن النقد السياسي المشروع، لأنها لا تناقش أفعال أفراد أو سياسات مؤسسات، بل تستهدف هوية جماعية وتربطها بالجريمة أو الخيانة أو الإرهاب.
وتبين هذه الحالات أن غياب آليات واضحة للمساءلة الفردية لا يضعف الثقة بالعدالة فحسب، بل يفسح المجال أيضاً أمام انتشار سرديات تحمل جماعات بأكملها مسؤولية الجرائم التي ارتكبها أفراد منها. وبدلاً من أن يصبح القانون هو المرجع في تحديد المسؤولية، تتحول الهوية إلى معيار للإدانة، بما يعيد إنتاج دوائر الكراهية ويهدد فرص بناء دولة تقوم على المواطنة وسيادة القانون.
رابعاً: التجربة الرواندية؛
عندما تحولت الكلمة إلى أداة للإبادة
في نيسان 1994، شهدت رواندا واحدة من أكثر جرائم الإبادة الجماعية دموية في التاريخ الحديث، إذ قُتل ما بين 500 ألف و800 ألف شخص، معظمهم من التوتسي والهوتو المعتدلين، خلال نحو مئة يوم فقط. ولم تكن سرعة القتل وحدها ما ميّز هذه الإبادة، بل الدور المحوري الذي لعبه خطاب الكراهية في تهيئة المجتمع نفسياً وأخلاقياً لتقبّل العنف والمشاركة فيه.
قبل اندلاع المجازر بوقت طويل، بدأ الخطاب الإعلامي والسياسي في إعادة تشكيل صورة التوتسي داخل الوعي الجمعي. فقد جرى تصويرهم على أنهم غرباء، وخطر وجودي، وأعداء للدولة، بينما استُخدمت لغة تجريدية تنزع عنهم صفتهم الإنسانية، فوُصفوا مراراً بـ”الصراصير”. وقد بيّنت دراسات الإبادة الجماعية أن مثل هذا الخطاب لا يهدف فقط إلى الإساءة إلى جماعة معينة، بل إلى إزالة الحواجز الأخلاقية التي تمنع ممارسة العنف ضدها، بحيث يصبح استهدافها مقبولاً، بل ومطلوباً، في نظر جزء من المجتمع.
وكانت إذاعة راديو تلفزيون ميل كولين الأداة الأبرز في هذه العملية. فمن خلال المزج بين الموسيقى والبرامج الترفيهية والأخبار، اكتسبت المحطة مصداقية وانتشاراً واسعاً، قبل أن تتحول تدريجياً إلى منصة للتحريض المنظم على الكراهية. ولم يقتصر دورها على نشر خطاب يشيطن التوتسي، بل ساهمت في تكريس صور نمطية تصورهم كجماعة واحدة متجانسة تتحمل مسؤولية جماعية عن الأزمات التي تعيشها البلاد، وهو ما أدى إلى ترسيخ الانقسام بين مكونات المجتمع وإلغاء الفروق بين الأفراد داخل الجماعة المستهدفة.
تكشف التجربة الرواندية أن الإبادة الجماعية لا تبدأ بالسلاح، بل تبدأ باللغة. فهي تبدأ عندما يُختزل الأفراد في هوياتهم الدينية أو العرقية، وعندما تتحول الهوية إلى معيار للحكم على الإنسان بدلاً من أفعاله، وعندما تُستبدل المسؤولية الفردية باتهام جماعة كاملة. وفي هذه المرحلة يصبح خطاب الكراهية أداة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي قبل أن يتحول إلى عنف مادي على الأرض.
وتبرز في هذا السياق أوجه تشابه تستحق التأمل مع الحالة السورية. فخلال سنوات الصراع، ومع سقوط النظام، شهد الفضاء الإعلامي والرقمي انتشار خطابات تربط أفعال النظام السابق أو بعض الفصائل المسلحة بهويات دينية أو طائفية كاملة، وتُحمّل مكونات اجتماعية بأكملها مسؤولية جرائم ارتكبها أفراد أو مؤسسات. كما ساهمت بعض المنابر الإعلامية والدينية ومنصات التواصل الاجتماعي في إعادة إنتاج الصور النمطية، وتعزيز لغة التخوين والإقصاء، وإعادة تعريف المواطنين من خلال انتماءاتهم الطائفية أو الإثنية بدلاً من مواطنتهم.
إن الدرس الأبرز الذي تقدمه رواندا لسوريا يتمثل في أن التساهل مع خطاب الكراهية في مراحله الأولى يمنحه القدرة على التحول إلى ثقافة اجتماعية يصعب احتواؤها لاحقاً. فكلما ترسخت الصور النمطية، واتسعت دائرة التعميم، وتراجعت الهوية الوطنية الجامعة أمام الهويات الفرعية، ازداد خطر انتقال المجتمع من الانقسام السياسي إلى الانقسام المجتمعي، ومن الخلاف إلى العداء، ومن الكلمة المحرّضة إلى العنف.
خامساً: أثر تأخر العدالة الانتقالية في انتشار خطاب الكراهية وإعادة إنتاج الانقسامات الاجتماعية في سوريا
إنّ انتشار خطاب الكراهية في سوريا خلال المرحلة الانتقالية لا يمكن فهمه بوصفه مجرد نتيجة مباشرة للتوترات السياسية أو الأمنية التي رافقت سقوط النظام، بل هو انعكاس لمسار أعمق يرتبط بكيفية تعامل المجتمع والدولة مع إرث طويل من العنف والانتهاكات والانقسامات. وفي قلب هذا المسار يبرز غياب العدالة الانتقالية أو تأخرها باعتباره أحد العوامل الأساسية التي ساهمت في خلق بيئة نفسية واجتماعية وسياسية قابلة لإعادة إنتاج خطاب الكراهية.
فالعدالة الانتقالية لا تمثل مجرد مرحلة قضائية لاحقة لانتهاء الصراع، ولا تختزل في محاكمة بعض الأشخاص، وإنما هي عملية شاملة تهدف إلى إعادة تنظيم علاقة المجتمع بماضيه، من خلال كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات الفردية، وإنصاف الضحايا، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وبناء ذاكرة وطنية مشتركة تمنع تحول الألم إلى صراع دائم بين الجماعات.
ومن هذا المنطلق، فإن ما يجري من محاكمات أو إجراءات قضائية محدودة، رغم أهميتها من حيث المبدأ، لا يرقى بالضرورة إلى مفهوم العدالة الانتقالية بمعناه الكامل؛ لأن المحاكمات الجزائية، مهما بلغت أهميتها، تعالج جانباً واحداً من المشكلة يتعلق بمحاسبة بعض المسؤولين عن أفعال محددة، لكنها لا تجيب وحدها عن الأسئلة الكبرى التي تفرضها المجتمعات الخارجة من النزاعات: كيف حدثت الانتهاكات؟ ما السياق الذي أنتجها؟ من هم الضحايا الذين لم تُسمع أصواتهم؟ كيف يمكن معالجة آثار الصراع على المجتمع ككل؟ وكيف يمكن بناء ضمانات تمنع إعادة إنتاج أسباب العنف؟
إن العدالة الانتقالية ليست مجرد البحث عن المذنب، بل هي محاولة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة وبين الجماعات المختلفة داخل المجتمع. وعندما يتأخر هذا المسار أو يبقى ناقصاً، فإن الماضي لا يبقى خلف المجتمع، بل يستمر في الحضور داخله. فالمجتمعات الخارجة من الحروب لا تحمل فقط آثار الدمار المادي، وإنما تحمل أيضاً ذاكرات مثقلة بالخوف والفقدان والشعور بالظلم. وإذا لم تجد هذه الذاكرات إطاراً قانونياً ومؤسساتياً يعترف بها وينظمها، فإنها تتحول من ذاكرة تسعى إلى العدالة إلى ذاكرة تبحث عن تفسير للغضب، وقد يصبح هذا التفسير قائماً على تحميل جماعات كاملة مسؤولية أفعال ارتكبها أفراد أو مؤسسات محددة.
وهنا تظهر إحدى أخطر النتائج التي يفرزها غياب العدالة الانتقالية، وهي ما يمكن تسميته بـ”خصخصة العدالة”. والمقصود بهذا المفهوم ليس فقط لجوء الأفراد إلى الانتقام خارج القانون، وإنما تحول فكرة العدالة ذاتها من قيمة عامة تنظمها المؤسسات والقواعد القانونية إلى إحساس خاص تحدده التجارب الشخصية والجماعية والذكريات المؤلمة. فعندما تفقد المجتمعات ثقتها بأن المؤسسات قادرة على كشف الحقيقة وتحقيق الإنصاف، تبدأ الجماعات بإنتاج تصوراتها الخاصة عن العدالة، وتصبح كل جماعة صاحبة روايتها الخاصة عن الضحية والجاني، وعن المسؤولية والبراءة.
وفي هذه الحالة، لا يعود القانون هو المرجع الأساسي لتحديد المسؤولية، بل تحل محله الذاكرة الجماعية والانتماءات الاجتماعية. فينتقل السؤال من: “من ارتكب الفعل؟” إلى: “إلى أي جماعة ينتمي من ارتكب الفعل؟”. وهذا التحول يمثل نقطة الانطلاق الأساسية لخطاب الكراهية، لأنه ينقل المسؤولية من المجال الفردي إلى المجال الجماعي، ومن الفعل المحدد إلى الهوية العامة. عندها تصبح الجماعة قابلة للإدانة أو الانتقام بسبب أفعال لم ترتكبها بوصفها جماعة.
وتفسر نظريات علم النفس الاجتماعي هذا التحول من خلال مفهوم الهوية الاجتماعية، الذي يشير إلى أن الإنسان يميل إلى تعريف ذاته من خلال الجماعات التي ينتمي إليها، وأن هذه الهوية تصبح أكثر حضوراً عندما يشعر الفرد بالتهديد أو فقدان الأمان. ففي المجتمعات المستقرة، يمكن للهويات الدينية أو الإثنية أو المناطقية أن تبقى ضمن إطار ثقافي واجتماعي طبيعي، لكن في المجتمعات التي خرجت من صراع عنيف، ومع غياب دولة عادلة وقادرة على حماية الجميع، تتحول هذه الهويات إلى أدوات دفاع نفسي وسياسي.
حيث يبحث الإنسان عن الأمان داخل جماعته عندما يفقد الثقة بالمؤسسات، ويبدأ بتفسير العالم من خلال ثنائية “نحن” و”هم”.
ومن هنا فإن تأخر العدالة الانتقالية لا يترك فراغاً قانونياً فقط، بل يترك فراغاً نفسياً. فالضحايا لا يحتاجون فقط إلى العقوبة، بل يحتاجون إلى الاعتراف بمعاناتهم، لأن الاعتراف يمثل جزءاً أساسياً من استعادة الكرامة والشعور بالعدالة. وعندما يغيب هذا الاعتراف، قد تتحول الصدمة الفردية إلى صدمة جماعية، وتتحول المظلومية من تجربة إنسانية تحتاج إلى المعالجة إلى هوية سياسية تعيد إنتاج الانقسام.
وتشير دراسات الصدمات الجماعية إلى أن المجتمعات التي تتعرض لعنف واسع لا تنسى التجربة بمجرد توقف القتال، لأن آثار الصراع تستمر في الذاكرة والسلوك والعلاقات الاجتماعية. فالخوف الذي لم تتم معالجته يتحول إلى شك، والشك يتحول إلى عزلة، والعزلة قد تتحول إلى عداء. وفي ظل غياب آليات العدالة والمصالحة، قد تنتقل مشاعر الخوف والانتقام بين الأجيال، ليس بوصفها ذكريات شخصية فقط، بل بوصفها روايات جماعية تحدد موقف الجماعة من الآخرين.
كما أن غياب العدالة الانتقالية يسمح بظهور ما يمكن وصفه بـ «اقتصاد المظلومية»، حيث تتنافس الجماعات على إثبات أنها الضحية الأكبر والأكثر استحقاقاً للاعتراف. ولا تكمن المشكلة في الاعتراف بالضحايا، فهذا حق أساسي لا يجوز المساس به، وإنما في غياب الإطار الوطني الذي يعترف بآلام الجميع ضمن منظومة واحدة من المسؤولية والعدالة. فعندما تصبح كل جماعة أسيرة روايتها الخاصة، يتحول الألم من جسر نحو الفهم إلى أداة لإعادة إنتاج الحدود بين الناس.
وفي السياق السوري تحديداً، تزداد خطورة هذا الأمر بسبب تعدد مستويات الصراع وتداخل العوامل السياسية، والطائفية، والإثنية، والمناطقية. فقد خرجت مكونات المجتمع المختلفة وهي تحمل تجارب مختلفة مع العنف والانتهاكات، وفي ظل غياب مسار شامل يحدد المسؤوليات الفردية ويضع الأحداث ضمن إطار قانوني واضح، أصبح المجال مفتوحاً أمام التعميمات والأحكام الجماعية. وهنا تصبح وسائل التواصل الاجتماعي عاملاً مضاعفاً، إذ تسمح بإعادة إنتاج الصور والقصص المجتزأة خارج سياقها، وتحويل أفعال أفراد أو مجموعات صغيرة إلى أحكام على جماعات كاملة.
ومن الناحية السياسية، فإن تأخر العدالة الانتقالية يضعف أيضاً شرعية المرحلة الانتقالية نفسها؛ لأن الانتقال الحقيقي لا يعني فقط تغيير السلطة، بل يعني تغيير العلاقة بين المواطن والدولة. فإذا شعر الناس أن الماضي لم يُعالج بعدالة، وأن بعض المسؤوليات لم تُحدد، وأن بعض الضحايا لم يحصلوا على الاعتراف، فإن حالة عدم الثقة تستمر، وتبقى البيئة السياسية قابلة لاستخدام خطاب الكراهية كوسيلة تعبئة وحشد.
فالخطابات المتطرفة تجد قوتها عادة في الفراغات؛ فراغ الحقيقة، وفراغ العدالة، وفراغ الثقة. وعندما لا تقدم المؤسسات إجابات مقنعة عن أسئلة الماضي، تتقدم الروايات الأكثر عاطفية والأكثر قدرة على إثارة الخوف. وهنا يصبح خطاب الكراهية ليس مجرد تعبير عن العداء، بل محاولة نفسية وسياسية لملء فراغ تركته الدولة والمؤسسات.
وبناءً على ذلك، فإن العلاقة بين تأخر العدالة الانتقالية وانتشار خطاب الكراهية في سوريا ليست علاقة عرضية، بل علاقة سببية عميقة. فالتأخير الطويل في معالجة إرث الانتهاكات أدى إلى استمرار الجراح مفتوحة، وسمح بتحول الذاكرة إلى أداة صراع، ودفع بعض الجماعات إلى خصخصة العدالة، وإلى البحث عن تفسير جماعي للمعاناة، وهو ما وفر البيئة المناسبة لانتشار خطاب يقوم على التعميم والإقصاء والعداء.
إن العدالة الانتقالية لا تمنع الكراهية لأنها تمحو الماضي، بل لأنها تمنع استخدام الماضي كسلاح ضد الحاضر. فهي تعيد وضع المسؤولية في مكانها الصحيح: على الأفراد والجهات التي ارتكبت الأفعال، لا على الجماعات التي ينتمون إليها. وهي تنقل المجتمع من منطق الانتقام إلى منطق المسؤولية، ومن منطق الخوف إلى منطق القانون.
ولهذا فإن بناء مستقبل سوري مستقر لا يتطلب فقط محاكمة من ارتكب الجرائم، بل يتطلب بناء إطار شامل يجعل الحقيقة ممكنة، والاعتراف ممكناً، والعدالة قابلة للثقة. لأن المجتمع الذي لا يجد طريقاً عادلاً لمعالجة ماضيه يبقى أسيراً له، وكلما طال تأخر العدالة، اتسعت المساحة التي يمكن أن تشغلها الكراهية. فحين يغيب القانون، تتقدم الذاكرة الانتقامية؛ وحين تغيب الحقيقة، تنتشر الروايات المتصارعة؛ وحين تتأخر العدالة، يتحول الألم الإنساني من دعوة للإنصاف إلى وقود جديد للانقسام.
سادساً: نحو استراتيجية وطنية لتفكيك خطاب الكراهية وإعادة بناء الثقة المجتمعية
إن الحد من خطاب الكراهية في سوريا لا يمكن أن يتحقق من خلال مقاربة جزئية تقتصر على تجريم بعض العبارات أو ملاحقة بعض الأفراد، لأن هذا الخطاب هو نتيجة تراكم تاريخي وسياسي واجتماعي طويل أنتجته عقود من الاستبداد، والحرب، وانهيار الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة. لذلك فإن أي سياسة وطنية جادة لمواجهته يجب أن تنطلق من فهم عميق لطبيعته باعتباره أحد أعراض أزمة أوسع تتمثل في ضعف مفهوم المواطنة، وتراجع سلطة القانون، وتحول الهويات الفرعية إلى بدائل عن الهوية الوطنية الجامعة. ومن هنا فإن مواجهة خطاب الكراهية ينبغي أن تكون جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمساواة وسيادة القانون، لا مجرد استجابة أمنية مؤقتة لخطابات متطرفة أو حالات احتقان اجتماعي.
وتبدأ هذه الاستراتيجية من مسؤولية الدولة في إعادة إنتاج خطاب سياسي وطني جديد يقوم على مبدأ أن السلطة لا تمثل جماعة أو طائفة أو منطقة، وإنما تمثل جميع المواطنين على قدم المساواة. فالسلطة الانتقالية، خصوصاً بعد فترات الصراع والانقسام، تتحمل مسؤولية مضاعفة في ضبط خطابها العام، لأن اللغة الرسمية لا تكتفي بوصف الواقع، بل تساهم في تشكيله. وعليه فإن أي خطاب رسمي يقوم على التعميم أو التخوين أو تحميل جماعات اجتماعية بأكملها مسؤولية أفعال أفراد سيعيد إنتاج المنطق ذاته الذي غذّى الانقسامات خلال العقود الماضية. في المقابل، فإن اعتماد خطاب قائم على المسؤولية الفردية، واحترام التنوع، والاحتكام إلى القضاء، يشكل خطوة أولى نحو تفكيك التصورات الجماعية القائمة على الخوف والشك.
وعلى المستوى المؤسسي، تحتاج سوريا إلى تبني استراتيجية وطنية لمكافحة خطاب الكراهية وتعزيز التماسك الاجتماعي تكون جزءاً من سياسات الدولة العامة، لا مبادرة ظرفية مرتبطة بمرحلة سياسية محددة. وتتطلب هذه الاستراتيجية إنشاء آليات مستقلة للرصد والتحليل، مهمتها متابعة أنماط الخطاب التحريضي، ودراسة مصادر انتشاره، وتقديم توصيات للجهات الحكومية والمجتمعية. ويجب أن تقوم هذه الآليات على منهج حقوقي يوازن بين حماية المجتمع من التحريض وبين صيانة حرية التعبير، بحيث لا تتحول مكافحة الكراهية إلى ذريعة لقمع الرأي السياسي أو إسكات المعارضة، وإنما تركز حصراً على الخطابات التي تتضمن دعوة مباشرة إلى العنف أو التمييز أو الإقصاء بحق جماعات محددة.
وفي المجال التشريعي والقضائي، تبرز الحاجة إلى تطوير إطار قانوني واضح ودقيق يجرّم التحريض على العنف والكراهية، مع وضع ضمانات تمنع الاستخدام التعسفي للقانون. فالمشكلة ليست في وجود آراء متعارضة داخل المجتمع، إذ إن الاختلاف جزء طبيعي من الحياة السياسية، وإنما في تحويل هذا الاختلاف إلى دعوة لإلغاء الآخر أو تجريده من حقوقه الإنسانية. ولذلك يجب أن تقوم المعالجة القضائية على معايير موضوعية، منها طبيعة الخطاب، وسياقه، ومدى تأثيره المحتمل، ووجود خطر حقيقي ناتج عنه، مع ضمان استقلال القضاء عن التجاذبات السياسية. كما أن تعزيز ثقة المواطنين بالقضاء يمثل أحد أهم أدوات الوقاية من الكراهية، لأن المجتمعات التي تفقد الإيمان بالعدالة تميل إلى البحث عن بدائل انتقامية تقوم على منطق الجماعة والهوية.
وترتبط مكافحة خطاب الكراهية ارتباطاً وثيقاً بمسار العدالة الانتقالية، إذ لا يمكن مطالبة مجتمع عاش سنوات طويلة من العنف والنزوح والقتل والاعتقال بتجاوز الماضي دون معالجة عادلة للانتهاكات. فغياب الحقيقة والمساءلة يترك الجروح مفتوحة ويجعل الذاكرة الجماعية قابلة للاستثمار السياسي والتحريضي. لذلك فإن كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وفق مبدأ المسؤولية الفردية، تشكل شروطاً أساسية لمنع انتقال المظالم من جيل إلى آخر وتحولها إلى صراعات هوية. العدالة الانتقالية هنا لا تهدف إلى الانتقام، وإنما إلى تفكيك منطق الانتقام من خلال إعادة الاعتبار للقانون باعتباره المرجعية الوحيدة لتحقيق العدالة.
أما على المستوى المجتمعي، فإن بناء السلام الاجتماعي يتطلب الانتقال من سياسة التعايش السلبي بين المكونات إلى سياسة الاعتراف المتبادل والشراكة الوطنية. وهذا يستدعي إطلاق برامج حوار مجتمعي حقيقية على المستوى المحلي والوطني، تشارك فيها مختلف الفئات الاجتماعية، بهدف معالجة الصور النمطية المتبادلة، وإعادة بناء سردية وطنية مشتركة لا تنكر معاناة أي طرف ولا تسمح بتحويلها إلى أداة لإدانة جماعات كاملة. كما ينبغي إدماج مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان والتنوع في المناهج التعليمية، لأن بناء ثقافة التسامح يبدأ من المؤسسات التي تصنع وعي الأجيال الجديدة.
ويشكل الإعلام والفضاء الرقمي أحد أهم ميادين المواجهة، نظراً للدور الكبير الذي لعبته المنصات الإلكترونية في نشر الشائعات والتحريض خلال سنوات النزاع. ولذلك فإن المطلوب ليس فرض رقابة شاملة على المجال الرقمي، وإنما بناء بيئة إعلامية مسؤولة تقوم على المهنية والتحقق من المعلومات، وتدريب الصحفيين على التعامل مع قضايا الهوية والنزاعات، وإنشاء برامج للتربية الإعلامية تساعد المواطنين على التمييز بين المعلومات والتحريض. كما يجب مواجهة الحملات المنظمة التي تستخدم الحسابات الوهمية لنشر الكراهية باعتبارها تهديداً للسلم الأهلي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الحق في التعبير والنقاش العام.
ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي والاجتماعي في معالجة هذه الظاهرة، إذ إن الفقر والتهميش وغياب العدالة في توزيع الفرص قد تتحول إلى عوامل تزيد قابلية المجتمعات لتقبل الخطابات المتطرفة. لذلك فإن سياسات التنمية وإعادة الإعمار يجب أن تراعي مفهوم العدالة، وأن تضمن عدم شعور أي منطقة أو جماعة بأنها مستبعدة من مشروع الدولة الجديدة. فالمواطنة لا تُبنى فقط بالنصوص الدستورية، وإنما من خلال شعور عملي لدى المواطن بأن الدولة توفر له الحماية والفرص والكرامة على قدم المساواة.
وفي المحصلة، فإن المعركة ضد خطاب الكراهية في سوريا ليست معركة ضد كلمات أو منشورات فحسب، وإنما هي معركة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الجماعات المختلفة داخل المجتمع. فكلما كانت الدولة عادلة وقوية بالقانون، تراجعت الحاجة إلى الاحتماء بالهويات الفرعية، وكلما غابت العدالة انتعشت سرديات الخوف والانتقام. ولذلك فإن النجاح في الحد من خطاب الكراهية يتطلب رؤية وطنية طويلة الأمد تقوم على أربع مرتكزات مترابطة: دولة قانون تحمي الجميع، وعدالة انتقالية تعالج جراح الماضي، ومؤسسات تعليمية وإعلامية تبني ثقافة المواطنة، ومجتمع مدني قادر على إعادة وصل الروابط الاجتماعية التي مزقتها الحرب. وبذلك يصبح تجاوز خطاب الكراهية جزءاً من عملية بناء الدولة السورية الجديدة، لا مجرد معالجة لأحد مظاهر الأزمة.
خاتمة
وأخيراً، فإن خطاب الكراهية في سوريا ليس وليد لحظة سياسية عابرة، ولا مجرد انعكاس لانفجار أمني أو فراغ سياسي أعقب سقوط النظام، بل هو نتيجة تراكمات تاريخية وسياسية عميقة كشفت هشاشة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الهوية الفردية والانتماء الوطني. فالكراهية لا تنشأ من التنوع، لأن التنوع سمة أصيلة في المجتمعات الإنسانية، وإنما تنشأ عندما يفشل النظام السياسي في تحويل هذا التنوع إلى مواطنة، وعندما تتحول الاختلافات الطبيعية إلى أدوات للصراع والخوف.
لقد أظهرت التجربة السورية أن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس وجود ذاكرات متعددة، بل غياب الإطار العادل الذي ينظم هذه الذاكرات. فالجرح الذي لا يجد طريقه إلى الحقيقة والعدالة لا يلتئم، بل يتحول إلى ذاكرة غاضبة قابلة للاستدعاء، والتاريخ الذي لا يُقرأ بعين المسؤولية يصبح مادة لإعادة إنتاج العداء بدلاً من أن يكون درساً لمنع تكراره.
إن جوهر خطاب الكراهية يكمن في الانتقال من محاسبة الفرد على أفعاله إلى محاكمة الجماعة على هويتها. وعندما يصبح الانتماء دليلاً على الذنب، تفقد العدالة معناها، ويتحول المجتمع من البحث عن الحقيقة إلى البحث عن خصم. فالكراهية لا تبدأ دائماً بالعنف، بل تبدأ بفكرة بسيطة وخطيرة: أن الإنسان يمكن اختزاله في هويته.
ولهذا فإن مواجهة خطاب الكراهية في سوريا لا تكون فقط عبر تجريم التحريض، بل عبر معالجة جذوره العميقة؛ بناء دولة القانون، وترسيخ العدالة الانتقالية، والاعتراف بمعاناة جميع الضحايا، وإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس المساواة لا الولاءات الفرعية.
فالدولة التي تفشل في حماية مواطنيها تتركهم يبحثون عن الأمان داخل جماعاتهم، أما الدولة العادلة فتحررهم من الخوف وتجعل المواطنة مصدر الحماية الأول. والمستقبل لا يُبنى بإنكار الماضي، ولا بالعيش أسيراً له، بل بتحويله إلى معرفة تمنع تكرار المأساة.
وفي النهاية، فإن المعركة ضد خطاب الكراهية هي معركة على هوية سوريا نفسها: هل تكون وطناً تتسع فيه الاختلافات تحت سقف القانون، أم مساحة تتنافس فيها الهويات على الخوف والنجاة؟ فالأمم لا تُقاس فقط بقدرتها على تجاوز الحروب، بل بقدرتها على تحويل جراحها إلى عدالة، وذاكرتها إلى حكمة، وتنوعها إلى قوة وطنية جامعة.
التحالف السوري الديمقراطي
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




